رمضان.. ثلاثون ليلة من التواصل والأجواء الروحانية

الفانوس التقليد الأشهر في مصر

بيروت - تتشارك غالبية البلاد العربية في نفس العادات والتقاليد في شهر رمضان باجتماعات العائلة على موائد الإفطار والسهر والتسامر حتى ساعات السحور والاجتماع في المساجد لصلاة التراويح وقيام الليل وختم القرآن ونشر الزينة والأضواء والخيم الرمضانية.

"ليتك عام يا رمضان" عبارةٌ يتبادلها المصريون خلال الشهر المبارك الذي يحلّ على المصريين كلّ عامٍ ببهجةٍ كبيرة تُضفي على أجوائه سحراً مميزاً.

وتعرف مصر بفوانيسها وتختلف الروايات حول سبب اعتمادها كتقليد، البعض يقول بأنها كانت تستعمل قديماً للذهاب إلى المساجد ليلاً، وللإبقاء على روحية الاستعمال خصصت الفوانيس لرمضان، في المقابل يربطها البعض بالحملة الفرنسية على مصر، حينها كانت تستعمل لإرسال إشارات من أعلى المآذن بتحركات الجنود الفرنسيين.

وللفوانيس والأطفال حكاية أخرى، فهم يخرجون ليلة رصد الهلال إلى الشوارع مع أفراد عائلاتهم، حاملين فوانيسهم الملونة، منشدين الأغاني الرمضانية والأهازيج في مشهد رائع، يلخص المزاج المصري تجاه شهر رمضان.

وتشتهر مصر بمشروب العرقسوس المثلج، وهوالأكثر اعتماداً عند الإفطار، كونه يمنع العطش، ويأتي في المرتبة الثانية مشروب الكركديه الذي يستبدل أحياناً بقمرالدين أو العصائر الطازجة.

الحساء يتواجد على موائد إفطار المصريين يومياً، وأشهرها شوربة لسان العصفور، تتنوع الوجبة الأساسية بين اللحوم الحمراء والبيضاء، ومن الأطباق المصرية الشهيرة كالملوخية بالأرانب وورق العنب المحشي والبطاطا والفراخ، في المقابل تعتمد العائلات غير الميسورة على أطباق الفول والبيض وتسمى "لحوم الغلابة".

لا تختلف الحلوى المصرية بشكل عام عن بقية الدول العربية، فرمضان هو شهر الحلويات المحشوة بالقشطة، بالإضافة إلى البقلاوة والكنافة، تكثر الدعوات للإفطار في مصر بشكل كبير جداً، وتصل درجة الإنفاق خلال شهر الصوم، إلى مبالغ خيالية، يعقب الإفطار صلاة العشاء والتراويح في المساجد التي تشهد إقبالاً كثيفاً، وتقام الشعائر الدينية وتنشد الأناشيد.

واما في لبنان فعلى الرغم من تنوع المناطق والطوائف، تتشابه بشكلها العام، وتختلف في تفاصيلها، ترتدي الشوارع حلة رمضان، وتزين بالفوانيس واللافتات، وتكثر الدعوات للزكاة وفعل الخير، ومن عادات سكان بيروت إقامة "سيبانة رمضان"، ومعناها تبيان حقيقة حلول شهر رمضان، فيرافق الرجال المشايخ لتحري الهلال، وبعد ثبوت الرؤية تبدأ الاحتفالات لوداع شعبان بالولائم.

يوميات اللبناني في صيامه تشبه يوميات أي صائم، ينصرف إلى أعماله، ويعود إلى منزله قبل موعد الإفطار، تخلو الشوارع من المارة والسيارات حين يرفع أذان المغرب، لكن سرعان ما تدب فيها الحياة، فتفتح المحال أبوابها، وتعج المقاهي بالرواد في ظاهرة باتت من التقاليد المستحدثة، الإفطار يكون عادة على التمور واللبن الذي قد يضاف إليه الثوم أو قمر الدين أو العصائر، وبعد صلاة المغرب في المساجد تجتمع العائلة لتناول طعام الإفطار.

يتوجه الناس بعد العمل في رمضان ليتبضعوا حاجياتهم لليوم ذاته ولليوم التالي من سوق الخضار وسوق اللحامين، كما يتوجهون لسوق القطايف لشراء القطايف والكنافة والسوس أو الجلاب أو التمر الهندي أو القمرالدين، ويجتمع الناس في لبنان في اليوم الاول من شهر رمضان بمنزل كبير الاسرة ويبدأ الجميع بمعاونة الوالدة في تحضير المأكولات الرمضانية الخاصة ومن بين هذه المأكولات شراب قمر الدين والسوس والفتة و"التسقية" شوربة العدس، الفتوش"الزريقة"، مأكولات من اللحم والدجاج والخضار ثم ينتهي الأكل بتناول "القطايف" أو الكنافة أو الكلاج أو العثملية، والشعيبيات أو الزغلولية أو البقلاوة أو المفروكة، ومن ثم شرب القهوة في السهرة والشاي ونصب "الأراكيل" في حين تبدأ السهرات الرمضانية المختلفة مع أفراد العائلة والاقارب.

يعتبر الفتوش من الأطباق الرمضانية، وهو مؤلف من الخس والخيار والبندورة والبصل والخبز المحمص أو المقلي، وطبعاً لا تخلو الموائد من الشوربة والكبة المقلية والشوربة والحمص اللبناني الشهير، أما الأطباق الرئيسية فشهدت تحولاً، فتم استبدال الملوخية والبامية والأرز والدجاج بجميع أنواع الأطعمة المقلية، وحلويات رمضان تتنوع بين التقليدي والغربي، غير أن القطايف وزنود الست والكنافة والشعبيات ما زالت المفضلة.

سيدة الحلويات الرمضانية

مدفع رمضان، هو تقليد عرفه لبنان وعدد من الدول العربية، منذ العهد الفاطمي وقد ابتدعه الحكام وقتها لتنبيه الناس إلى حلول أوقات الإمساك والإفطار في شهر رمضان، من خلال إطلاق طلقة مدفعية عند الغروب طيلة أيام شهر رمضان، وهي مهمة يتولاها الجيش اللبناني داخل المدن الرئيسية ولا سيما في بيروت وطرابلس وبعلبك وصيدا وصور.

ويقضي هذا التقليد باطلاق ثلاث قذائف من النوع الحلبي عند ثبوت شهر رمضان، ومثلها عند ثبوت شهر شوال لإشعار الناس بحلول عيد الفطر السعيد، وإطلاق واحدة من النوع نفسه قبيل حلول الفجر، وقذيفة واحدة عند الغروب.

"عواشر مبروكة" بهذه الجملة يستقبل المغاربة شهر رمضان مهنئين بعضهم بعضًا في العشر الأخير من شهر شعبان، حيث ترتفع وتيرة الاستعدادات فتتنافس ربَّات العائلات على ترتيب البيوت قبيل شهر رمضان والحرص على تنظيف الأثاث والأواني وغسل الأغطية التي في الغالب ما استعملت خلال الشهور الماضية، بل هناك من يسارع في إعادة طلاء غرف المنزل، وخصوصًا المطبخ ليبدو نظيفًا خلال شهر الصيام.

كما تقوم بعض العائلات المغربية بتغيير المفروشات، وبعض الأثاث، لأن المغاربة في شهر رمضان يحرصون على تبادل الزيارات وتوطيد العلاقات.

ومن العادات التي اشتهر بها المغاربة في شهر رمضان عادة الاحتفال بالصوم الأوَّل للأطفال. فيشتري الأهل للولد والبنت اللذين يصومان للمرة الأولى ملابس اليوم الأوّل للصيام، وتتألف ملابس البنت من القفطان، وهو قطعة واحدة، أو التكشيطة التي تتكون من قطعتين، هما: الدفينة القطعة العلوية، والتحتية.

أما الأكسسوارات فهي تاج للرأس، وعقد من العقيق، وقُرط يسمَّى النصاص، وهو نوعٌ مغربي أصيل من الأقراط، مع الحنّاء لرسم نقوش على يديها.

أما الولد المغربي، فيتلقى الجلباب، والسلهام وهو العباءة المغربية التي توضع فوق الجلباب، والبلغة وهو النعل المغربي التقليدي، والجبادور، وهو لباس مؤلف من قطعتين، سروال وقميص، وسروال فضفاض، وسروال قندريسي، وأخيرًا الطربوش، وعادة ما يكون أحمرَ داكنًا.

يُستقبل رمضان الكريم في تونس باجواء احتفالية فتزين الشوارع بالزينة والاضواء كما تزين واجهات المنازل وتتلألأ مآذن الجوامع بالمصابيح.

مع مستهل رمضان، يلقي التونسيون تحيةً خاصة عند الإفطار يرددون فيها القول: "صحة شريبتكم".

تزيّن مائدة رمضان سيّدة أطباق تونس "الحريرية" ، إضافةً إلى سلطة الخضار المشويّة مع زيت الزيتون والبهارات، ولعلّ أبرز اطباق المائدة الرمضانية طبق "البريك" الذي يتصدر الموائد في معظم البيوت، وهو عبارة عن فطائر كبيرة الحجم تُحشى بالدجاج واللحم، ويقدّم معها طبق"الرفسية" المكوّن من الارز المطبوخ بالتمر والزبيب كما و "المدموجة"، وطبق "الكوسكوس" وهي جميعها أطباق شهية تجتمع حولها أفراد العائلة التونسية.

وحافظ الإماراتيون على مر الزمان على العادة الحميدة القاضية بزيارة الأهل والأصدقاء خلال الشهر الكريم، وعادةً ما تكون هذه الزيارات فرصةً لمزيد التقارب والتحابب ووصل الأرحام، في شعب عرف عنه التسامح و التآخي منذ القديم.

وللأطباق الرمضانية في الإمارات قصتها الخاصة من الجمال والروعة، حيث لا تكاد المنازل والمطاعم تخلو من المأكولات التقليدية الأصيلة، والتي يتم تحضيرها احتفاءًا بهذا الشهر من أجل الإستمتاع بمذاقاتها الشهية، ونكهاتها اللذيذة، خاصةً منها المجبوس، والثريد، والبرياني، والساقو، واللقيمات، بالإضافة إلى الهريس الذي يعتبر الأكلة الأكثر شعبيةً لدى الإماراتيين.

ويفضل جزء من الإماراتيين السهر في البيت صحبة العائلة والأهل، وتفضل فئة أخرى الخروج بعد صلاة التراويح والتمتع بالأجواء الرمضانية الرائعة في أحد المقاهي التي تتفنن في اجتذاب الزبائن من خلال وضع شاشات كبيرة تسمح بمشاهدة برامج الفضائيات المتنوعة.

وحرصت بلدية ابوظبي على تزيين معظم المناطق بما فيها الكورنيش، كما زينت الجسور، مثل جسر مصفح، والمقطع، والجوازات، وجسر الشيخ خليفة، كما حرصت البلدية على أن تشمل زينة "رمضان المبارك" الأنفاق وعدداً من الشوارع الرئيسية والتقاطعات العامة.

ويتميز شهر الصيام في الأردن بإقبال الناس الكبير على الأعمال الخيرية وعلى المساجد حيث تقام صلوات التراويح ويتلى القرآن والأذكار، كما يخصون العشر الأواخر بمزيد من الاجتهاد في العبادة.

ويكثر تبادل الزيارات بين الأقارب والجيران، وتبادل الأطعمة بين الجيران خلال ليالي رمضان، فتزداد العلاقات الاجتماعية عمقا وتكثر صلات الرحم بين أفراد الأسر، وهي فرصة قلما تتاح على مدى باقي أشهر السنة، فيما يقضي الشباب جزءا من سهراتهم في المقاهي.

وتفضل العديد من العائلات الاردنية قضاء أول يوم من الشهر الفضيل برفقة العائلة وتناول طعام الإفطار معها، وهو عرف تقليدي عائلي يهدف إلى لم شمل أفراد الأسرة في جو رمضاني مميز.

ويحبذ الاردنيون تناول المنسف في أول ايام رمضان حتى يدخلوا الشهر بطعام أبيض "اللبن والارز والخبز" لأن هذه العناصر أساسيات ثلاثة في المنسف اضافة الى اللحم، وتتنوع الحلويات التي يتناولها الأردنيون بين الكنافة والمقلوب والقطايف.

تبدأ مظاهر رمضان في العراق مع اخر ايام شعبان حيث يستعد الجميع لهذا الشهر المبارك، والظاهرة الابرز لدى العراقيين التسوق من سوق الشورجة قبل موعد الافطار، لتلتف الاسرة عند سماع اذان المغرب حول مائدتها التي تتربع عليها الهريسة العراقية المغطاة بالقرفة والهيل والحنينية البغدادية، المعمولة بالتمر والسمن والزيت بعد الافطار على التمر واللبن، اضافة الى الدورمة وهي احد انواع المحاشي والكبة الحلبية، ومن اشهر حلويات بغداد البقلاوة والزلابية .

ولا يختلف رمضان كثيراً في فلسطين عن باقي الدول العربية فبالرغم من الاحتلال الإسرائيلي فإن شهر رمضان له عاداته التي لم تتغير، من زيارات للأهل والصلاة في الساحات العامة وقراءة القرآن، ومن أشهر الأطعمة الفلسطينية المقلوبة، وتقدَّم كما هي مع اللبن "الزبادي" أو سلطة خضار.

ويكتسب رمضان في الكويت مذاقاً خاصاً، يحرص من خلاله الكويتيون على إحياء تقاليد وعادات توارثوها من أزمنة بعيدة عن الأجداد ونكهة خاصة وأجواء روحانية في ظل ترابط اجتماعي متميز.

وفي الكويت تشتهر الهريس كطبق رئيسي، حيث تصنع من القمح المهروس مع اللحم مضافاً إليها السكر الناعم والسمن البلدي والدارسين (القرفة) المطحونة، وهناك أكلة التشريب وهي عبارة عن خبز الخمير أو الرقاق مقطعاً قطعاً صغيرة ويسكب عليه مرق اللحم الذي يحتوي غالباً على القرع والبطاطس وحبات من الليمون الجاف الذي يعرف ب (لومي)، حيث يفضّل الصائم أكلة التشريب لسهولة صنعها وخفة هضمها على المعدة ولذة طعمها، وهي عبارة عن خبز التنور إلا أنه في الوقت الحاضر يستخدم خبز الرقاق وهو خبز رقيق، وهناك الجريش الذي يطبخ من القمح.

واللقيمات وهي حلويات، تعرف بلقمة القاضي وتصنع من الحليب والهيل والسمن والزعفران والعجين المختمر، وتقطع لقيمات وتلقى في الدهن المغلي حتى الاحمرار ثم توضع في سائل السكر أو الدبس، وهناك أيضاً البثيث والخبيص اللتان تصنعان من الدقيق والتمر والسمن.