رشا ومثاقفةٌ جديدة في باريس

بقلم: أحمد فضل شبلول

تحقق الرواية القصيرة ـ الأقرب إلى أدب الرحلات ـ "رشا في باريس" فكرة أو مفهوم المثاقفة مع الآخر، بعد أن عانت الرواية العربية منذ "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم الصادرة عام 1938 من الدهشة والانبهار والدوران في فلك الآخر، إما حبًّا (محسن في "عصفور من الشرق"، وبطل "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس، وبطل "أديب" لطه حسين "جلال شعيب" على سبيل المثال) أو كُرها وقتلا (مصطفى سعيد في "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح على سبيل المثال).
وحدها تقف الرواية القصيرة أو المسرواية "نيويورك 80" ليوسف إدريس لمناقشة الآخر وتحليله ومواجهته والانتصار في الحوار عليه، حيث تتحول الفتاة (أو المومس) الأمريكية من الهدوء الذي كانت عليه أول الرواية إلى صراخ، وتتحدث بعصبية شديدة، وتلم حقيبتها وكتابها وأوراقها وتصرخ بأعلى صوتها: "أنا نظيفة .. نظيفة .. بل أنا قذرة .. قذرة جدا .. ولكني أقولها .. هأنذا أصرخ بها .. أنا نظيفة جدا لأني قذرة جدا جدا .. أنا أنظف قذرة .. أنظف منكم كلكم (بول شيت) عليكم جميعا".
أما "رشا في باريس" للدكتور عمر الفاروق (190 صفحة)، فبطلتها فتاة مصرية (خمسة عشر عاما) متعلمة ومثقفة (في حدود سنها) لا تشعر بأي تدنٍ أو دونية وتقزُّم أمام الآخر الغربي. تقضي شهرا في باريس، ضيفة على عائلة فرنسية لها ابنة (شارلوت) في عمر رشا، عن طريق برنامج مشترك وضعته منظمة اليونسكو لتبادل الزيارات بين الأسر من مجتمعات مختلفة.
لذا اختار عمر الفاروق هذه الفتاة ببراءتها وجمالها الشرقي وثقافتها ولباقتها وإجادتها للغة الفرنسية وانفتاحها على العالم، رمزا للجيل الجديد الذي يحقق المثاقفة الحقيقية بين الشرق والغرب، أو بين الشمال والجنوب، مع الاحتفاظ بعاداته وتقاليده، وهويته العربية الإسلامية.
تقول رشا قرب نهاية الرواية: "إن أسرة جانييه (والد شارلوت) في باريس، لا تختلف عن أسرتي في القاهرة".
لقد اجتازت رشا كل الاختبارات التي أجرتها اللجنة المشرفة على تنفيذ برنامج اليونسكو، ومن بين مائة بنت وولد، ينجح عشرة في اجتياز الاختبارات متدرجة الصعوبة، ويوزع المختارون على ريف فرنسا ومدنها، وكانت باريس من نصيب رشا.
إذن ليس رشا وحدها السفيرة الصغيرة (لمدة شهر) لبلادها، ولكن هناك تسعة سفراء آخرين في نفس سنها، ولكن يكفينا التعرف على تجربة واحدة، لنرى كيف يفكر الجيل الجديد، وكيف يتعامل مع الآخر (من خلال الفن الروائي). ولنقارن تجربة رشا الصغيرة بتجارب الآخرين ـ عبر الروايات العربية المختلفة ـ الذين ذهبوا إلى باريس (أو الغرب عموما) إما للتعلم أو للسياحة أو للعمل، أو للعيش فيها كمنفى، بدءا من رفاعة الطهطاوي وزكي مبارك والمويلحي وأحمد زكي باشا (الملقب بشيخ العروبة) وأحمد شوقي وطه حسين وتوفيق الحكيم وبيرم التونسي وأحمد الصاوي محمد وسهيل إدريس وإلياس الديري ومحمد ذيب وكوليت خوري وغيرهم. مع الأخذ في الاعتبار ظروف كل شخصية، وكذلك ظروف العصر الذي عاشت فيه.
بل نقارن ـ أو نراقب ـ رشا وتصرفاتها وردودها، أو ردود أفعالها، في رواية عمر الفاروق، وشارلوت وأصدقائها (من البنات والبنين) في الرواية نفسها. في المتحف في زيارة رشا لمتحف شارتر مع شارلوت وأصدقائها، دار الحديث عن العصور الوسطى، والمعروف عنها أنها كانت عصور ظلام بالنسبة لأوروبا، حيث كثر التعذيب، وكثرت أدواته الموجودة حاليا بهذا المتحف.
قال مارتن: بمثل هذه التضحيات .. تحررت أوربا.
قالت رشا باسمة: لا تنس يا مارتن دور العرب.
تدخلت مارلين قائلة: العلاقات بين أوربا والعرب لم تنته.
تابعت رشا قولها مؤكدة: قام العلم العربي بدوره .. الجامعات .. المكتبات .. المخطوطات .. الترجمة .. كلها مهدت لعصر النهضة .. والخروج من العصور الوسطى المظلمة.
أيدها مارتن قائلا: نعم .. العصور الوسطى للعرب.
عقبت شارلوت في مرح: تماثيل العلماء العرب في أبهاء السوربون .. شاهدة.
قالت مارلين: بالمناسبة .. في هذه الردهة لوحة رائعة .. تصور شارلمان ملك الفرنجة، يستقبل وفد هارون الرشيد إليه في قصره.
ينتهي قول مارلين. وتبدأ رشا في وصف اللوحة للقارئ: "ها هو شارلمان جالسا .. وقد علت الدهشة وجهه .. مرتديا ثوبا أحمر اللون فوق عباءة، يشير بيده معجبا وإلى يساره زوجته الشقراء جالسة، ومن ورائه في رداء أزرق وزيره، ومن أمامه رسول هارون الرشيد يقدم هديته، ساعة دقاقة، هي التي أدهشته وأعجبته، بينما يُخرج بقية الوفد هدايا أخرى من صناديقها".
ولعلنا من خلال الحوار السابق داخل متحف شارتر، عرفنا أن الرواية تتمتع بقدر كبير من المعلوماتية، ففي كل موقف أو حوار، بين رشا وأصدقائها، بل بين رشا وجانييه (والد شارلوت) وأمها (مدام كونديه) وأخيها (بيير)، يدفع المؤلف بكم كبير من المعلومات المختلفة، ولكن بغير ملل، الأمر الذي يجعلنا نوصم هذه الرواية، بأنها من روايات المعلوماتية، وعلى سبيل المثال الفصل 28 الذي شاهدت فيه رشا فيلما تسجيليا عن الفنان التشكيلي العالمي بيكاسو المولود في مدينة مالقة بإسبانيا سنة 1881.
أيضا الفصل 23 الذي زارت فيه رشا معرض الزهور، وعرفنا من خلاله كيفية تصنيع العطور من النباتات والأزهار المختلفة، بل الصلة بين العطور والحيوانات، حيث يستخلص المسك ـ على سبيل المثال ـ من غدة في بطن غزال المسك طولها نحو بوصتين، تُزال دون قتله، وهذه المادة لا غنى عنها لأي عطر كمادة مثبتة.
ولا ينسى المؤلف ذكر فضل العرب، ولكن هذه المرة، على لسان والدة شارلوت، فقد جذب رشا صورة عربي يلبس عمامة، فقرأت اسمه وتساءلت في دهشة: "ابن سينا هنا .. في معرض العطور .. لا أعرف علاقته بها". شرحت الأم قائلة: "توصل ابن سينا لعطر دائم الأثر، أساس صناعة العطور الحالية". سألتها شارلوت: "كيف يا ماما؟ ومتى؟ وتجيب الأم.
وهنا نلاحظ أن المثاقفة، أو نقل المعلومة، يأتي بين الأم ورشا، ولا يأتي بين شارلوت ورشا. فالبنتان الصديقتان على مستوى واحد تقريبا من العلم والمعرفة، وكلتاهما لا يعرفان بعض الأشياء، ويتطلعان إلى المعرفة.
والسؤال الممكن طرحه هنا: هل في حالة زيارة شارلوت لمصر، تنفيذا لبرنامج تبادل الزيارات، ستكون والدة رشا على المستوى المعرفي الذي عليه والدة شارلوت، فالوالدتان مدرِّستان.
تقول رشا في الفصل الثاني عن العائلة الفرنسية المرشحة للإقامة معها: "أمدتني اللجنة بمعلومات وافية: الابنة شارلوت في مثل سني ـ الخامسة عشر ـ وفي مثل صفِّي في المدرسة، والأب مهندس مثل أبي، والأم مثل أمي مدرِّسة ..".
أم أن جيل الأبناء فحسب، هو جيل المثاقفة الحقيقية؟ فلسطين، حاضرة في الحدث ولا ينسى المؤلف، أو لا تنسى رشا، الحديث عن القضية الفلسطينية في باريس.
في الفصل 13 تقول رشا: سمعنا كلمة فلسطين، قالت إيفيت: "مظاهرة تتجه إلى ميدان الكونكورد"، وقفتُ وتقدمتُ خطوات، وقلتُ: "نلحق بها يا شارلوت"، صعدنا مسرعين سلما إلى الشانزليزيه، وجدنا المظاهرة أمامنا مباشرة، قالت شارلوت": أكبر من المعتاد، لا تقل عن عشرة آلاف". يتقدمها صفوف من الشبان والشابات، تشابكت أيدي الجميع، يلوح البعض من خلفهم بالكوفيات، قلت: "تضم عددا كبيرا من الفرنسيين". عقبت شارلوت: "يزيد باستمرار عدد المؤيدين لقضية فلسطين". سرنا مسافة بجوار المتظاهرين، ورحتُ اقرأ اللافتات المرفوعة والشعارات المعلقة فوق الصدور (أوقفوا مذابح المخيمات)، (اللعنة على الإرهاب الإسرائيلي في فلسطين)، (تحركي يا فرنسا من أجل فلسطين)، (النازية الجديدة في إسرائيل).
ونفاجأ بقول إيفيت لرشا: "هل تعرفين أنني يهودية يا رشا"؟
هنا يكون اختبار حقيقي للمثاقفة مع الآخر، ماذا تفعل تلك الفتاة الصغيرة وهي في بلاد الغرب وحدها، وشعورها وثقافتها وتكوينها مع الحق العربي المسلوب في فلسطين، عندما تفاجأ بهذا الوضع، أو بهذا المأزق؟.
لقد كان عمر الفاروق بارعا في هذه اللقطة، فحبس أنفاس القارئ عند الصفحة رقم 44 من الرواية. فكيف تصرفت رشا، وهي في أعلى درجات الحوار مع الآخر وهي في هذه السن؟.
ردت رشا بعد قليل (وكأن المفاجأة عقدت لسانها لثوانٍ، أو أنها أخذت تقلب في وعيها ماذا تقول) فقالت بعد قليل: "لكنك لستِ إسرائيلية .. أنتِ فرنسية .. نحن نفرق بين اليهودية والصهيونية يا إيفيت". وهنا تتدخل شارلوت لتساعد صديقتها المصرية على تجاوز المفاجأة قائلة عن إيفيت: "يكتب والدها باستمرار في صحيفة إكسبريس، مؤيدا حقوق الفلسطينيين". وتضيف إيفيت: "يكتب أبي عن اقتناع بأن مصلحة فرنسا مع العرب". وتؤيدها شارلوت مخاطبة رشا: "ينمو هذا الاتجاه يوما بعد يوم، وعليكم أن تدعموه".
هنا تسترسل رشا في مثاقفتها مع الآخر، فتقول: "قضية فلسطين عادلة، لكن إسرائيل متوغلة في أجهزة الإعلام". فترد عليها شارلوت قائلة: "تستثمر إسرائيل أخطاء العرب، كما تثير الإحساس بالذنب عند اللزوم". .. الخ هذه الحوارية المهمة بين أبناء الجيل الجديد في الرواية. فكلهم على وعي بما يدور في العالم، وبما يدور داخل الأراضي المحتلة، وبالفعل كانت رشا خير سفيرة مصرية عربية في هذه الحوارية، التي تعد رسالة في حد ذاتها في مجال المثاقفة الجديدة بين الغرب والشرق.
ولعل هذه الحوارية تذكرني بنص العبارة الواردة في كتاب "باريس عاصمة عربية" لنيكولاس بو، وترجمة حسين حيدر: "على أية حال، فقد بدأ الرأي العام الفرنسي يقتنع بحقوق الشعب الفلسطيني".
وهو الشيء نفسه الذي أكده عمر الفاروق في روايته "رشا في باريس". زيارة لمعالم باريس لقد زارت رشا أهم معالم باريس، عن طريق البرنامج الذي أعدته لها مدام إيفلين مندوبة اليونسكو مع أسرة جانييه: متحف هوجو، برج إيفل، ميدان الكونكورد الموجودة به المسلة المصرية، حديقة فرساي، التريانون الكبير والتريانون الصغير، متحف اللوفر، إيل دي سيتي (أقدم أحياء باريس)، وغيرها من المعالم والأماكن. إلى جانب زيارتها للريف الفرنسي القريب من باريس، من خلال رحلة إلى خالة شارلوت.
لقد أورد المؤلف على لسان رشا وصديقاتها وأصدقائها أسماء معظم أعلام الفن التشكيلي والموسيقي والأدبي في فرنسا، ولكنه نسي اسم الفنان "ديلاكروا" الذي يعد من أهم الفنانين التشكيليين في السنوات التي تناولها الأصدقاء الصغار بالحديث، والتي ظهرت فيها المدرسة الرومانسية والتأثيرية التي يعد ديلاكروا من أهم مؤسسيها، كما ورد في كتاب "أوجين ديلاكروا من خلال يومياته" للناقدة التشكيلية زينب عبد العزيز، الذي صدر في سلسلة "مشاهير الفنانين" عن دار المعارف بالقاهرة عام 1971 وأيضا كتاب "الاستشراق في الفن الرومانسي الفرنسي" لمؤلفته الناقدة التشكيلية د. زينات بيطار. وقد صدر هذا الكتاب عام 1992 عن سلسلة عالم المعرفة بالكويت.
ولا تنسى رشا وهي في باريس أن تزور الفنان التشكيلي المصري آدم حنين الذي يقيم منذ سنوات في باريس، ويقيم في كوخ بإحدى ضواحيها، ضمن مجموعة من الأكواخ البيضاء أنشأتها بلدية باريس، وسكن فيها من قبل بيكاسو وشاجال وغيرهم. لقد لمحت رشا بداخل الكوخ صورة كاريكاتورية للفنان صلاح جاهين، معلقة فوق مكتب آدم حنين الذي قال عندما نظرت إليها رشا: نعم .. رسمته ورسمني، تزاملنا في دار روزاليوسف سنة، قبل مجيئي لباريس مباشرة.
وهكذا يستمر تدفق المعلومات ـ التي ربما تكون في بعضها، جديدة على القارئ ـ في كل مكان تذهب إليه رشا وأصدقاؤها.

كانت زيارة رشا إلى باريس خلال شهر يوليو، وتحتفل باريس عادةً بعيد ثورتها في ذلك الشهر. لذا قرأنا عن مظاهر الاحتفالات الباريسية، وكيف يشارك فيها الشعب الفرنسي بطوائفه المختلفة، وكانت فرصة لرشا وللقارئ أيضا أن يعرفا تاريخ باريس من خلال هذه الاحتفالات.
الرواية كما ذكرت ـ أقرب إلى أدب الرحلات التي تمتاز بدقة الوصف ـ ولكن ـ إضافة إلى ذلك ـ أراد المؤلف أن يمنحها مسحة درامية، وأخرى بوليسية، فحقق الأولى عن طريق الحوار الفكري ـ بين رشا وأصدقائها من البنات والبنين الفرنسيين ـ وهو ما يذكرنا بالحوارات الفكرية في روايات توفيق الحكيم، مع اختلاف طبيعة الحوار، فلا وجه للمقارنة بين طبيعة الحوار بين محسن وإيفانوفيتش الروسي في "عصفور من الشرق" على سبيل المثال، والحوار الفكري في رواية عمر الفاروق والذي دار ـ في متحف شارتر ـ تعليقا على لوحة تشكيلية تكاد تقفز شخوصها خارج إطارها.
"قالت شارلوت: أوه .. شارل مارتل .. جد شارلمان يا رشا.
تذكرتُ على الفور الاسم .. شارل مارتل .. إذن فالفارس المرتعب هو عبد الرحمن الغافقي .. وبلاط الشهداء هي المعركة.
سمعتُ مارلين تقول: اسم على مسمى حقيقي .. مارتل تعني المطرقة .. نعم .. كانت يده مطرقة على رؤوس أعدائنا.
قلتُ في هدوء: لم يذكر التاريخ أن شارل مارتل هو من قُتل بيده قائدنا عبد الرحمن الغافقي.
رد مارتن: اللوحة ترمز فقط للمعركة، وتحدد المنتصر والمنهزم.
قلتُ: على مر التاريخ، هناك منتصر ومنهزم، وقد واجه الغافقي مصيره في بسالة، وليس مرعوبا هكذا.
عقبت مارلين: رسمت اللوحة والصراع على أشده لبث الثقة بين جنود مارتل والتهوين من قوة العرب.
أضافت شارلوت: وللفن دوره مثل الدعاية في أيامنا.
قلتُ: لاشك أن نتيجة بلاط الشهداء، أو بواتييه كما تسمونها، كانت حاسمة، لكن قوة العرب قد هانت قبلها، انفصلت الأندلس، فواجهت أوربا كلها وحدها، وثأر مارتل لهزيمة اليرموك قبل مائة سنة".
مثاقفة جديدة بين الشرق والغرب، على لسان الفتاة العربية الصغيرة الواعية بتاريخ أمتها وحضارتها، وأصدقائها الفرنسيين، ولكنها أحيانا تستبدل العرب بالمسلمين، ففتح الأندلس كان فتحا إسلاميا وليس عربيا فحسب. مسحة بوليسية أما المسحة البوليسية في الرواية، فتتلخص في سفاح باريس الذي قتل سبع فتيات خلال فصول الرواية، وحتى انتهائها لم يعثر البوليس على أثر له.
هنا تتردد أصداء رواية "العطر" لباتريك زوسكيند، فهي قصة قاتل في فرنسا يقتل الفتيات صغيرات السن، وهنَّ في عمر الزهور، ليأخذ رائحتهن الذكية ويصنع منها رائحته الخاصة، وأول هذه الفتيات قتلت أثناء احتفالات باريس بتتويج الملك، ولم تكن تتجاوز الثالثة أو الرابعة عشرة من عمرها، وتتوقع كل أسرة لها ابنة جميلة في عمر الورود أن يحدث لها ما حدث للفتيات الأخريات. والإحساس نفسه تعيشه العائلات الباريسية في رواية عمر الفاروق، ويتردد صداه في معظم فصول الرواية، ليخفف من كم المعلومات والمشاهدات والحوارات الفكرية، وليحمل دلالة أن العنف والجريمة من الممكن أن يوجدا في أرقى المجتمعات، وأن الغرب غير محصن ضد الإرهاب والعنف والجريمة الفردية أو الجماعية.
أيضا في "رشا في باريس" كمٌّ من المعلومات عن عالم الروائح والنباتات والورود، على اعتبار أن باريس هي عاصمة العطور، وهو ما نلاحظه بوفرة في رواية "العطر" القائمة أساسا على عالم الروائح، وتأثيرها على الإنسان.
ولا يفوت رشا أن تتثاقف مع عائلة مسيو جانييه عندما يرد ذكر سفاح باريس في أحد الفصول، فيتذكر الأب فيلم "اللص والكلاب"، ويذكر أن نجيب محفوظ استوحى روايته من حوادث سفاح الإسكندرية المروعة، فتجيبه رشا قائلة: "نعم .. كتب عنه رواية رائعة"، وتجيب على الأم التي تهمس واجمة "سفاح الإسكندرية .. سفاح باريس"، بقولها: "السفاح في الواقع غيره في الرواية، وتذكِّر الأب الذي خانته الذاكرة بأن الفيلم بطولة: شادية وشكري سرحان وكمال الشناوي، صاح: نعم .. نعم .. ومخرجه؟ (وكأنه يختبرها) قالت: كمال الشيخ.
لقد كان المؤلف ذكيا في اختيار اسم "رشا" لبطلته التي استطاعت أن تحقق المثاقفة مع أقرانها في باريس. ويدلنا المعجم الوسيط على أن الرشأ (بإثبات الهمزة): شجر يسمو فوق القامة، وولد الظبية إذا قوى وتحرك ومشى مع أمه. والجمع: أرشاء. وأن الرشا (بتخفيف الهمزة): الفرخُ الذي يمد رأسه إلى أمِّه لتزقَّه فيبدأ الطيران والانطلاق..
وأعتقد أن رشا بطلة روايتنا لها نصيب من المعاني السابقة، فهي مثلُ فرخ، استطاعت عن طريق تفوقها الدراسي، واجتيازها لاختبارات اليونسكو، وكذلك عن طريق أمها، إقناع أبيها بالموافقة على السفر وحدها إلى باريس. كما أنها شجرة بدأت تسمو من خلال ثقافتها وتفوقها. وهي مثل ولد الظبية وقد بدأ يقوى ويتحرك ويمشي، ويجوب أنحاء العالم. رواية للصغار والكبار معا كنت أعتقد أن الرواية كُتبت للناشئة (من سن 15 ـ 18)، خاصة أن مؤلفها حائز على جائزة الدولة لأدب الأطفال عام 1989، وله الكثير من الأعمال في هذا الاتجاه. وأن تصميم غلافها يوحي بذلك (صورة فتاة صغيرة بضفيرتين وفيونكة حمراء على شعرها الأسود الفاحم، ومن خلفها يظهر برج إيفل، ونهر السين، وسماء باريس). ولكن عندما بدأتُ قراءتها وجدت أنها تصلح للناشئة والكبار معا. فلغتها سهلة ميسورة، لا تعقيد فيها ولا غرابة، والتركيز كله ينصب على المعلومة والوصف والتسجيل والحوار الذي يسير في اتجاه المعلومة إما بإثبات صحتها أو العكس، دون اللجوء إلى تحليل الشخصية، وإبراز الصراع، وما إلى ذلك، حيث إن مناخ الرواية لا يسمح بهذا.
ولا يعيب تلك الرواية الدائرية ـ التي هي أقرب إلى أدب الرحلات والمشاهدات والتسجيل ـ أن قالبها الروائي قالب تقليدي، يسير في الاتجاه السيري، أو الأقرب إلى الترجمة الذاتية لفتاة في الخامسة عشرة من عمرها، فهذا مطلوب في بعض الأحيان. ولا نعتقد أن بطلة في مثل هذا العمر ستلجأ إلى تيار الوعي أو الاستبطان الذاتي، وغير ذلك من التقنيات الروائية الجديدة أو الحديثة.

غير أننا في النهاية، نقول إن د. عمر الفاروق أجاد ارتداء قناع رشا، وأقنعنا عن طريق الإيهام الفني الجميل، أن فتاة عمرها خمسة عشر عاما هي التي قامت بالرحلة، وأنها تملك كل هذا الكم الهائل من المعلومات والثقافة، في حين أن المؤلف نفسه، هو الذي خلق هذه الشخصية، ومنحها الحياة، عن طريق زيارتها لباريس، ليحقق المثاقفة الجديدة المنشودة في عالم اليوم. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية