رقابة الإنترنت على الإبداع

قلم: السيد نجم
الإعلام الإلكتروني يتقدم بسرعة

"يعد الإنترنت اليوم بمثابة الشكل الأخير للتفاعل العالمي، والنموذج المثير في عصر العولمة". بتلك الكلمات قدم د. مصطفى عبدالغني كتابه "رقابة الإنترنت على الإبداع". هذا العنوان الذي حصر توجه الكاتب نحو الرقابة على الإبداع تحديدا، حيث يعني الإبداع كل المعطيات الذهنية، وليس الإبداع هو كتابة الأدب، كما هو شائع.

من السرد التاريخي لنشأة الإنترنت التي سردها الكاتب في المقدمة، خلص إلى أن تلك النشأة بالولايات المتحدة الأميركية، جعلت الشبكة أميريكية الطابع "80% من مستخدمي الشبكة، يعيشون في أميركا، والتي تضمن 28770 شبكة مكونة للإنترنت".

تلك النشأة والهيمنة هي التي خلقت بالتالي أدوارا أخرى، ومنها ما يعرف بـ "مخابرات الإنترنت"، وهو ما آثار جدلا عام 2002، بعد أن نشرت بعض الصحف الفرنسية ما يشير إلى ذلك الجهاز، بسبب إمكانية الهيمنة على الشبكة واستخلاص المعلومات منها.

وهو الموضوع نفسه الذي شغل الكاتب من قبل، ونشر حوله كتابه "الرقابة المركزية الأمريكية على الإنترنت". وقد خلص في كتابه الأخير إلى أن محاولات مستهلكي الخدمة للانفلات من تلك الهيمنة، ما زالت أضعف وأقل من منتجي التقنية التكنولوجية الرقمية، حتى بعد السماح بكتابة أسماء المواقع بعدة لغات منها اللغة العربية.

ويرصد الكاتب لزيادة شراسة الرقابة الغربية، حادثة ضرب البرجين في 2001، حيث دفعت الحادثة إلى المزيد من القوانين والإجراءات التي تتيح للقوى الناعمة وأصحاب الهيمنة التكنولوجية المزيد من وسائل الرقابة (والتجسس).

ويعد العالم العربي من أكثر المناطق في العالم في معدلات استخدام الإنترنت، التي تصل إلى زيادة سنوية تمثل في المتوسط 200%، كما يوجد مليون مشترك، مع اعتبار أن متوسط استخدام الجهاز الواحد 3 أشخاص، أي 3 مليون مستخدم.

معظم الدول العربية (باستثناء مصر- لبنان - دول المغرب العربي) اتخذت إجراءات تكنولوجية لوصول بعض المشتركين إلى العديد من المواقع، معتمدة على ما يسمى بحائط النار أو استخدام جهاز "بروكسى". وهي التي تقوم بفلترة أو تصفية أوامر المتعاملين على الشبكة قبل الوصول إلى الشبكة.

لكن السؤال هو: ما علاقة الرقابة وحقول الإبداع؟ وهو ما يحيلنا إلى بعض المفاهيم الجديدة. منها "الرقابة الرقمية". وأقرب وأوضح نموذج لها، ما تم بالاتفاق بين الحكومة الصينية، وشركات الشبكة، من ضرورة حجب بعض المواقع الصينية المعارضة للنظام، وتسليمهم عناوين مواقع المعارضة الصينية. وقد وافقت الشركات في مقابل طرح منتجاتها في السوق الصينية.

أما مصطلح "الإبداع الرقمي"، وهو ما يتضمن المصنف الأدبي (رواية – شعر -أفلام.. الخ). ثم المصنف الفني (الرسوم – اللوحات – الصور - تصاميم العمارة.. الخ). ثم الحقوق المجاورة لحق المؤلف مثل الهيئات الإذاعية. وهنا يجب الإشارة إلى أن قراء الأدب الآن يفوقون كثيرا القراء في الزمن الماضي، وأرقام زيارة المواقع الأدبية تؤكد ذلك.

ثمة علاقة بين الرقابة والإبداع. لذا يدعو الكاتب إلى تأمل ظواهر ذات صلة، مثل قطع الكوابل البحرية في المنطقة العربية في نهاية عام 2008. وقد أشار إلى ما كتبته الكاتبة الأميركية شيرى ستوناج من أن الغواصات الأميركية الموجودة في بحار العالم، قادرة على إنزال المدربين داخل غرف هوائية، للتجسس على العالم العربي من خلال الكابلات، بل وقطعه. (من كتاب خداع الرجل الأعمى).

وتحت عنوان "الحرب والإنترنت" انعقد المؤتمر العالمي الذي دعا فيه دونالد رامسفيلد العسكري الأميركي إلى إنشاء وكالة أمنية جديدة تعهد باستخدام الإنترنت في تلك الحرب والتي تدعو إلى مواجهة الإسلام الراديكالي كما يقولون.

أما صور الإبداع التي يسعون للسيطرة عليها، وبالتالي على مقدرات الشعوب، هي:

: الإعلام. وواضح الآن أن الإعلام الإلكتروني يتقدم بسرعة كبيرة، ويفرض آلياته ومنتجه بشكل جلي أكثر كثيرا عما قبل. وبالهيمنة علية تتحقق أهداف كبيرة. خصوصا مع مشاكل وسائل الإعلام الأخرى مثل زيادة التكلفة، وارتفاع أسعار الورق وغيره.

: المنتديات والمدونات. بكل ما تحمل من خصوصية، وشيوع، وسهولة في النشر والاطلاع، وغيرها من الميزات التي تجعلها محط أنظار عملاء الرقابة العالمية.

يؤكد الكاتب أن الولايات المتحدة الأميركية تحديدا، تراقب كل شيء على الشبكة العنكبوتية، بل أن شركة ميكروسوفت تسلم الحكومة الأميركية الكود أو الرقم السري لكل جهاز أو برنامج كمبيوتر تبيعه. مما يسهل اختراق الشبكة في أي وقت وفي أي اتجاه.

ومن جهة أخرى أعلن وزير الخارجية في إسرائيل الفترة القريبة الماضية، أن الفكر الجديد للشرطة الإسرائيلية هو شن الحرب على الإنترنت، بحيث يتم اقتحام الشباب منهم على غرف الدردشة (مثلا) لتحسين صورة إسرائيل، وهو ما يطلق عليه (سرب حرب إسرائيل).

ومما سبق تتضح صورة الرقابة على شبكة الإنترنت الآن.

ومع الخطر الخارجي الواضح، هناك أخطار أخرى تقع على عاتق المتعامل العربي مع الشبكة الدولية. مثل انتشار الفيروسات الخطرة جدا على الجهاز والمادة المحفوظة به، وإن تلاحظ قلة انتشارها خلال السنتين الماضيتين، عما قبل.

كما يرى الكاتب إلى جانب تلك السلبيات، الكثير من الجهد الجاد الذي تقوم به بعض البلدان العربية، لمواجهة تلك الأخطار، من خلال المؤتمرات والندوات.

وضرب مثلا في ذلك بدولة لإمارات ومشاركتها مع الجهات الدولية والمحلية مثل: ويندوز ثم البوابة العربية للأخبار التقنية. وإعادة النظر في مواقع اللغة العربية في الدراسات الإنسانية، وعالمية اللغة العربية وقدرتها على مواكبة العلوم الحديثة، والصعوبات التي توجه اللغة العربية مع مصطلحات عصر المعلوماتية. ثم دور المؤسسات في تحقيق مطالب مجتمع المعرفة، ومعالجة اللغة العربية آليا فى علوم النحو والصرف والدلالة والأصوات.

ومع ذلك فلا يزال الطريق طويلا، ولا يزال التقصير كبيرا في العالم العربي، لسد الفجوة الرقمية، تلك التي تعني نقص في عدد أجهزة الحاسوب، وفي المتعاملين مع الحاسوب، وفي التقنيين، والفنيين. وكل ما يخص الجهاز والتعامل معه. مقارنة بعدد السكان في العالم العربي. هناك فجوة رقمية بين العالم العربي والغرب (مثلا). وأيضا فجوة رقمية بين بلدان العالم العربي.. وهكذا.

ومع ذلك فالمؤشرات تشير إلى صحوة كبيرة هنا أو هناك، والجميع يأمل إلى مضاعفتها، وسرعة ردم الفجوة الرقمية في العالم العربي كله.