رفسنجاني يواجه مرارة الهزيمة والاذلال

طهران - من ستيفان سميث
نهاية سياسية مؤلمة

تقدم الرئيس الايراني السابق اكبر هاشمي رفسنجاني (70 عاما) الى الانتخابات الرئاسية كمن يتناول "كاسا مرا" بعد ان اعلن مرارا ان سبب ترشحه هو "المصلحة الوطنية وعدم ايجاد مرشح آخر"، ولم يكن بامكان هذا الركن الاساسي في الجمهورية الاسلامية ان يتصور انه سيتذوق "مرارة" الهزيمة بعد حياة سياسية حافلة بالانتصارات.
فقد كان من الصعب على رجل الثورة هذا، رفيق الامام الخميني، وقائد الجيوش خلال الحرب على العراق، والرئيس الذي تولى اعادة بناء ايران و"صانع الملوك"، ان يتخيل انه سيهزم في مواجهة شخص مجهول تقريبا يصف نفسه بـ"عامل التنظيفات على طرقات الامة الايرانية"، المحافظ المتشدد محمود احمدي نجاد.
وقد اوضح بعد تردد طويل في العاشر من ايار/مايو انه قرر الترشح الى الرئاسة بسبب عدم اهلية المرشحين المتقدمين.
والانطباع السائد عنه انه الوحيد، بخبرته ونفوذه ومهارته، قادر على انهاض الاقتصاد، كما عمل على اعادة بناء البلاد بعد الحرب على العراق خلال ولايته الرئاسية (1989-1997)، وقادر على استئناف العلاقات مع الولايات المتحدة المقطوعة منذ حوالى ربع قرن.
وكانت كل التوقعات ترجح فوزه. وكان النقاش الوحيد يتناول احتمال خوضه دورة ثانية ام لا.
في حملته الانتخابية، ركز على الظهور بمظهر الرجل الحديث رغم تقدمه في السن من اجل جذب الشباب والمتمسكين بالليبرالية التي ارساها الرئيس محمد خاتمي. فظهر على التلفزيون احيانا من دون عمامته، وتحدث مع الشباب عن الموضة والعلاقات بين الجنسين. كما اكد انه لن يعيد النظر في الاصلاحات الاجتماعية المكتسبة خلال عهد خاتمي.
ولكن هذه الصورة اثارت صدمة بين الايرانيين المتمسكين بالقيم الثورية والاسلامية.
واضطر رفسنجاني الى الدفاع عن نفسه في مواجهة الاتهامات بامتلاكه احدى اكبر الثروات في ايران. وبدا ذلك متناقضا تماما مع التواضع الذي اظهره خصمه احمدي نجاد والذي ساهم الى حد كبير في اتساع شعبيته.
وقال رفسنجاني "ممتلكاتي اليوم لا تساوي نصف قيمة المنزل الذي كنت املكه قبل الثورة". ومع ذلك، عندما هاجم خصمه احمدي نجاد "العائلات المتحكمة بالنفط" اتجهت كل الانظار اليه، كون عائلته تملك على ما يبدو مصالح كبيرة في الصناعة النفطية.
واضطر الرجل الثاني في النظام بعد المرشد الاعلى للجمهورية علي خامنئي في الدورة الثانية من الانتخابات الى الانتقال الى دور من يشرح للايرانيين ان خيارهم هو "مع او ضد احمدي نجاد".
وحاول ان يظهر بمظهر "الاب الحريص على الامة"، منددا بعمليات التزوير في الانتخابات وداعيا الى "ائتلاف وطني" لمواجهة "التطرف"، مؤكدا انه يمثل "الاعتدال".
ووعد الطلاب الذي التقاهم في مسرح جامعة طهران والذين كانوا يسمونه حتى عام مضى "بينوشيه"، نسبة الى الدكتاتور التشيلي السابق، بالمضي في الاصلاحات. واستمع اليهم يصرخون "غانجي، غانجي"، وهو اسم احد السجناء السياسيين مطالبين بالافراج عن هؤلاء السجناء من دون ان يقوم باي ردة فعل.
وحكم على اكبر غانجي بالسجن لاتهامه مسؤولين في النظام وبينهم رفسنجاني بسلسلة اغتيالات استهدفت شخصيات يسارية وليبرالية في بدايات الثورة الاسلامية.
وقبل ثلاثة ايام من الانتخابات، وخلال لقاء شعبي في جنوب طهران، تقدمت امرأة من رفسنجاني ونزعت له عمامته بينما غرق الحضور بالضحك، فيما قال عدد كبير من المشاركين في الاجتماع انهم سيصوتون لاحمدي نجاد. وبدا ذلك بمثابة مقدمة للهزيمة المذلة المنتظرة.
وفي محاولة يائسة للهروب الى الامام قبل بضع ساعات من الانتخابات، وعد الايرانيين بدفع مليارات الدولارات كتعويضات للعاطلين عن العمل وبضمان صحي للجميع وبقروض على المدى الطويل للعائلات الايرانية من اموال تخصيص مؤسسات في القطاع العام.
ولعله كان يتساءل، من دون ان ينعكس ذلك على وجهه بتاتا، لدى ادلائه بصوته الجمعة في حي يقيم فيه كبار رجال النظام في شمال طهران، ما اذا كان يعيش اللحظات الاخيرة من حياة سياسية حافلة بدأت سنة 1963 لدى توقيف شرطة الشاه الامام الخميني في قم (وسط ايران).
كان رفسنجاني في حينه طالبا في الفقه الاسلامي. وقد اوقف بدوره واصيب بجروح في بطنه في اعتداء استهدفه.
وعوضته الثورة الاسلامية عن ذلك بكثير من المجد. اما هو فكان لا يزال يسعى الى "دور تاريخي".
فقد اتسمت رئاسته السابقة باعادة البناء والانفتاح على الخارج، انما ايضا بانتهاكات حقوق الانسان والتضخم وديون باهظة ومحاولات فاشلة للتقارب مع الولايات المتحدة. وكان يريد انهاء هذه المهمة الاخيرة بالذات. لكن الايرانيين لم يسمحوا له بذلك.