رند عبدالجبار تغوص داخل التراث الثقافي والمعماري لبلاد ما بين النهرين

الفنانة العراقية تتبنّى نهجاً إبداعياً متعدد التخصصات في إنتاجها الفني الذي يتراوح بين التصميم والهندسة المعمارية والفنون البصرية.


عمل عبدالجبار يستكشف قدرات وإمكانيات الفن والتصميم للعمل كوسيط تفاعلي بين الناس والبيئة التي يعيشون فيها


الأعمال المعروضة تعكس سلسلة المراحل التاريخية التي تأثّرت بالمسارات الحضارية عبر الزمن على امتداد الجغرافيا المشتركة للمنطقة

تتبنّى الفنانة العراقية رند عبدالجبار، المولودة في بغداد عام 1990، نهجاً إبداعياً متعدد التخصصات في إنتاجها الفني الذي يتراوح بين التصميم والهندسة المعمارية والفنون البصرية. وتعكف الفنانة في الوقت الحالي على دراسة حضارة بلاد ما بين النهرين، وذلك بوحي من أصول العمارة الآشورية والبابلية وعلم الآثار والأساطير. 
وفي الوقت نفسه تستفيد عبدالجبار من اطلاعها على أرشيف الموروث والسرديات الخاصة بالعراق في العصر الحديث للغوص في العلاقة بين العناصر الملموسة الراسخة والمفردات الآنية التي رسمت تاريخ عائلتها الشخصي، وذلك لتتنافس وتتماهى مع عالم خيالي يترامى خلف الأفق المنظور. كما تستعير الفنانة في أغلب الأحيان مفردات المكان والتاريخ والذاكرة خلال عملها الإبداعي، لتعيد تشكيلها من جديد في تصاميم ومنحوتات وتركيبات تعتبرها الأدوات الأساسية للعمل.
ترعرعت رند عبدالجبار في الإمارات العربية المتحدة، وحازت على شهادة بكالوريوس في التصميم البيئي بدرجة امتياز من جامعة دالهوزي في كندا عام 2011. وتابعت دراستها لتحصل على شهادة الماجستير في الهندسة المعمارية من جامعة كولومبيا في العام 2014. وقد غذى ترعرعها في ظل مشهد عرقي متعدد الأوجه بالإمارات رغبتها والتزامها بالمشاركة في فرص حوار وتبادل ثقافي عبر مجموعة متنوعة من العمليات المبتكرة. 
ويستكشف عمل عبدالجبار قدرات وإمكانيات الفن والتصميم – بصفتهما ممارسة مكانية ومادية - للعمل كوسيط تفاعلي بين الناس والبيئة التي يعيشون فيها، وتشجيعهم على رؤية أنفسهم وبعضهم والعالم حولهم بطرق جديدة وغير متوقعة. وبالإضافة إلى عملها كمصممة، شاركت في عدد من مبادرات البحوث الثقافية، كما أنها تعمل على تطوير مشروع مستقل بعنوان "إعادة تقديم المدينة: تيارات متوازية من التنمية الثقافية في الإمارات العربية المتحدة"، والذي حاز على جائزة "وليام كيني فيلوز ترافيلينغ" من جامعة كولومبيا عام 2014. يبحث هذا المشروع في الاستراتيجيات التي تعتمدها أبوظبي، ودبي والشارقة لاستنباط نماذج ثقافية فريدة من نوعها مع المحافظة على الرؤية المشتركة والرغبة في الحفاظ على العادات والتقاليد المحلية في مواجهة عمليات التنمية الحضرية والعولمة.
ويستضيف رواق الفن في جامعة نيويورك أبوظبي معرضا لعبدالجبار بعنوان "عجائب الأرض، أساطير السماء"، وذلك ضمن صالته "مساحة المشروع"، ويمثّل هذا المعرض، الذي يفتتح 11 يونيو/حزيران الجاري ويستمر أسبوعا تتويجاً لبحث الفنانة الأخير حول التراث الثقافي والمعماري لدولة العراق، مع تركيز خاص على الماضي القديم لبلاد ما بين النهرين. 

وتعكس الأعمال المعروضة سلسلة المراحل التاريخية التي تأثّرت بالمسارات الحضارية عبر الزمن على امتداد الجغرافيا المشتركة للمنطقة، وتكشف عن ملامح العمارة والآثار والأساطير التي استمدت منها الإلهام. كما ينبثق المعرض من دراسة السمات الشكلية والمادية للآثار الموجودة ضمن مقتنيات المتاحف والأرشيف الحضاري للبلاد، إضافة إلى القصص والأساطير التي تسعى إلى الإضاءة عليها ونقلها بكل صدق إلى الزوار. إذ تتكون المنهجية الأساسية لهذا البحث الفني استناداً إلى التكوين واللون والملمس الذي تم التقاطه في فنون العمارة والنحت والكتابة.
ويقدّم المعرض مجموعةً من الأعمال النحتية التي تتجاوز في أبعادها الحدود المكانية والزمانية لتشكّل مجالاً فسيحاً من الاكتشافات، حيث تجسّد كل قطعة تاريخاً ناشئاً يطرح في مساراته حواراً جماعياً شيّقاً. كما تتحدّى هذه الأعمال مفاهيم التراث التقليدية باعتبارها تكوينا راسخا، وتصوّر العراق على أنه بنيةً مكانيةً أكثر من كونه امتدادا إقليميا، لتؤسس بذلك حواراً يردّد صدى الماضي وصولاً إلى الحاضر.
ويتولّى فريق عمل رواق الفن في جامعة نيويورك أبوظبي إدارة "مساحة المشروع" الموجودة داخل مركز الفنون في الحرم الجامعي. وتُعد "مساحة المشروع" منصّة مخصصةً للمعارض التي ينظمها أفراد المجتمع الفني داخل وحول جامعة نيويورك أبوظبي، بما في ذلك مهرجان "كابستون" السنوي ومعارض الكليات وغير ذلك من مشاريع الفنانين المقيمين بدولة الإمارات. وتتمثّل مهمة "مساحة المشروع" في توفير منصّة غير تجارية للتجريب والاستكشاف في مجال الفنون البصرية.