روسيا ... أضحت مقصداً للجماعات الإسلامية

نظيمات عابثة في مناطق الشيشان

الإسلام السياسي هو محاولة تفعيل الإسلام سياسيا، بإخراجه من حيز العبادات إلى ميدان المعاملات والسياسة، ودمجهما في رؤية بديلة للمجتمع والدولة والثقافة وبالتالي للعولمة. في الماضي تعامل المحللون السياسيون في الغرب مع حركات الإسلام السياسي كقوى معارضة فاعلة في المجتمعات العربية تحاول إثبات وجودها في ظل قمع من السلطات العلمانية الحاكمة أما اليوم فبدأ هذا المصطلح يستخدم عمليا في الأوساط السياسية والثقافية بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1978- 1979. لكن بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 تم توصيف الحركات بـ"الإسلاميين المتطرفين"، وشنت عليهم حربا دولية ودخلت روسيا في هذا التحالف علناً.

يحاول البروفيسور الروسي ألكسندر أغنتينك في كتاب "الإرهاب ضد روسيا" أن يعرض مقتطافات من أعمال الإرهابين الذين غزوا روسيا بالفكر الإسلامي المتطرف، وهنا يعطي صورة مغالطة لمصطلحات تعمم في الأدبيات الروسية والإعلام والسياسة وبالتالي يطلق على كل من هو أسود أنه "إرهابي"، ومرتبط بالقاعدة ذات الفكر الوهابي وأنه ممول سعوديا، أي إن السعودية راع لهذا التطرف الذي يشكل خطرا خارجيا.

الإسلام الصاعد وروسيا الجديدة:

مع انهيار الاتحاد السوفييتي وظهور الدولة الروسية على أنقاضه، لم يعد ظهور الحركات الإسلامية أو تأثيرها المباشر على الحياة السياسية والاجتماعية والقومية احتمالا نظريا مجردا، بل تعدت ذلك لتدخل منعطفا جديداً وتحديداً في العام 1992 برزت المشكلة الإسلامية مع الحكومة الروسية مع بعض العناصر المسلمة والسبب يعود إلى الرئيس الروسي حين أطلق شعاره التاريخي خذوا استقلالاً كما تريدون لتعويم دوره في روسيا، فكانت الرغبة للجمهوريات والأقاليم الروسية بالاستقلال أو تكوين كيانات خاصة بها يحكمها التوجه الإسلامي نتيجة الأكثرية الموجودة فيها من الإسلاميين، والثانية فشل الأيديولوجية الشيوعية والبحث عن بديل فكان التوجه السريع نحو الدين في الإسلام والمسيحية.

في ظل الانهيار الروسي، وتراجع دورها كدولة عالمية أضحت روسيا مقصداً لكل المبشرين الإسلاميين أو من يعرفون بناشري الدعوة الإسلامية الذين لقوا ترحاباً من السكان الباحثين عن دعم مادي وأيديولوجي، فتم تأسيس مراكز اجتماعية وثقافية وخيرية وجوامع ومراكز ثقافية لتدريس الدين والشريعة، فحطت القوى المتطرفة رحالها في روسيا، وتكاثر أصحاب الثورة المستمرة والفكر الأممي الأخضر.

لكن مع حرب البوسنة وتعرض القومية البشناقية لأشد صنوف التعذيب والتنكيل بدأت طلائع الجهاديين تتدفق إلى البوسنة عام 1994 وهم من باتوا يعرفون بالمجاهدين أو العرب الأفغان أي الذين قاتلوا السوفييت في أفغانستان ومن ثم عرفوا بـ"تنظيم القاعدة".

وقتها كان الموقف الروسي الداعم لنظام ميلوسوفيتش، لا يختلف عن الموقف الذي تمارسه روسيا في مساعدتها للنظام السوري وحمايتها له. لكن مع اشتداد الأزمة في الشيشان وتصاعدها التصادمي بين الشعب والدولة وتحولها إلى مأساة حقيقية نتيجة القتل والتدمير والتهجير، بدأت العلاقة الروسية تتأزم مع العالمين الإسلامي والعربي وخاصة بعد وصول مجموعات كبيرة إلى أرض الشيشان لمساعدتهم في حربهم ضد الروس.

حرب الشيشان والانفصال:

إن موقف روسيا في التسعينيات من القرن الماضي من الانفصاليين الشيشان، ثم الحرب الأهلية في يوغسلافيا السابقة، أيقظ مارد الإسلام السياسي والجهادية السلفية، التي يجري توصيفها بـ"الخطر الوهابي السلفي الجهادي"، حيث إن للروس خبرة مبكرة بـ"الإخوان المسلمين"، منذ حكم جمال عبدالناصر، حيث تلقت المخابرات المصرية التدريب على يد المخابرات الروسية، وكانت الصدامات بين الجماعات والسلطة المصرية قد امتدت قرابة عقدين من الزمن، ولهذا كانت روسيا سباقة إلى اعتبار جماعة "الإخوان المسلمين" جماعة إرهابية منذ 2003.

لكن د.ناصر زيدان يقول إن ظهور التمرد في الشيشان وانسحاب الرئيس جوهر دودايف من الاتفاقات الموقعة مع موسكو فرض على يلتسن التدخل العسكري مجددا فاجتاحت الدبابات الروسية غروزني عاصمة الشيشان في شباط/ فبراير 1994 وعندها ظهرت المقاومة الإسلامية العنيفة ضد الروس، مما أدخلهم في حرب مجهولة وقذرة استمرت لعدة سنوات.

فالرئيس الراحل بوريس يلتسن حاول إنهاء الخلاف وإجراء استفتاء شعبي يقوم على خروج إقليم الشيشان من روسيا بمدة انتقالية خلال خمس سنوات، لكن تفاقم الأزمة وتصدر القوى الجهادية المنضوية في تنظيم القاعدة العابث في مناطق الشيشان وشن الحرب على روسيا واستباحة جمهورية داغستان، كل ذلك دفع الرئيس يلتسن إلى التراجع عن موقفه والدخول في مواجهة جديدة ضد الأحزاب المتطرفة يقودها الرئيس الحالي فلاديمير بوتين لتكون هذه الحملة شعاره الانتخابي ويقضي بعدها على أحلام الاستقلال لدى الشيشانيين نتيجة حرب داغستان.

أما د. لمى مضر الأمارة فتعتبر أن العامل الشيشاني مؤثر بالاستراتيجية ص(50) الروسية الداخلية نظرا لموقعها الجيوسياسي، الذي يربط روسيا بالمناطق الإسلامية الأخرى، ونظرا لعلاقتها المتوترة تاريخيا مع روسيا والاستقرار الشيشاني سوف ينعكس على كل روسيا ص، وبالتالي كانت القيادة الروسية تضع رغبة قاطعة في القضاء على أمل الشيشان، ص والاستقلال، مما دفع بالرئيس بوتين لخوض معركته الانتخابية عام 1999، وحينها أطلق جملته الشهيرة سوف نلاحق الإرهاب في الحمامات، ولكن عادل الجبوري يؤكد في كتابه أن بوتين صعد إلى السلطة على أشلاء الشيشان خلال فصل كامل تحت اسم "قصة المؤامرة على الشيشان بالتفاصيل اليومية" ويروي فيه قصة المؤامرة على الشعب الشيشاني والتي صعد بها الرئيس بوتين إلى السلطة من خلال أحداث يربطها بهذا العامل.

اختلاف في الإسلام الروسي:

مع أن للإسلام في روسيا معالم مختلفة في مناطق حوض الفولغا وشيشانيا وداغستان، فإنه موحد من حيث سعيه للحفاظ على الاستقلال القومي والأصالة الثقافية لمعتنقيه. ولكنه مقيد الآن بمعترك الآفاق المستقبلية للفيدرالية الروسية المعاصرة ونظامها الاجتماعي الاقتصادي والسياسي.

ظهرت تتارستان كجمهورية ذات حكم ذاتي ضمن روسيا الاتحادية عام 1920. وعدد سكانها حسب إحصائية 1997 حوالي أربعة ملايين نسمة.

وقد انتشر الإسلام بينهم بطريقة سلمية عن طريق التجارة والثقافة عبر إيران وآسيا الوسطى. وبغض النظر عن بقايا العادات والتقاليد الوثنية القديمة فإن تغلغله من خلال العلاقات التجارية الثقافية أعطى له أبعاداً كشفت عن قوتها في المراحل اللاحقة لصعود الدولة وصراعها التاريخي الحاد مع الروس.