رضا الباهي: القدر حال دون ان يدخل براندو في فيلمي

ابوظبي

هل يشبه انيس مارلون براندو؟

قال المخرج التونسي رضا الباهي ان "القدر" وحده من منع مشاركة ايقونة السينما الاميركية مارلون براندو في فيلمه "ديما براندو".

واضاف في حديث لـ"ميدل ايست اونلاين" بعد العرض الاول لفيلمه الجديد في الشرق الاوسط ضمن فعاليات مهرجان ابوظبي السينمائي الدولي في دورته الخامسة "ان مفاوضاتي الطويلة معه بمعية المنتجة السابقة للفيلم استمرت عدة اشهر وطلب اجراء تغييرات في السيناريو، لكنه اشترط عدم تصوير اي لقاء قبل توقيع العقد".

واوضح الباهي المولود في القيروان عام 1947 والذي يعد من بين أهم المخرجين العرب واثارت افلامه منذ "العتبتات الممنوعة" 1972 حتى "السنونو لا يموت في القدس" 1994 و"صندوق عجب" 2003 "لذلك لم يظهر براندو في الفيلم".

وعبر الباهي عن الحيرة التي انتابته بعد رحيل الممثل حول مشروع فيلم يؤرخ لذاكرة مبهرة وعلاقتها في العالم العربي.

وقال ان التساؤلات استمرت معه بعد ان تخلى المنتجون عن فكرة الفيلم، الا انه في النهاية خرج بهذه الصورة التي لا تختلف كثيرا عما كنت اعمل عليه، فقط تغير حال البطل من الضياع في هوليويود الى الغرق في البحر مع المهاجرين غير الشرعيين.

وعن الصورة التي رسمها لمارلون براندو بعد اللقاءات المتعددة معه وكيف نجح في اقناع العرّاب على الخروج من عزلته وصمته، قال الباهي "لقد كان يعيش ألماً مريعاً، قال لي انه لم يكن محظوظا في زواجه وانتحر احد ابنائه، ويتألم لانه لم يستطع تحقيق اي شي للزنوج في اميركا، ويشعر بالندم كونه جمع مبالغ مالية كبيرة وقدمها الى اليهود تعاطفاً معهم قبل سنوات من انشاء دولة اسرائيل، لكنه عندما شاهد الفلسطينيين يعيشون في خيام مهلهلة عام 1964 في لبنان، انتابته مشاعر الندم المريع بسبب ان المال الذي تبرع به لبن غوريون واسهم في هذه المحنة".

قال لي بالحرف الواحد نادماً "ان مالي ساهم في انشاء اسرائيل".

اما عن التغييرات التي اقترحها براندو على السيناريو، فقال المخرج التونسي "انه يشك ان المخابرات الاميركية تتنصت على انفاسه، ويمقت عصابة بوش وحروبه وطلب تحويل مصير البطل التونسي القادم الى هوليويود الى معتقل بتهمة الارهاب في سجن غوانتانامو".

ويعالج فيلم "ديما براندو" الذي عرض الاربعاء ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان ابوظبي السينمائي حلم شاب تونسي يدير مقهى في قرية صغيرة يكتشف عن طريق الصدفة انه يشبه الممثل العالمي مارلون براندو فيتصاعد لديه الحلم في الهجرة الى هوليويود لتمثيل فيلم.

الفيلم الذي عرض قبل اسابيع في مهرجان تورنتو السينمائي، وهذا عرضه الثاني من بطولة عدد من الفنانين التونسيين من بينهم انيس الرعاش وسهير عمارة و لطفي العبدلي ومحمود الارناؤوط ورؤوف بن عمر و الممثل سفيان الشعري الذي توفي قبل اسابيع على اثر سكتة قلبية مفاجئة وهو في أوج عطائة الفني.

وعما اذا كانت المصادفة هي التي جعلت الباهي يكتشف البطل الذي يشبه براندو قال "ان هذا الشاب لم يدرس الفن ويعمل في متجر صغير لبيع الملابس المستخدمة، وهكذا صنعنا منه ممثلا بارعاً".

وتنشأ أحداث الفيلم إثر مجيئ فريق سينمائي أميركي إلى تونس لتصوير شريط "الاطلنتيس" المملكة الأسطورية الغارقة فيكتشف المشرفون على هذا الشريط شابا تونسيا يدير مقهى صغيرة شبيها للمثل الأميركي الشهير "مارلون براندو" فينتدبونه للقيام بدور ضمن شريط "الاطلنتيس" ويمكنونه من مشاهدة أبرز أفلام "براندو".

بطل الفيلم الاميركي الذي يصور في تونس يدور في القرية ويحاول اكتشاف الاحجار، يتأمل الطبيعة ويراقب سكان القرية، لكن، فجأة يتوقف عند رؤية أنيس فيشير اليه محدثا أحد مرافقيه "أنظر اليه، ألا يذكّرك بأحد؟". يلتفت المساعد الى أنيس ويجيبه بـ"لا" قاطعة، مضيفا: "يبدو كعربي خائف لرؤيته كائناً فضائياً". "انه يشبه مارلون براندو".

ولم يكن هذا الاميركي سوى رجل شاذ كان يسعى بكل هذا الوهم الذي صنعه في مخيلة الشاب التونسي الى تحقيق رغباته الشخصية.

وعندما تضيق السبل اما "انيس" التونسي في الهجرة الى اميركا بسبب قلة المال تبيع "زينة" خطيبته جسدها الى صاحب دكان في القرية يعشقها مقابل توفير المال لحبيبها في السفر بعدما فشلت في ثنيه عن ذلك.

رضا الباهي والتعبيرية الجارحة
ويا للعذاب عندما ينتهي الامر بانيس مع مجموعة من الحالمين بالهجرة على قارب يتجه الى ايطاليا فيغرق مع غيره ولم تبق سوى بقايا ثيابهم على الشاطئ!

يمثل الفيلم فرصة لاكتشاف وهم الحلم الاميركي الذي يراود الشباب العربي، لا سيما وأن "براندو" عرف بمناصرته للقضايا العادلة والشعوب المضطهدة مثل الزنوج أو الهنود الحمر في أميركا أو الفلسطينيين في العالم العربي.

ويعالج الفيلم موضوع العلاقة بين العرب والأميركيين بعد أحداث سبتمبر واحتلال العراق عام 2003.

ولعلّ التزامن الحاصل بين وفاة مارلون براندو صيف العام 2004، والتحوّلات الدولية الحاصلة في أمكنة جغرافية عديدة في الوقت نفسه، جعلت "دايماً براندو" ينفتح على عدد كبير من المسائل والقضايا والتفاصيل-حسب وصف نديم جرجورة للفيلم في نشرة المهرجان اليومية- مُقدّماً في مضمونه الدرامي حكايات إنسانية، وعلاقات مبتورة، وانهيارات شاقّة.

البُعد الذاتيّ، البحت حاضرٌ بقوّة منذ اللحظة الأولى: رضا الباهي روى بصوته الحكاية كلّها، مُدخلاً على السياق الدرامي حصيلة تفكيره السياسي والسينمائي في القضايا المطروحة: الاعتداء الإرهابي على الولايات المتحدة الأميركية في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2011، الاحتلال الأميركي للعراق، غوانتانامو، الهجرة السرّية إلى أوروبا، الفقر والجوع والمرض، الحب المبتور. السياحة، تحويل الجمال الطبيعي إلى أمكنة تصوير سينمائي، العلاقة الصدامية أو المتكاملة بين عرب وغربيين.

وفي النهاية يبدو "دايماً براندو" حسب "جرجورة" نصّ ذاتيّ خالص، أراده رضا الباهي مقاربة أدبية تأملية مشغولة بصور سينمائية، عن الزمن والذاكرة والحكايات والراهن.