رمضان الرواشدة يطرح سؤال الحرية المتاحة للكاتب العربي

حوار: تيسـير النجار
النقاد مدعوون للفصل بين المؤلف والموضوع

يأتي إصدار رواية "النهر لن يفصلني عنكِ" عن دار أزمنة للنشر في عمان بعد أن اصدر الرواشدة رواية "الحمراوي" عام 1992 والتي فازت بجائزة نجيب محفوظ لأفضل رواية عربية العام 1994 ورواية "أغنية الرعاة" التي صدرت العام 1998 ومجموعة قصصية بعنوان تلك الليلة العام 1997.
ويعتبر الرواشدة المولود عام 1964 في مدينة اربد والحاصل على شهاد البكالوريوس في الأدب الانجليزي، من جيل الكتاب الذين استهلوا إصداراتهم في التسعينيات وهو يلجأ إلى التقنيات الحديثة في الرواية التي تعتمد على القطع والفلاش باك والتداعيات وتداخل الزمان والمكان.
حول عمله الروائي الجديد ورؤيته العامة للرواية كان هذا الحوار. القارئ لروايتك الجديدة "النهر لن يفصلني عنكِ" يعرف أنها منبثقة من تجربة شخصية يدور محورها حول نهر الأردن وفلسطين بوصفهما مصدرها. فهل جاءت الرواية من هذا المفهوم؟ التجارب الشخصية كثيرا ما تكون نواة لأعمال أدبية وروايات ولا أرى ما يمنع أي كاتب من أن يبدأ عمله الروائي أو الكتابي انطلاقا من تجربة شخصية. لكن علينا أن نفرق ما بين وجود جزء من تجربة الروائي داخل روايته وما بين السيرة الذاتية.
حيث ثمة اختلافات كثيرة ما بين النوعين من الرواية. الحقيقة أن ما كتبته كان نابعا من مشاعر انتابتني وأنا ازور فلسطين ومدنها مثل القدس ورام الله ويافا القديمة وبقيت الفكرة تراودني الى أن قمت بكتابتها مؤخرا، آخذا بعين الاعتبار طبيعة اللغة حيث لم اسع إلى لغة تقريرية وإنما عمدت إلى لغة تنهل من لغة المتصوفة لأننا إذا أردنا أن نتكلم عن علاقة حب أردنية فلسطينية فلا بد لمصطلحاتنا أن تكون سامية وترتقي إلى مستوى رفيع.
عندما وقفت في منطقة باب الواد تداعت إلى ذهني صور الشهداء الأردنيين الذين قضوا هناك دفاعا عن عروبة فلسطين وكانت بعض دباباتهم المحترقة ما زالت موجود كما هي. وانتابتني مشاعر مختلطة وتداعت إلى ذهني صورهم، تخيلتها رغم أنني لم أشاهدها وشعرت كان المعركة أمامي.
وعندما وقفت على الجسر الخشبي فوق نهر الأردن الذي يفصل الأردن عن فلسطين قلت في نفسي أن جسرا خشبيا لن يفصل بين الشعبين وأن هذا الجسر يجمع ولا يفرق يوصل ولا يفصل يوّحد ولا يشتت. هكذا كانت مشاعري لحظتها وهو ما أردت أن اعبر به من خلال الرواية. روايتك تدعو للوحدة بين الأردن وفلسطين وتستجيب لتطلعات بعض الناس لها فلماذا أردت أن تقول ذلك من خلال الرواية الأدبية؟ أنا لم اقل ذلك مباشرة في الرواية بل تركت اللغة والمضمون يتحدثان عن طبيعة ما أراه استجابة لتطلعات الناس فالأردنيون وحدويون بطبعهم وهم يتطلعون إلى اليوم الذي تتحرر فيه فلسطين وتقام فيه دولة فلسطينية وعندها تكون للوحدة معانيها ومضامينها.
اللغة لم تكن مباشرة ولا تقريرية بل سعيت لأن اترك للناس أن يقولوا رأيهم وأنت تعرف أن الرواية لها قراءتان؛ واحدة كما يريدها المؤلف والثانية كما يفهما القارئ والمتلقي.
وأقول لك أن ردود الفعل ممن قرأ الرواية كانت مذهلة والاهتمام الذي لقيته منذ إصدارها قبل شهرين يدلل بوضوح على أن لدينا توق عارم إلى ما يوحد الناس لا إلى مايفرقهم. ولمست تقبلا كبيرا من مختلف أطياف المجتمع الأردني السياسية والفكرية.

المونولوج الطويل للرواية الذي يبدأ من اللحظة التي تطأ فيها أقدام السارد الجسر الخشبي الموجود على نهر الأردن ألم يرهق معمار الرواية؟

هذه الرواية كما تعرف لم تكن من النوع الكلاسيكي المعروف بل نهلت من تقنيات رواية الحداثة حيث التداعيات الحرة ولغة الفلاش باك السينمائية وغيرها من التقنيات ولا أجد ما يعيب الرواية القول بأنها مونولوج طويل.
وهي رواية تداخلت فيها أجناس أدبية عديدة ففيها قصائد على لسان ملك الأنباط الحارث الثالث كتبتها أنا وفيها قطع سينمائي واستخدام لأسلوب المسرح والمهم، باعتقادي أن توصل الفكرة فالأسلوب هو وعاء للمضمون والحروف هي حاملة للمعاني فكلما أوغلت في المعنى كلما احتجت إلى حروف وكلامات غير تقليدية.
والحقيقة أنني قبل كتابة الرواية قرأت أكثر من ثلاثين عملا أدبيا لكبار المتصوفة من ابن عربي والحلاج وأبي حيان التوحيدي والنفّري وغيرهم.
كل ذلك من اجل أن اصقل لغتي وأجدد معانيها فالقراءة تصقل لغة الكاتب سواء كان شاعرا أو قاصا أو مؤلفا روائيا.

هل يمكن القول أن كتبت ما تريد في 'النهر لن يفصلني عنك'؟

لا استطيع القول الآن أنني كتبت ما أريد سواء في روايتي الحمراوي أو أغنية الرعاة أو في رواية "النهر لن يفصلني عنكِ" لاعتقادي أن ثمة أشياء لم اقلها والشاعر التركي ناظم حكمت يقول في إحدى قصائده "أجمل الكلمات تلك التي وددت قولها وتلك التي لم اقلها بعد".
ثمة ما يمور في داخلي لكتابته لكنه يحتاج إلى أجواء تتقبل ما يمكن أن تبوح به الرواية. ولم نصل بعد للأسف للتمييز بين حياة الكاتب وبين ما يكتبه. كما أن كل الحرية التي في الأرض لا تكفي نصف كاتب. كما أننا لم نعتد البوح بما نريد ولم نعتد قول ما نراه لأن هناك خوف يسكن كل الكتّاب سواء من الرقابة أو من المجتمع.
وأتساءل هل يجرؤ كاتب أردني واحد أن يكتب رواية مثل رواية "عمارة يعقوبيان" للمصري علاء الأسواني وهل فينا من يمتلك الشجاعة لكتابة رواية مثل رواية باولو كويللو "إحدى عشرة دقيقة".
سؤال برسم الإجابة من قبل الكتاب أنفسهم والمجتمع كذلك. فنحن نتصور صورة معينة للكاتب من خلال ما نقرأ له والعكس هو الصحيح حسب نظرية موت المؤلف حيث يجب الفصل ما بين الشخص وما بين النص.
حتى بعض النقاد في الوطن العربي يقعون أسرى للطريقة التقليدية في النقد التي ترى المؤلف من خلال الرواية التي يكتبها، بل أن بعضهم قد يقول أن هذه الشخصية هي شخصية المؤلف فتضيع البوصلة ونفقد الهدف الحقيقي من الكتابة الأدبية والروائية.
احد النقاد كتب نقدا عن روايتي "أغنية الرعاة "قال فيه أنني سلبي ومهزوم وغيرها من المصطلحات لأن احد أبطال الرواية كان سلبيا ومهزوز داخليا وعبثي ومحبط وانتهى به الأمر إلى الانتحار.
على الرغم من أنني حاولت رصد الجوانب النفسية لتلك الشخصية في الرواية وهي شخصية واقعية لكن ليست حقيقية، فكان أن تم الخلط بين الاثنين.

وهناك مشروع لرواية جديدة طويلة وترصد التحولات الاجتماعية والسياسية في الأردن خلال الخمس وثلاثين سنة الماضية بدأت كتابتها بعيدا عن الرقيب الموجود في داخلي وبعيد عن التفكير بأي رقابة اجتماعية أو سياسية.
وفيها بوح بأشياء خلافية ولكنني عندما أنهيها سأترك الحكم بعدها للناس والنقاد وهي تتناول وقائع حدثت لكن بأسلوب روائي وتمتد مساحة حركة أبطالها ما بين اربد وعمان ومعان. من هو البطل الجماعي الذي تعبر عنه روايتك؟

مضى وقت كان تصور النقاد للرواية قائما على أهمية أن يكون البطل ايجابيا وان يكون البطل جماعيا وهذه جزء من مدرسة الواقعية الاشتراكية.
الكتابة بمعناها الأرحب تتجاوز ذلك بكثير فأن تكتب عن حياة سلبية لأحد الأبطال ليس وقوعا في المحذور ما دام أن السعي ليس لتعظيم السلبي بل للوصول إلى مكنونات النفس البشرية المعقدة. فليس هناك من يولد مجرما أو خارجا عن القانون سواء السياسي أو الاجتماعي.
وليس هناك من يولد مجنونا بل أن الواقع الحياتي اليومي قد يدفع إلى الجنون أو أن يتحول الإنسان إلى مجرم. فرواية "العطر" التي تتحدث عن قصة قاتل للكاتب الألماني باتريك زوسكيند بلغت مبيعاتها ملايين النسخ وترجمت إلى أكثر من عشرين لغة ومنح كاتبها جائزة من أهم الجوائز الأدبية الأوروبية وأوصلته إلى العالمية، وذلك لأن فيها شيئا جديدا.
أما عن روايتي فان البطل هو الثيمة الرئيسية للموضوع الذي كتبت عنه، قد تعتبره نهر الأردن فيما يعتبره آخرون الجسر الخشبي ويقول بعضهم أن الراوي هو البطل الذي يتوق إلى الانعتاق والى الوحدة في زمن الانفصال والى الجمع في زمن التفرقة والتشتت والانقسام الذي نراه في بلدان عربية من حولنا.
لقد سعيت جاهدا، ما استطعت إلى ذلك سبيلا أن تكون الرواية مؤشرا لما نطمح به في المستقبل فمن حق الكاتب أن يحلم وان يتنبأ بما سيكون وان ينتقد السائد والمألوف لصالح ما يراه من وجهة نظر تستشرف القادم فالمؤرخ يكتب الماضي وهذه ليست وظيفة الروائي الذي يجب أن تكون وظيفته رؤية كرؤية زرقاء اليمامة التي حذرت أهلها فلم يسمعوها وكان ما كان من تشتتهم وتفرقهم وهزيمتهم.
إجمالا فإنني اترك للناس والنقاد أن يروا فيها ما يشاءون فهي الآن لم تعد ملكي بل أصبحت ملكا للقراء.