رسوب الطّالب العظم في العلويّة السياسيّة

لابد من التمييز بين الطائفة والسياسة

لا يمكن لمن يعرف المفكّر صادق جلال العظم أن يقتنع بأنّه غير قادر على تعميق وإغناء مصطلح “العلويّة السياسيّة” لو أراد دفع العمليّة الفكريّة عبر أدبيّة بسعة أخرى ككتاب أو بحث وذلك إلى أبعد من الحيز الّذي ذكر فيه المفهوم وشرحه ووضّحه بما التبس وبالإطار الّذي رآه كافيًا ليجد نفسه (وسط لغط ونقاش كثير كما ذكر) وقد حكم عليه مفكّرون آخرون.

يقول العظم في مقابلة على نيوسيريان في 16- 5- 2015: (العمود الفقري للنّظام والقمع وقهر السّوريِّ هي الطائفة العلويّة، وحين نقول إنّ الولايات المتحدة احتلّت العراق لايعني أنّ كلّ أميركيٍّ احتل العراق، نفس الشّيء العبارة لا تطال كلّ فرد /آحاد من الطائفة.. لكن تبقى القوى المقاتلة والضاربة تأتي منهم، بالمقابل العمود الفقري للانتفاضة هم الأكثريّة السّنيّة في سوريا.. هذه المسائل إذا غضضنا النظر عنها (الغرائز والعصبيات الّتي فلتت بحكم الثّورة) يصبح ضبط مفاقمتها أصعب في المستقبل.. لذلك أنا طرحت في زماني (وعملت لغطًا ونقاشًا) فكرة العلويّة السياسيّة وقارنتها بالمارونيّة السياسيّة في لبنان.. ليس المقصود الطائفة العلويّة بأفرادها وإنّما السياسة الّتي مشوا فيها (داخليّة، دوليّة هيمنة، فساد، نهب.. الخ).

وفي مكان آخر يقول العظم: (فالثّورة رفعت غطاء الطنجرة، كما نقول باللّغة الدّارجة فظهرت التّشقّقات المجتمعيّة وظهر العفن الطائفيُّ الّذي خلفه النّظام بعد حكم نصف قرن، ولا يمكن للصّراع أن يصل إلى خاتمته دون سقوط العلويّة السياسيّة تمامًا كما أنّ الحرب في لبنان ما كان يمكن أن تصل إلى خاتمتها بدون سقوط المارونيّة السياسة وليس الموارنة في لبنان).

مصطلح العلوية السياسية

هكذا، وعبر تعبيره (كعادته) عن أفكاره الجريئة تاريخيًّا، كأنّ المفكّر صادق جلال العظم قد (كفر أو خالف شرعةً) حين تناول فكرة أو مفهوم أو مصطلح العلويّة السياسيّة في سياق قراءته للثّورة السّوريّة والصراع السّوريُّ، ذلك أنّ مجموعة من المثقّفين/الباحثين منهم مع حفظ الألقاب (زياد ماجد وراتب شعبو وسلامة كيلة وياسين الحاج صالح، المشهود لهم كذلك من خلال مكانتهم الثّقافيّة) ومن حيث لم يساجلوه جريًا على عادة وتقاليد السّجال في ميدانه وميادينهم فقد أصدروا بحقّه أحكام قيمة لا تتناسب مع تاريخهم ومكانتهم ومهنيتهم وتاريخ ومكانة هذا الرّجل الفكريّة/الثّقافيّة الّذي ملأ الدنيا وشغل النّاس على صعيد هزّه الدّائم لعروش وسلطة وطغيان الثّوابت التّاريخيّة في الفكر والمجتمع والسياسة، ولعلّ مناصرته للرّبيع العربيِّ بشكل عام والثّورة السّوريّة بشكل خاص كان آخر مطافه ككيان شخصيٍّ ثوريٍّ، ولست بصدد تذكير المجموعة إيّاها بمكانة الدكتور العظم، فهم من ذوي قرباه ويقدرّون قيمته في الحقل المعرفيِّ الثّقافيِّ، لكنّهم (في ارتكابه العلويّة السياسيّة) تصرّفوا كمرجعيّة فكريّة واستسهلوا الحكم عليه (وترسيبه في المادّة) من خلال سلوكهم السّلوك الإداري على غرار عمليّة تصحيح أوراق الامتحانات وبحوزتهم سلّم العلامات (سندهم /معيارهم) وورقة الطّالب صادق جلال العظم الّتي تتضمن إجابته عن العلويّة السياسيّة وكانت نتيجته كما يلي:

قال الدكتور زياد ماجد: (المقارنة المعقودة بين العلويّة والمارونيّة السياسيّتين يُظهر أنّها (غير دقيقة)، وفيها (مجانبة للصّواب)، والسّؤال للدكتور زياد هنا أين هي مرجعيّة الدِّقَّة والصّواب؟ قُبلتها؟ لكن الدكتور ماجد (وبأمانة تاريخيّة ) قد حفظ للعظم صدقيّة انحيازه الشّجاع كمثقّفٍ إلى الحريّة والثّورة الّتي أشاح مثّقفون كثر من أترابه أنظارهم عنها.

مقابلة بالمارونية السيسية

فيما الدكتور راتب شعبو ومن خلال العبارات الّتي استخدمها في تقييم الطّالب العظم، كان متشدّدًا وصارمًا (وربّما غاضبًا) وقاسيًا عليه من حيث أنّ العلويّة السياسيّة بنظر الدكتور راتب تعبير هزيل معرفيًا (لاحظ هزيل) ولم يكن العظم (موفقاً) في نسج هذا التّعبير على منوال “المارونيّة السياسيّة”، كما أظهر زياد ماجد في مقال له في صحيفة الحياة في 30 إبريل/نيسان 2014 بعنوان (عن العلويّة السياسيّة والمارونيّة السياسيّة). ويبدو حسب الدكتور شعبو، أنّ الأمر ازداد (سوءًا) بعد الشّرح الّذي قدّمه الأستاذ العظم لهذا التّعبير، حيث تابع الدكتور شعبو: (يبدو الأمر أسوأ من كونه مقارنة غير موفقة مع المارونيّة السياسيّة (زاد الدكتور شعبو على الدكتور ماجد). و يستمرّ الدكتور راتب في لوم وتأنيب العظم على أنّه لم يراجع وكأنّ المرء يتوقّع أن يقوم العظم بمراجعة لتعبيره هذا، بعد نقد كثير.. وتابع الحديث عن ضحالة التّعبير واعتبره تمرينًا ذهنيًّا يمارسه العظم ولا يخدم الثّورة السوريّة أيديولوجيًّا.

سلامة كيلة: كلمات (مفرقعات صوتيّة وخزعبلة) الّتي استخدمها سلامة كيلة لتوصيف عادة العظم على صعيد الإنتاج الفكريِّ الدّوري تدلّ على مدى استصغار الباحث كيلة من شأن العظم وعاداته الفكريّة حيث قال: (كعادته (لاحظ هذه العبارة ) يخرج الدكتور صادق جلال العظم بين الفينة والأخرى (بمفرقعات صوتيّة)، وهذه منها، وهي محاكاة للواقع اللّبناني، فالعلويّة السياسيّة (خزعبلة)، وليس مصطلحًا سياسيًّا حيث أنّ العلويّة السياسيّة والمارونيّة السياسيّة تعبير مجازيٌّ، بالتّالي لا أسس تحدّد إطلاقه على نظام مّا، بالتّالي ليس من الممكن السّؤال عن الأسس الّتي تحدّده).

ياسين الحاج صالح: رغم أن الكاتب ياسين الحاج صالح (خلافًا للآخرين) صّرح بأنّ مقالته مساهمة في نقد مفهوم العلويّة السياسيّة، (وهي كذلك) بما يضعها طرفًا في السّجال الفكري (النّدي) لابتناء الأسس المنطقيّة والمعرفيّة وتعميق هذا المفهوم الّذي أورده المفكر العظم...إلاّ أنّ الكاتب ياسين وهو يجلس على طاولة تصحيح ورقة الطّالب العظم كالآخرين، لم يمنحه (علامة أو يصدر حكم قيمة) إلاّ أنّه (أعطى لنفسه امتياز إرشاد العظم فيما فعله من حيث لم يحتسب حيث لم يهتد العظم إلى محاربة التّمييز في سوريا فبيّن وفنّد له ياسين الخطأ من الصواب وكيف أنّ العظم (قلب السبب إلى نتيجة والنتيجة إلى سبب حيث قال الكاتب ياسين في التّرشيد (مفهوم العلويّة السياسيّة يجعل النتيجة، تقدّم تطييف العلويين، والجماعات الأهليّة عمومًا، سبب مشكلاتنا الوطنيّة اليوم، بينما سيكون السّبب، النّظام الطائفيِّ، نتيجة. وهو ما يتوافق على المستوى السياسيِّ العمليِّ مع التّخلص من النتيجة، الموقع الامتيازي لعلويين في السّلطة الفعليّة، من دون محاربة التّمييز نفسه، وربّما مع قيام تمييز مضادّ.

إذن تلك كانت العبارات الّتي حملت دلالات ومنطوق حكم القيمة (غير دقيقة، مجانبة للصّواب، هزيل معرفيًّا، ضحالة التّعبير، أسوأ، مفرقعات صوتيّة، خزعبلة، قلب السّبب إلى نتيجة والنتيجة إلى سبب)، ويبدو أنّه كان على مفهوم العلويّة السياسيّة الّذي مررّه العظم بجرأة إلى السّاحة الفكريّة /السياسيّة أن يرحل منها لصالح وجهات نظر وقراءات مُصدري حكم القيمة المتمترسين وراء المقارنة بالمارونيّة السياسيّة (كمسطرة) ولمجرّد أنّه لا يطابقه في المحتوى، وذلك بخلاف ما يُفترض أنّهم يعرفونه عن منهجيّة النِّقاش الفكريِّ (الحرِّ) الّذي تتعمّق من خلاله الأفكار والمفاهيم المتعايشة والمتصارعة في إطار غير تفتيشيٍّ وصائيٍّ إقصائيٍّ في طريقها إلى الواقع لتتأكّد هذه الأفكار من مدى مشروعيّة سريانها في الوعي الاجتماعي وبناء الحياة في نهاية المطاف على أساس معطيات الواقع.

الاستبداد باسم الطائفية

فمفهوم العلويّة السياسيّة كوليد فكري جديد يتحدّث عن الاستبداد والثّورة السّوريّة عليه، ومن حقّه أن يرسبّه سلم علامات الثّورة السّوريّة نفسها (وليس هؤلاء الأساتذة) الّذين نالوا فرصتهم منها في امتحان كلّ مفاهيمهم التّاريخيّة، من حيث قد كذبّت (كواقع ومعطيات صارمة ناجزة) وكحالة انعطافيّة نوعيّة كلّ غطّاسي العمليّة (النِّضاليّة من مفكرين وسياسيين وغيرهم ممن كانوا بدورهم قد كذّبوا بعضهم تاريخيًّا كفرق ناجية).

نعم لقد استسهلوا الحكم على العظم بعيدًا عن التّواجد الندّي معه في ميدان الصّراع الفكريِّ حيث تبادل الأفكار وليس مصادرتها، ويبدو من كلّ ما سبق وكأنّ العظم قد واجه ثانيةً ظروف ارتكابه ذهنيّة التّحريم أو آيات شيطانيّة وحينئذ كان على العظم أن يسحب هذا المفهوم من التّداول أو يعدلّه أو يجد له حلاٌّ استجابة لقرار حكم القيمة.. تلك كانت ملاحظاتي في الشّكل ولست بصدد السّجال في مفهوم العلويّة السياسيّة.

محمد يوسف