روح غرناطة تحلق في سماء فاس المغربية

فاس (المغرب)
رسالة سلام بلغات العالم..

رفرفت روح غرناطة٬ آخر رموز الوجود العربي بالأندلس الثلاثاء في سماء متحف البطحاء بفاس٬ على شدو الحاخام حاييم لوك وعبد الرحيم الصويري٬ اللذين أبدعا في أداء مقاطع من التراث العربي الأندلسي الأصيل.

وتحت شجرة البلوط التاريخية بالبطحاء٬ سافر الفنانان عبر الزمان والمكان بالحضور في أجواء من البهجة والحبور٬ كانت ولاشك ليالي قصر الحمراء شاهدة على أمثالها.

كانت هناك مؤشرات لنجاح الحفل حتى قبل أن يبدأ٬ عندما ارتأى المنظمون أن ينقل من "دار المقري" التي لم تكن لتحتضن جمهورا غفيرا كذلك الذي حضر لحفل أمس٬ صوب متحف البطحاء٬ واتضح بالفعل أن الفكرة سديدة. فقد كان الفنانان في مستوى التطلعات٬ مؤازرين بموسيقيين في أوج عطائهم الفني.

شكل تواجد الفنانين٬ أحدهما يهودي والآخر مسلم٬ في حد ذاته٬ رسالة راقية في معاني التسامح والسلام٬ وشكل الحفل أيضا مناسبة لصون تراث يهودي-عربي عزيز.

كان حاييم لوك أول من اعتلى المنصة. بصوته القوي الشجي٬ أدى مقاطع من "النوبات" العربية الأندلسية٬ وهي عبارة تأليف موسيقي متكامل يتضمن مجموعة من القوالب الآلية والصوتية تعتمد في تراكيبها اللحنية على وحدة الطبع أو المقام. وبمرور الوقت كان حاييم يبث الحماس في أجواء الحفل بتصفيقات حماسية عند الانتقال من وصلة إلى أخرى.

ومن حين لآخر٬ كان يوجه عبارات الثناء والمديح للجمهور كعربون افتخار بأبناء "بلده"٬ المغرب. "يمكن أن نمجد الله الواحد بلغات متعددة"٬ كلمات لحاييم انتزعت إعجاب الجمهور الذي انخرط معه بشكل كامل في هذه رسالة التي عنوانها السلام والمحبة. وتأكيدا لذلك أدى حاييم مقاطع وابتهالات بالعربية والعبرية والإسبانية.

في الجزء الثاني من الحفل٬ افتتح الفنان عبد الرحيم الصويري لقاءه بالجمهور بمجموعة من الابتهالات الهادئة٬ ومقاطع تعطرت فيها الأجواء بالصلاة على سيدنا محمد٬ تخللتها مقطوعات بديعة من آلات الكمان والقانون انتزعت تصفيقات مطولة من الجمهور.

ولم يتأخر الصويري كثيرا لكي يلهب حماس الجمهور بأدائه لمقاطع من قصيدة "المنفرجة" الشهيرة٬ حاثا الجمهور في كل مرة على مشاركته في أداء بعض المقاطع٬ قبل أن يختتم الفقرة في اندماج كلي مع الأجواء الحماسية.

وكان الحضور مع آخر فقرات الحفل٬ التي عرفت أداء مشتركا لعبد الرحيم الصويري وحاييم لوك٬ اللذين اعتليا المنصة سويا وجعلا الجمهور يواصل ما تبقى من الحفل وقوفا٬ اندماجا مع جو حماسي بهيج. ولاشك أن الانسجام الذي أبداه الرجلان٬ تواصلا وأداء٬ يشير إلى شعوب مختلفة عاشت في ما مضى في تناغم تام على غرار فن "المطروز" الذي ينسج بشكل فريد بين الكلمات العربية والعبرية.