روحاني .. الرئيس الذي مرروه 'اصلاحيا'

لو كان حسن روحاني، الذي أصبح الرئيس الحادي عشر للجمهورية الإسلامية في إيران، يمثّل تحدياً للنظام السياسي في طهران، لكان استبعد من الترشح كما استبعد غيره، ولكان تم توحيد مرشحي التيار المحافظ في شخصية واحدة بدل القبول بتشتيت الاصوات على خمسة مرشحين. حصلت المعركة، بغض النظر عن التصنيفات التبسيطية، بين محافظين واصلاحيين، حصلت بين أهل البيت الواحد المحيط بالمرشد.

استبعد المرشحون الحقيقيون للتيار الاصلاحي. تارة بالاقامة الجبرية (مهدي كروبي وحسين موسوي)، وتارة بقرارات مجلس صيانة الدستور (لا سيما باستبعاد هاشمي رفسنجاني)، وتارة بالاعتكاف الذاتي لبعض المرشحين زهداً بموقع ما زال ممنوعا. وفق ذلك مال الاصلاحيون في البداية نحو المقاطعة، إلى أن تبنى الرئيسين السابقين هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي شخصية حسن روحاني كمرشح دعوا الاصلاحيين لانتخابه.

حسن روحاني ليس اصلاحيا هو مرشح الاصلاحيين فقط. في ذلك تسليم بأن التيار الاصلاحي اختار أهون الشرور، لكن للمفارقة ايضاً، فإن التيار المحافط استسلم ايضا لأهون الشرور.

لا خيار آخر أمام الاصلاحيين. لكن ألم يكن هناك خيارات أخرى أمام المحافظين؟ من ذلك السؤال يمكن الاستكانة الى حاجة النظام المحافظ في ايران، بقيادة المرشد، الى شخصية غير نمطية للخروج من المآزق التي تتكدس في الدائرتين الداخلية والخارجية.

اندفع نظام الحكم في ايران الى الخيارات القصوى في الداخل منذ الانتفاضة التي شهدتها ايران غداة الانتخابات الرئاسية السابقة عام 2009. رفع اختيار الحزم في التعامل مع المعارضة، سواء من خلال القمع الميداني أو الملاحقة القانونية لزعماء المعارضة، من حدّة التناقضات الداخلية لدى الطبقة السياسية عامة، ثم داخل معسكر المحافظين نفسه لاحقا. تجلى ذلك بالخلاف العلني بين المرشد علي خامنئي والرئيس محمود أحمدي نجاد. استدعت الأزمة التلويح بالكشف من قبل الرئيس نجاد عن معلومات وُصفت بالخطيرة تطال رموز النظام السياسي في طهران. تورمت الأزمة وأضحت مغلقة تحتاج الى "مفتاح" حلّ.

في الهروب من مآزق الداخل السياسية والاقتصادية والمعيشية، جرى الهروب نحو خطاب شعبوي تعبوي حول البرنامج النووي ومواجهة الغرب، نشطت حوله المزايدة من قبل معسكريّ المرشد والرئيس. في ذلك احراج للتيار الاصلاحي الواسع الانتشار، في ذلك ايضا تثبيت متبادل لشرعية الحكم بين المرشد والرئيس، بين السيادة الدينية والسيادة الشعبية التي صارت بيرق الرئيس في صراعه مع الوليّ الفقيه.

تمسك الخطاب الشعبويّ بأقصى الخيارات في ملفّات عدة. أول تلك الملفات البرنامج النووي، بحيث وصلت الأمور إلى مرحلة اللاحل والمراوحة والتلويح الغربي - الاسرائيلي بالخيار العسكري، ناهيك عن أن العقوبات الدولية المترتبة عن تلك تتداعى مباشرة على المستوى الاقتصادي للبلاد، وبالتالي للمواطن، مع ما يرافق ذلك من تململ داخلي متصاعد.

ثاني تلك الملفات ذلك المتعلق بالسياسية الاقليمية الايرانية من حيث تنامي النفوذ والتدخل الايرانيين في دول المنطقة من اليمن إلى لبنان، مرورا بالخليج والعراق وسوريا. تستند اشكال تلك السياسة على التواجد الشيعي أو القريب من الشيعة في دول المنطقة، ما يرفع من مستوى الفتنة السنّية الشيعية، ويخلق بيئة معادية لإيران مستعدة للتحالف مع أي خيارات دولية ضد طهران.

من داخل ذلك الملف تبرز بخطورة مقاربة ايران للنزاع السوري من حيث الدعم الحيوي للنظام في دمشق بالسياسة والمال والسلاح، لكن أيضا من حيث ارسال مقاتلين شيعة، من دول مختلفة، لا سيما التورط المباشر والعلني لحزب الله في المعارك الداخلية في سوريا.

في تلك الازمات تصل ايران الى مأزقها الكبير الذي لا شك يحتاج الى تبديل في السياسات، وتغيير في الاستراتيجيات، وتحسين في الاداء ومرونة، ونضج في مقاربة العالم في الشرق والغرب. النظام الحالي متخشب بخطاب لا يستطيع تبرير التخلي عنه أو التراجع في دفقه. مرة أخرى تحتاج إيران الى "مفتاح" حلّ.

يحتاج نظام الولي الفقيه للمخارج كشرط للبقاء، بعدما وصل التشكيك بفكرة الجمهورية الاسلامية إلى حدّ التشكيك بنظرية ولاية الفقيه، وبالتالي شرعية الوليّ الفقيه نفسه.

تحتاج مؤسسات النظام الإيراني، لا سيما مؤسسات الحرس الثوري، إلى منافذ بعد أن أثّرت العقوبات مباشرة على بحبوحة تلك المؤسسات وشرعية ديمومتها.

يحتاح النظام السياسي إلى مخارج، وهو المحاط بتقليعة "الربيع" هنا وهناك من اليمن انتهاء بتركيا. فهدير الجيران يصمّ الآذان في إيران ويجعل من احتمالاته في البلاد مسألة وقت وتوقيت.

في تناولنا لأزمة "تقسيم" في تركيا الاسبوع الماضي أشرنا الى "اعادة التصحيح" المعمول بها في بورصات المال في الاسواق الدولية. يمثّل حسن روحاني رئيسا شيئا من هذا القبيل في ايران. يمثّل الرجل "مفتاح" الحلّ.

"إصلاحية" روحاني، الذي اختار رمز "المفتاح" شعاراً لحملته الانتخابية، بعيدة عن طموحات جمهور كبير تحرك في الشارع قبل أربع سنوات تحريا لدولة حديثة متواصلة مع العالم. الرجل معمم (هو حجّة الاسلام) يكرّس هيمنة المؤسسة الدينية الدائمة على الحكم. والرجل جزء من صناع القرار في تاريخ الجمهورية الاسلامية. لكن لروحاني خطاب "لغوي" منفتح لا يستفز المحافظين ولا يخيّب الاصلاحيين. ولغوية الخطاب مردّها أسئلة حول قدرة الرئيس الجديد على تنفيذ وعودة المتفائلة، ومردّها أسئلة حول امتلاك الرئيس الجديد لأدوات الانفتاح والمرونة التي وعد بها في الداخل والخارج (الصلاحيات الكبرى بيد المرشد والبرلمان يسيطر عليه المحافظون).

لا شيء يشي بانقلاب خارج المألوف في خطاب روحاني. لا شيء يفيد بثورة كبرى على ثوابت إيران الاستراتيحية، إلا من مفردات تتحدث عن انفتاح من أجل "اعتراف العالم بحقوق ايران"، وكأن مفاوضات السنوات الاخيرة كانت تطالب بغير ذلك. كما أن المقاربة التي دعا اليها بالنسبة إلى سوريا ضبابية وعظية لا ترقى الى مستوى التورط الخطير لبلاده وحلفائها في المستنقع السوري. كما ان حديثه عن تحسين علاقات ايران مع السعودية يأتي وكأنه سعيّ كلاسيكي ثنائيّ لا يأخذ بعين الاعتبار لزومية احداث ثورة كبرى في سياسات واستراتيجيات واهداف الجمهورية الاسلامية برمتها كشرط لانجاح انفتاح جديد على دول المنطقة.

العالم ينتظر. هكذا هي ردّات الفعل الاولى. والايرانيون ينتظرون أيضا تلك العصا السحرية التي ستخرج من عباءة حجة الاسلام الرئيس. في ديناميات الرئيس الجديد، في شخص الرجل وفي ماضيه السياسي، ما لا يبشّر بقدرته (أو نيته ربما) على احداث تغيير كبير. الخطاب الجديد للرئيس الجديد يحتاج الى بيئة حاكمة قابلة لسماعه والانصات إليه والتأثر به. في ذلك، يحتاح حسن روحاني ربما إلى مواقف اقليمية ودولية حاسمة تكافح مواقف المرشد وصحبه في اليمن والخليج، كما في سوريا ولبنان، كما في البرنامج النووي. تعين جدّية تلك المواقف الرئيس الجديد على اعتماده من قبل الجميع، المحافظين قبل الاصلاحيين، صاحب "المفتاح" الذي يجوز له فتح أبواب موصدة وشق مسالك مغلقة (رفع الفيتو الفرنسي عن مشاركة روحاني في جنيف 2 علامة احتمالات تحوّل في علاقة الغرب مع إيران).

لكن بغض النظر عن شخص الرئيس المنتخب، فإن نتائج الانتخابات تعكس اجتياحا اصلاحيا كبيرا انتخب روحاني رئيسا من الدورة الاولى. الرسالة صاعقة للمرشد والحرس الثوري والمعسكر المحافظ. مزاج إيران يميل بقوة نحو الاعتدال والتصالح مع العالم بما يمثل نكسة مقلقة لتشدد المتشددين ومدارسهم. حسن روحاني، رئيس انتخبه الاصلاحيون، سيكون أكثر "هضما"، في تعامله مع المرشد، من رفسنجاني أو خاتمي، وقبل ذلك كروبي وموسوي.