رمانة الميزان، الطبقة الوسطى نحو التآكل

بقلم: ميس نايف الكريدي

كانت الطبقة الوسطى يوما ما محرك الحراك السياسي في البلدان ووقود التنافس الثقافي، والحامل الرئيسي للفكر والثقافة، والجهة القادرة على حمل لواء النهوض الحضاري نتيجة إمكانية حراكها الديناميكي في المجتمع. فقد كانت تمثل التوازن كونها لم تصل لمرحلة التهالك، جوعا وألما في قاع المجتمع، ولم تفرغ من محتواها غرقا في تفاهات الطبقات العليا التي تجمع الألقاب والثروات وتهيم في بذخ حفلات الليل. وهكذا انحصر الحلم الحضاري والمشروع النهضوي بتلك الفئة التي انحازت للتفوق عبر كل ما يمكن أن يقلل الفوارق بينها وبين الطبقة الأرستقراطية، وأمعنت في التركيز على التمايز من خلال تضمينها المحتوى الثقافي، والعلمي للتفوق ومنافسة النبلاء.
كان هذا العرض هو السيناريو الأوربي الذي قاد عمليات نهوض أوربا ,والتي أخذت التقدم الفعلي، مع تصاعد الدور الذي تقوم به هذه الطبقات منذ بدايات القرن التاسع عشر..خاصة بعد أن أفرغت طبقة النبلاء من محتواها وأصبحت مجرد محفظة نقدية ومجموعة ألقاب متوارثة.
كل ما يمكن أن تسقطه على واقع ما حصل في أوربا والبلدان المتقدمة، لا يجد لنفسه مكانا في مجتمعاتنا العربية، ففي هذه البلاد العريضة تقع الطبقات التي افتراضا كانت تشكل الأغلبية على أعتاب مفترق خطير، فهي في معظمها تتهاوى نحو العدم عبر عدة عوامل يمكن أن نحاول الاقتراب منها كما يلي:
ـ تراجعت مكاسب هذه الطبقة في ظل موجة الغلاء العالمية، وسحب الدولة يدها تباعا عنها عبر انحسار التوظيف، وصعود الهموم الجديدة التي تكفل مراوحة هذه الطبقة في مكانها إن أمكن، مع الخطر المحدق بها عبر انزلاقها إلى الجوع الذي توحش في زمن العولمة ليجهز على الكم الأكبر من هذه الأغلبية.
ـ تحتاج الطبقة الوسطى لتتمتع بالفعالية، وإمكانية لعب الدور الديناميكي في تغيير المجتمعات ونهضتها لعدة مزايا تسمح لها بالاستقرار. هذا مع التأكيد على ضرورة التخفيف من معاناتها في حياتها العملية واليومية، وتعزيز قدرتها الشرائية، لمواجهة المتطلبات الأساسية، مثل السكن، والنقل، والثقافة، والطبابة، وحتى الرفاهية ومستلزماتها. ووفقا لكل تلك المعطيات، لن تكون هذه الطبقة فعالة، لأنها فاقدة للحماية الحقيقية في مجمل ما ذكر وفق الوضع الاقتصادي الحالي، وضمن واقع السعي للتشارك مع القطاع الخاص دون تحسين شروط العمل أي ببقاء الحال على ما هو عليه فهذا يعني سحب البساط من تحت تلك الطبقة لما يقدمه هذا القطاع من شروط عمل مجحفة، والتملص من التزاماته عبر التهرب، والتحايل، الذي يفضي إلى واقع عمل أسوأ تنعدم فيه فرصة الثقافة ضمن آلية الزحف المحموم خلف اللقمة، ودون أدنى حد من الحماية الحقيقية، أو المساندة الفعالة.
عبر عدد من السياسيين على امتداد المنطقة العربية متباهين بنظرتهم الحضارية التحليلية للمجتمع عن أهمية هذه الطبقة وأكدوا أن الهدف الاستراتيجي لكافة السياسات العمومية، هو توسيع الطبقة الوسطى، لتشكل القاعدة العريضة، وعماد الاستقرار، والقوة المحركة للإنتاج والإبداع".
وهذه الطبقة يجب أن تكون قوية، وطموحة، ومساهمة في بناء الاقتصاد الوطني، من نواحي الاستهلاك والإنتاج والاستثمار، وتعزيز التوازن الاجتماعي، على اعتبار طبيعتها الاجتماعية البنيوية، إذ أن الاقتصاديات الناجحة، كانت دائما معتمدة على الطبقات الوسطى، كما أكدت التجارب، في أوروبا، والولايات المتحدة، وآسيا، منذ القرن الثامن عشر، وحديثا في الصين، وكوريا الجنوبية، ومجموع بلدان جنوب شرق آسيا، والهند، واقتصاديات أميركا الجنوبية.
ودائما يكون التنظير، والكلام المنمق شعارات رنانة، لكن في ظل ما نعيشه حقا تصبح آخر ما يريد أي أحد من هؤلاء الواثقين من غياب المستقبل، الواقعين في براثن المجهول في بنية ما يقدم من مشاريع تستثني هذه الأغلبية من نواتجها، تصبح كلاما يندرج ضمن ما يعتبره المرابط عند خط الجوع منمنمات إعلامية، وثرثرات لا يعنيه أن يدفع خمس أو عشر ليرات ليقرأها.
في غمرة التكنولوجيا التي تعلمت شركات الوساطة في أوطاننا أن تسمسر على إدخالها لحدودنا دون أن تسعى إلا لنشر ثقافة استعمالها..يطالعنا الانفتاح بقدرته على تجريدنا من كل ما هو طبيعي وإنساني.. عالم من الغرائز يتربص بجيل من الضياع المغيب الملامح بلا هوية أو طموح انفتح كما أراده الانفتاحيون على أحلام من نوع آخر.
حقيقة أدت سياسة الانفتاح إلى تغير كبير في بنية هذه الطبقة في مختلف الأقطار العربية، فقد أصبح التعليم مكلفا كجزء من طقوس التحول نحو الانفتاح، وضعف دوره فى الحراك الاجتماعي، وتراجع الدولة عن الدعم في عدة مناحي واختزال الالتزام أو استيعاب الخريجين، وطبقت برامج لخصخصة القطاع العام في عدد من الدول العربية، فاستغنت عن أعداد كبيرة من العاملين به، وطبعا ما زال العامل السوري أكثر حماية من غيره، حيث ما زال لحد الآن ضمن حزام الأمان، وارتفعت أسعار السلع والخدمات الأساسية، واتسعت الفوارق الاجتماعية، والاقتصادية بشكل كبير وتشكلت فئات رأسمالية جديدة قامت على النشاط الطفيلي، مثل المضاربة على أسعار أراضى البناء والتجارة فى العملة الأجنبية والتهريب وأعمال الوساطة والسمسرة وتكونت ثروات كبيرة في وقت قياسي.
وأما البطالة فقد لعبت دورا كبيرا في قذف أعداد هائلة من المتعلمين ليصبحوا عالة على أسرهم، وبالتالي على تلك الطبقة، وينخفض نتيجة لذلك نصيب الفئات الوسطى من الدخل القومى.
وطبعا أدى هذا الوضع إلى فبول شروط غير عادلة في ميدان العمل الخاص وبأقل ما يمكن من الضمانات ولم تعد هذه الطبقة قادرة على تجاوز مشكلاتها ضمن الواقع السابق، لتصبح العوامل التي ساعدت في الماضي على توسعها مثل الهجرة والتعليم والانفتاح جزءا من المشكلة في الزمن الراهن.
في العديد من الأقطار العربية تغيرت الخلطة الأساسية لهذه الفئات الاجتماعية بانضمام فئات جديدة إليها كونت ثروات بسرعة كبيرة نتيجة العمل فى دول الخليج، أو حصلت على فرص من مختلف الأنواع في الداخل سهلت حصولها على المال الذي لم تتعب في جمعه، وبالتالي تستسهل تبذيره في أنشطة، لم تكن يوما ضمن مزايا الطبقة الوسطى أو موقفها الفكري فتحولت إلى الاتجاهات المحافظة وساندت الجمود بل والانحياز إلى الفكر الرجعي. أمثلة عربية في مصر، تعرضت الطبقة الوسطى لخيبات كبيرة تتجلى في استغلالها، حيث نهبتها شركات توظيف الأموال المتقنعة بالدين فنهبت مليارات الجنيهات معظمها من تلك الطبقة,وتعرضت لنهب آخر من خلال البورصة المصرية التى شهدت عمليات تلاعب وتحايل واسعة النطاق من قبل شركات السمسرة والشركات المدرجة بالبورصة.
وأدت معدلات التضخم المرتفعة مع أزمة الركود فى نهاية الثمانينيات إلى إفقاد مدخرات هذه الفئات كثيرا من قدرتها الفعلية حيث كانت معدلات الفائدة أقل كثيراً عن معدل التضخم السائد.
وفي لبنان ونتيجة للحرب الأهلية أصاب الخراب الفئات المتوسطة على نطاق واسع، العمال منهم والحرفيون، وصغار رجال الأعمال والتجار وأصحاب المهن الحرة، ونتيجة حالات الفقر نشأت على هوامشها فئات طفيلية استطاعت في الحرب تكوين ثروات طائلة في الداخل والخارج عن طريق السمسرة والتهريب والاتجار في السلاح وفرض القوة والاستيلاء على المال العام.
وشهدت مصر موجة عنيفة من الأعمال الإرهابية لما يقرب من عشر سنوات وما زالت الجزائر تعانى من هذه الظاهرة وكذلك اليمن، وهناك أقطار عربية أخرى تعانى بدرجات أقل من ظاهرة العنف، كما أصاب الحياة الاجتماعية قدر كبير من التوتر وتزايدت معدلات الجريمة وخاصة الجريمة الاقتصادية. واخترق الفساد تلك الطبقة نتيجة لتدهور الأحوال المعيشية ونتيجة لسلوك الفئات المتسلقة المستفيدة من الواقع الطفيلي، والمثير للاهتمام، حالة التداعي التي ترافقت مع صعود القيم الجديدة، في محاولة عدد من الناس استخدام لفظات مثل حلال على الشاطر، لتكون تمهيدا لسحب ستار اجتماعي على مخالفات الفساد، بحيث تصبح المراكز المساعدة على هذا النوع من النشاط هدفا لعدد كبير من تلك الطبقة ترى من خلالها معبرها الوحيد للاقتراب من الطبقة الأعلى وتناضل للوصول إليها بكل طاقتها.
وفي ظل ضغوط الخارج المتزايدة من مصادر متعددة سواء كانت الهيمنة الأميركية العسكرية والاقتصادية أو التهديدات الأميركية والأوروبية والتي تجعل لزاما علينا إجراء إصلاحات اقتصادية وديمقراطية تدخل بمقتضاها المجتمعات العربية فى الاقتصاد المعولم بلا قيد أو شرط. وهناك أيضاً التهديد الناجم عن تصاعد الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وتوحش العدو الإسرائيلي وممارساته الهمجية، يضاف إليها الأزمة الاقتصادية الاجتماعية وتداعياتها من بطالة وفقر وواقع اقتصادي منهار. وبالتالى يصبح ضرورة ملحة إجراء عمليات إصلاح اقتصادي حقيقي لأن التهديد يطال المجتمع بمجمل فئاته، وتجاوز هذه الأزمة يتطلب صياغة استراتيجية تنموية جديدة تتحدد أولوياتها وبرامجها طبقاً لاحتياجات الشعوب وليس من خلال وصفات المؤسسات الرأسمالية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وفرضيات قوى العولمة الرأسمالية، وليست عندي وصفات أو مقترحات لان هذه مسؤولية المؤهلين فعليا لهذا الأداء. ولأن الواقع الاقتصادي المنحاز لاقتصاد السوق دون أي مقومات وبنى تحتية مناسبة لتحقيق الرقابة التي تضمن أن يكون اجتماعيا خاصة ضمن حكاية الفساد، وتعثر الإصلاح المناسب في جميع المناحي، جميعها مؤشرات نببئ بالخطر المحدق بهذه الفئة التي يفترض أن تكون الحامل الحقيقي لعمليات النهوض على كل الأصعدة، وربما نحن ندرك جزءا من المشكلة، لكن بحس المريض بالالم. لذلك لا نستطيع إلا ان نمارس الصراخ والانين لفتا للنظر.

ميس نايف الكريدي