رشيد الذوَّادي يتجول في مقاهي نجيب محفوظ

الذوادي ومحفوظ

يقول الكاتب التونسي د. رشيد الذوادي في مقدمة كتابه "مقاهي نجيب محفوظ في مرفأ الذاكرة": "قارئ هذا الكتاب يعيش في ذاكرة جيل هام بالمقاهي كأماكن مفتوحة للحوار والنقاش، ويرافق كاتبا أصيلا بدأ رحلته مع القضية والقلم، وهو الكاتب القدير الأستاذ نجيب محفوظ الذي فتح أعيننا عن الواقع الاجتماعي الجديد ومثل الوجه المشرق لدينا، وحسم قضية الانتماء إلى الثورة، وإلى المثل العليا، وبحث في الوجود وفي الحياة والعقل، وصاغ من كل ذلك مشروعا فكريا ولم يفصح النقد عن أبعاده بعد!".

ويوضح أن الكتاب ينقلك عبر "مقاهي محفوظ" في الأعوام الماضية بحرارتها وأسئلتها، ويرصد الواقع والخبرة، وحراك المجتمع المصري في أيام زمان، وفي تفاعل الكتَّاب مع تلك المنظومات التي ملأت حلقات النقاش في المقاهي الأدبية في مصر.

ويستهل الذوادي كتابه بحكايات الزمن العربي الجميل ورحلة المقاهي التي تشير إلى من يشربون الشاي والقهوة ويتناقشون فيما بينهم وفيما كتبوه وأضافوه إلى الوجدان.

وفي هذه الحكايات آثر المؤلف أن يقدم المعلومة الدقيقة، بعدما بدأت تأخذ شكلا من أشكال التراث، وأصبحت تجربة مفيدة جسدت "عالم الحارة"، و"عالم المقاهي في الحارات".

وقد أبدع عدد من الشعراء في القهوة والشاي وقال الشاعر محمد الحريري مفتى حماه في مفاضلة بين الشاي والقهوة:

هاتِها قهوةً خلاصة بُنِّ ** مُرة الذوقِ تدفعُ النومَ عني

أين منها الشايُّ الذي ذكروه؟ ** فمن الشاي يا أخا الذوق دعني

وهناك من هجا القهوة والمقاهي حيث غدت القهوة مشروب كل سفيه.

ثم ينتقل الذوادي للحديث عن مقاهي مصر، وقد سبق هذا الكتاب كتاب له عن مقاهي الأدباء في الوطن العربي، ولكنه هنا يخصص صفحات الكتاب عن مقاهي مصر، حيث شكلت مقاهي القاهرة والإسكندرية ودمنهور وأسيوط ذلك الخيط الذي التصق بالواقع وعبر عن حاجيات الناس، كما شكل المكان أيضا الحوارات والأحاديث التي لا تنسى، وحامت حول أمنيات المكان والزمان ورغبات المثقفين والعاطلين والكسالى، كما طرحت بين المناضد والمرايا، أسئلة الحياة ومقولات الواقع والتاريخ.

ويذكر المؤلف طرائف وأخبار عن مقاهي مصر، ويتوقف عند قهوة البوسطة بميدان العتبة الخضرا الذي ظل مقترنا طيلة القرن الماضي باسم جمال الدين الأفغاني، وفيه دارت نقاشاته الساخنة، ومع مرور الأيام تغير اسمه فأصبح يعرف بـ "قهوة متاتيا".

كما يتوقف عند مقهى الفن، ومقهى حسب الله، ومقهى ركس، ومقهى ابوشنب، وغيرها.

ثم يستخلص حوارا مع نجيب محفوظ عن المقاهي وأدباء المقاهي وأجوائها وأسرارها وعن المقهى في حياته، وعن مخبأ الفيشاوي.

ويرى الذوادي وجود إشارات واضحة في نصوص محفوظ الروائية والقصصية عن المقاهي والفتوات والخناقات كما هو باد في "بداية ونهاية" و"قصر الشوق" و"زقاق المدق"، و"الكرنك"، و"الثلاثية"، و"قشتمر" وغيرها.

إن "المقهى في حياة نجيب محفوظ" يأخذ حيزا مهما من حياته وفي مشواره الأدبي والتقط منه الكاتب الكثير من شخصيات رواياته. والنص المحفوظي بوجه عام مليء بأسرار المقاهي وخفاياها وبأحاديثها ومجالسها".

يقول نجيب محفوظ عن حياته في المقاهي: "لقد تنقلت خلال حياتي في الكثير من القهاوي؛ ففي سنوات الدراسة الأولى كنت أجلس مع والدي على قهوة (الكلوب المصري) حيث كان يجالس أصدقاءه وكان يحضر لي (لكوم) أو (جيلاتي)".

ويضيف محفوظ: "حين بدأت بعد ذلك ارتياد القهاوي أثناء الدراسة الثانوية ذهبت مع أصدقائي إلى قهوة قشتمر، وكنا ننتقل بينها وبين قهوة مقابلة لها اسمها ايزيس لم تعد موجودة الآن، ثم تجرأنا بعد ذلك وجلسنا في قهوة عرابي التي كان يرتادها الكثير من الأكابر في ذلك العصر، ثم نزلنا بعد ذلك إلى الحسين فكانت قهوة الفيشاوي ثم في النهاية تلك القهوة التي أسموها باسمي، وقد كانت في الأصل خرابة تابعة لهيئة الآثار وحولها أحد المهندسين بعد حصولي على جائزة نوبل إلى تلك القهوة الأنيقة الموجودة الآن".

ويخصص رشيد الذوادي فصلا من كتابه عن "مقاهي نجيب محفوظ في الإسكندرية" حيث تميزت المدينة بالمقاهي العريقة الفاخرة وبالخصوص تلك المقاهي التي تشرف على البحر مباشرة كـ "مقهى أتنيوس"، و"مقهى ديليس"، و"مقهى الترام"، و"مقهى الكريستال"، و"مقهى تيرو"، و"مقهى بيترو" الذي كان يجلس فيه محفوظ الى جوار توفيق الحكيم. يقول محفوظ للحكيم عن هذا المقهى الهادئ: "أنا شفت مقهى هادئا ومعزولا، تستطيع أن تخلو فيه إلى نفسك أنت وأصحابك، والمقهى قريب".

ويواصل محفوظ ذكرياته عن هذا المقهى قائلا: "أنا الذي اكتشفت بيترو، وبعد أن قامت الثورة ظهر الباشوات في المقهى وشفتهم في حالة الخوف الشديد التي كانوا عليها".