روائيون ونقاد يتحدثون عن يهود الرواية المصرية

شخصية اليهودي تفتح مجالاً خصباً للروائي

لاحظ الدكتور رشاد الشامي في كتابه "الشخصية اليهودية في أدب إحسان عبدالقدوس" أن الأدب المصري يكاد يخلو من تناول الشخصية اليهودية، كما يلاحظ المتابع أن أعمال علي أحمد باكثير ونجيب الكيلاني، قدمت اليهودي كنمط وليس كشخصية، لكن في السنوات الأخيرة توالت الروايات المتضمنة لشخصية يهودي، مثل: "سيناجوج" لمأمون المغازي، "أيام الشتات" لكمال رحيم و"سانتا تريزا" لبهاء عبدالمجيد، فما السبب وراء الإستدعاء الروائي الكثيف لشخصية اليهودي؟

• يهود الإسكندرية

الروائي مصطفى نصر قدم شخصية اليهودى في رواية "إسكندرية 67" ثم خصها بروايته الضخمة "يهود الإسكندرية"، وينفي نصر أن يكون تكرار ظهور تلك الشخصية لديه نتيجة لتأثر ما بموجة أو هوجة الكتابة عن اليهود التي راجت في العقد الأخير، فيقول: "اليهود كعادتهم سيطروا على جزء كبير من الاقتصاد المصري، وأثروا في الفن، فمخرج مثل توجو مزراحي ساهم في بناء الفن السينمائي في مصر، هذا غير نجوم السينما والموسيقى اليهود، مثل داود حسني وزكي مراد وابنته ليلى وابنه منير. كما أن دور الصهيونية العالمية في قيام دولة إسرائيل، أثر على مصر، فقد أيده بعض اليهود، وقاومه البعض الآخر".

ويضيف نصر "لقد تناولت الشخصيات باعتبارها سكندرية وليس لمجرد كونها يهودية، وقد سبق أن كتبت عن فناني الإسكندرية، وعن سفاحي الإسكندرية، وليس من المعقول ألا أكتب عن جماعة كان لها شديد الأثر في مدينتنا، فمازالت بعض شوارع مدينتنا تحمل أسماء يهودية، فلا يمكن أن أتجاهل مجموعة كان لها هذا التأثير الاجتماعي".

• شايلوك وسالومي

الروائي سيد الوكيل يؤكد أن شخصية شايلوك في "تاجر البندقية"، رسخت نمطا لشخصية اليهودي، ليس بسبب العداء التاريخي بين المسيحية واليهود فقط، ولكن لعظمة شكسبير أيضا، فهو بارع في صناعة الأنماط ويكفي "عطيل" و"روميو وجولييت". نموذج شايلوك أثر على الأدب العالمي لفترة طويلة. كما أثر على الأدب العربي، فشايلوك الجديد عند علي أحمد باكثير نموذج لذلك، حيث تظهر المرأة اليهودية (راشيل) في هيئة سالومي، التي استباحت دم المعمدان متوسلة بالغواية والعهر، ونلاحظ أن المرجعية التي ترسم عليها شخصية اليهودي دينية، فالرجل يهوذا الخائن، والمرأة سالومي العاهرة .. وهكذا.

ويرى الوكيل أن "أدب القرن العشرين، الذي تأثر بالحداثة والموضوعية، فكان يرفض الشيفونية والعنصرية معا، كما أنه التزم الواقعية، لهذا سنجد صورة اليهودي عند نجيب محفوظ، مرتبطة بوضعية وثقافة الأقليات في المجتمع المصري، فهو يمتلك حيلاً عديدة للحفاظ على وجوده "زقاق المدق" فيبدو منافقًا، منطويًا، يكرس طاقته لجمع المال، ليضمن تميزه وتسيده بين أغلبية فقيرة وبسيطة، وهو نموذج يتطور إلى معنى أفضل عند بهاء طاهر في "شرق النخيل"، ولكنه متأثر بدوافع سياسية، ليظهر اليهودي بوصفه مثقفا رافضا للصهيونية، ويعلن ذلك كمبدأ أخلاقي، وليس كحيلة للبقاء في مصر، لكن الدوافع نفسها، قدمت نموذجا مضادا، فهي عند فتحي غانم نموذج خالص للشر والخيانة، والواقع أن الرواية في بنيتها تقوم على المقابلة الحدية بين شخصيتي "أحمد وداود".

ولا يعتقد الوكيل أن الروائيين الجدد تأثروا باتفاقية السلام مع إسرائيل، فانقادوا لتحسين صورة اليهودي، فللمثقف المصري موقف واضح وثابت رافض للتطبيع مع إسرائيل. لكن مؤخرا رأينا أفكارا، تعتبر أن موقفها من إسرائيل موقف سياسي، لا ينسحب على اليهود، كما في رواية "سانت تريزا" لبهاء عبدالمجيد، عن اليهود الذين عاشوا في منطقة شبرا بالقاهرة.

وكتّاب هذا الجيل لم يروا اليهود ولم يتعاملوا معهم، كما أنهم لم يتأثروا بتجربة مصر مع إسرائيل عبر ثلاثة حروب، فإسرائيل بالنسبة لهم واقع ولدوا فوجوده، وحروبنا معهم مجرد تاريخ مثل حروبنا مع التتار، لهذا اعتقد أن وجود اليهودي في مثل هذه الروايات مجرد حلية، ولذلك فهي باهتة، وليس لها حضور مؤثر.

ويضيف الوكيل: رواية "يهود إسكندرية" لمصطفى نصر، كاتبها مهتم بتاريخ إسكندرية، وهو في سن يسمح له بالتعرف على الواقع السكندري عندما كان اليهود يعيشيون هناك، وكذلك شارك في حروبنا مع اسرائيل، والرواية ليست مشغولة بالشخصية اليهودية في حد ذاتها، بقدر ما تصنع معادلا موضوعيا لفكرة خلق وطن يهودي. وتحكي عن جماعة من اليهود استوطنوا أرضا مهجورة في الإسكندرية، ولذلك نجد فيها أنماطا مختلفة من اليهود، فبعضهم بسطاء وفقراء، مسالمين إلى حد العته، وبعضهم لديه من الحيل وأساليب التآمر تصل لحد الخيانة والقتل، بل أن بطل الرواية الأول (جون) يموت بالسم على يدي زوجته وعشيقها، وهو مشهد يذكرنا مرة أخرى بسالومي. ويظهر كبيرهم أكثر عقلانية، ولكنه لا يتنازل عن فكرة الوطن اليهودي، وينجح في تحقيقها بتزييف التاريخ، عندما يجعل من جون المعتوه وليا، له مقام وضريح يحج اليهود إليه من كل مكان.

• صورة يهود مصر

الروائي عمار علي حسن يرصد الظاهرة ويقول: إن وجود اليهود بشراً وديناً وطقوساً لم ينقطع عن الأدب المصري الذي طرح هذه المسألة بنسبٍ متفاوتة وطرائق مختلفة، فعند نجيب محفوظ، ارتبطت صورة يهود مصر بالمسرّة واللذة الجسدية، فيما احتل اليهود في أدب إحسان عبدالقدوس موقعاً عريضاً نسبياً، دفع الباحث رشاد عبدالله الشامي إلى أن يقدم، قبل ربع قرن، كتاباً عنها، واللافت أن السرد الجديد تخلص من تأثير قيام إسرائيل وحروبها ضد العرب، على أدب المصريين في الفترة المترواحة بين 1948 و1979، خصوصاً في أعمال يوسف القعيد وجمال الغيطاني وفؤاد حجازي.

أما الراحل فتحي غانم فقد ذهب إلى ما هو أبعد، حين اتخذ من إحدى القرى التي تقع على مقربة من القدس مكاناً لروايته "أحمد وداود"، فيما دارت روايتا صنع الله إبراهيم "أمريكانللي"، وعلاء الأسواني "شيكاغو" في الولايات المتحدة الأميركية، حيث نقع على شخصيات يهود، تقودنا إلى التمييز بين اليهودية والصهيونية. أما إبراهيم عبدالمجيد في روايته "طيور العنبر"، فقد قدم راشيل اليهودية التي غادرت الإسكندرية عام 1956، بعد قصة حب فاشلة، وربما لأنها كانت تنأى بنفسها عن السياسة، فلم يقع عليها، عبر النص الروائي، أي من حمولات الشك والتخوين والنبذ التي ظهرت في روايات أخرى. بل إن الرواية لم تكن تحبذ خروج اليهود من مصر أصلاً، فالإسكندرية كمدينة كوزموبوليتية حضنت كلّ مركبات المجتمع التعددي.

ويضيف عمار: إذا رصدنا المنتج الأدبي الحالي، نلاحظ أن روايات كثيرة صدرت في السنوات الأخيرة تعالج قضية الوجود اليهودي في مصر، فمثلاً عمرو فتيحة في روايته "آخر يهود الإسكندرية" ركز على التعايش والتعددية الدينية التي كانت قائمة بين المسلمين والمسيحيين واليهود خلال أربعينيات القرن العشرين، عبر قصة حب بين مسلمة ويهودي.

ويرى عمار أنه على النقيض، دارت رواية "حدّ الغواية" لعمرو عافية حول قصة حب بين يهودية ومسلم، وهي في مضمونها تنأى عن المقولات الجاهزة والشخصيات المكرورة في الأدب المصري. أما كمال رحيم فأبدى تعاطفاً نسبياً مع الشخصية اليهودية في روايته، متمرداً على صورة اليهودي النمطية في الأدب والسينما. وتناولت "سانت تريزا" جانباً من حياة اليهود في مصر، مع المسلمين والأقباط، عبر شخصية لوكا، صاحب أتيلييه للملابس الذي جاء من اليونان إلى القاهرة ولم يرحل مع الذين ذهبوا إلى إسرائيل، غير أنّ العمل يصوّر حالة الضغينة بين المسيحيين واليهود، اتكاءً على الخلاف التاريخي بينهم.

بينما رواية "يهود الإسكندرية" تمزج التخييل بالتاريخ. ويعدّ كاتبها مصطفى نصر هو الأكثر تناولاً للموضوع في اتساعه وعمقه عبر التاريخ، حيث تعرض الرواية لشخصيات يهودية عاشت في الإسكندرية، راصدةً علاقاتها وتصوراتها وأحلامها، عبر مساحة زمنية طويلة.

ويلاحظ أن رؤية نصر لا تحمل نزعة انتقامية من اليهود، بل تعبر عن حالة انشغال عام بالتاريخ الاجتماعي الحديث والمعاصر لمصر، الذي كان اليهود يشكلون جزءاً مهماً منه لا يمكن تجاهله.

• شخصية إشكالية

وعن التفسير النقدي لهذه الظاهرة يقول الناقد والأكاديمي د. محمد عبدالحميد خليفة: إن شخصية اليهودي تفتح مجالاً خصباً للروائي، لأنها شخصية إشكالية في تكوينها، وفي قيمها وفكرها، وهي تمثل نموذجاً بشرياً له خصوصيته في علاقته بذاته من جهة أولى، وبجماعة اليهود أمثاله من جهة ثانية، وبالأغيار أي غير اليهود من جهة ثالثة. وهكذا كلما تأملت هذه الشخصية وقعت على نموذج خصب ومنتج لألوان إبداعية عديدة. وهذا ما يفسر اهتمام الكثيرين من أدباء العالم بهذه الشخصية منذ شكسبير، وربما قبله حتى وقتنا الحاضر، حيث زاد الاهتمام بتناول هذه الشخصية الإشكالية خاصةً في هويتها الجديدة الصهيونية، وربما كان قيام دولة إسرائيل سبباً آخر وليس أخيرا في تزايد الاهتمام بتلك الشخصية. (خدمة وكالة الصحافة العربية).