رسالة من امرأة عربية إلى كولن باول

بقلم: د. مية الرحبي

فجأة تفتح ذراعيك على مداهما، وتهدج حنجرتك بوعود وأحلام تقدمها هدية ثمينة للشعوب العربية في منطقة الشرق الأوسط، وفي خلفية عقلك أن هذه الشعوب من السذاجة والغباء طبعا، ما يجعلها تهلل وترحب بمبادرتك الغالية، فهي شعوب فاقدة الذاكرة بليدة الحس عاجزة عن الرؤية والتحليل، فاقدة البصيرة، كما تريد أنت ومن حولك أن تروها، وكما كونتم في أذهانكم صورة لها، رسمتموها أنتم، وحاولتم مع آبائكم وأعمامكم من الدول الاستعمارية العريقة، تكريسها وجعلها حقيقة وأمرا واقعا.
لا يا سيد باول، لسنا بالغباء الذي تظن، لسنا مثقوبي الذاكرة، ولا هبلا، صحيح أننا شعوب عانت من القهر والقمع والسحق ما عانت، لكنها لا زالت ربما لعراقتها أو لأصالتها أو لتراثها، لا زالت قادرة على أن تميز الخبيث من الطيب والنوايا الصادقة من "الضحك على اللحى"، فتلك القيم والعوامل التي حمت نفوس أبنائها من الفناء قيم لا تعرفونها، ربما لأنكم لا تملكونها.
لكنني لا أنكر أنك على درجة لا بأس بها من الذكاء، لتدرك أن مبادرتك العظيمة ستقابل بشكوك عربية، ما دامت تحمل في طياتها أهداف واشنطن في المنطقة، هذه الأهداف التي لخصتها في نقاط ثلاث:
نزع أسلحة الدمار الشامل في العراق، والتي يبدو أنني بصفتي امرأة عربية محدودة الذكاء لدرجة تستلزم تدخلك لرفع مستوى ذكائي وقدرتي على فهم التطور في العالم لم افهم رغم متابعتي للأحداث العالمية، ما هي تلك الأسلحة التي يمكن أن تدمر السلام العالمي كما تدعون المتبقية لدى بلد محاصر منذ أكثر من عقد من السنين، دون أن تدخله حتى المواد الضرورية التي يمكن أن تحول دون موت الآلاف من أطفاله سنويا بنقص الغذاء والدواء.
كيف لنا أن نصدق، نحن الشعوب "الغبية" أن هذا هو هدفكم من الهجوم على العراق في وقت تلوحون فيه بالحرب، رغم التأكيدات المتتالية للجنة التفتيش الدولية، التي لم يبق إلا أن تدخل في أفواه البشر وتحت آباطهم لتثبت لكم أن لم يعد هناك ما تخافون منه، سوى القهر المختزن والغضب المكبوت في قلوب العراقيين وبقية العرب.
وسؤال غبي ساذج يراود عقول هذه الشعوب المتخلفة، سؤال بسيط جداً: لماذا يحق لكم ولحلفائكم امتلاك أسلحة دمار شامل تهددون بها شعوب العالم كله؟
وهدفكم الثاني وهو الانتصار في حربكم المزعومة ضد الإرهاب، ذلك الشعار العجيب المطاط واسمحوا لي إن كان عقلي المتخلف عاجز عن استيعابه، والذي ترفعونه حربا مدمرة ضد كل من لا يقبل أن يسحق تحت أحذيتكم، فتهددون به تارة السودان وأخرى ليبيا، ومن ثم سورية ولبنان، في اللحظة التي تريدون وساعة تقررون، والشعوب المتخلفة في هذه الديار، عاجزة عن فهم ما هو هذا الإرهاب الذي تقصدون، ومتى تأزف الساعة التي تقررون فيها تثبيت التهمة ومحو هذه الشعوب برمتها من الوجود.
والهدف الثالث إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، بالطريقة التي ترغبون، وبطريقة تعلنون بها وبكل صراحة أنكم حلفاء دون شروط ودون وجه حق للعدو الصهيوني، الذي تغمضون عيونكم عن جرائمه الوحشية التي يرتكبها كل يوم، بالقتل والتدمير، فإن كانت شرائعكم المتحضرة تبيح قتل من تعتبرونه إرهابيا، فهل تبيح أيضاً ترحيل العائلات وتدمير المنازل والبنية التحتية أساس الحياة المتحضرة، في أفعال نسيتها البشرية منذ قرون بعيدة.
إن كانت حضارتكم تساند المعتدي الذي احتل أرضا وشرد شعبا وقتل من قتل وأذل من أذل، وقهر من قهر، فاسمحوا لنا أن نعلن وبصوت عال أن عقليتنا المتخلفة لا تقر هذه الجرائم،لأن قلوبنا البسيطة وعقولنا الساذجة لا زالت تستطيع التمييز بين الحق والباطل، وبين الظلم والعدالة. أليس من الممكن أنكم تساندون الكيان الصهيوني المغتصب وتبررون أفعاله، لأنها مطابقة لأفعال قام بها أجدادكم عندما قدموا إلى القارة الجديدة، واستباحوا الأرض بعد أن افنوا سكانها الأصليين، وباتوا يتغنون بجريمتهم البشعة، ويسمونها انتصار الحضارة على البدائية، في قلب للمفاهيم ساد آدابكم وفنونكم عقودا من الزمن، إلى أن تجرأ بعض نظاف العقول والقلوب أن يهمسوا بآذانكم أن عليكم أن تطمسوا جرائمكم هذه وتكفوا عن الحديث عن أجدادكم كأبطال،لأن ذلك يتنافى مع مفاهيم الحضارة في العصور الحديثة، التي كان عليكم تبنيها كقادة جدد للعالم، فصمتم عن القذارة التي يعج بها تاريخكم ن وبدأتم تتحدثون عنه بلهجة مختلفة، وقد جاء تلامذتكم الصهاينة وحاولوا تقليدكم في سيرتكم التاريخية المجيدة، إلا أن "ذكاءهم" اللامع الذي تذكرونه في كل مناسبة، لم يسعفهم كي يعرفوا أن الزمن تغير، وأن الإعلام الذي سيطروا عليه عقودا ليقلبوا الحقائق والمفاهيم، هو نفسه الذي بدأ يظهر هذه الحقيقة على رؤوس الأشهاد.
النساء العربيات يا سيد باول لسن غبيات ليصدقن وعودك بأنك تريد أن تحمل لهن تحررهن، وإن كن حقا بحاجة إليه، ولكن ليس عن طريقك، فمن يحمل الدمار والرغبة في إفناء أوطانهن ووجودهن هن وأحبابهن من الرجال والأطفال، يطلبن منك، ما طلبه مفكر أفريقي يوما من ندوة غربية عقدت لبحث المساعدات التي تريد الدول الغربية تقديمها لأفريقيا، إذ قال كلمة مختصرة "نريد منكم شيئا واحدا فقط، ارفعوا يدكم عن أفريقيا واتركونا نعالج مشكلاتنا وحدنا، فنحن أعرف بها وأقدر على حلها" وهذا ما تقوله لك النساء العربيات، ارفعوا أيديكم عن أوطاننا ووجودنا، لا نريد منكم لا حقا ولا باطلا، لا خيرا ولا شرا، اتركونا وحدنا، فنحن أقدر على إيجاد طريق خلاصنا، ربما سيطول الطريق، ربما معركتنا طويلة، وطريقنا مليء بالعقبات، لكن من المؤكد أنه بغيابكم سننجح في تلك المعركة بشكل أصح وأسلم وأسرع، شرط أن تتركونا بحالنا.
أما مجموعة النساء اللاتي زينتم لهن المستقبل في تلك اللقاءات بينهن وبين السيدة تشيني، في أحضان حضارتكم، فهن لا يمثلن النساء العربيات أبدا، فأي امرأة عربية سليمة العقل والتفكير لن تغرها الديمقراطية والحرية التي تدعون امتلاكها وتريدون تصديرها إلينا، فتاريخكم القريب يحمل كما مرعبا من العنصرية والتمييز تجاه مواطنيكم، والذي لا زالت آثاره موجودة حتى اليوم، والنظام الرقابي على مواطنيكم الذي ابتدعتموه اليوم بحجة حمايتهم، لا يختلف بشيء عن أساليب الأجهزة الأمنية في الدول التي تدعون أنكم تريدون أن تحملوا لها الديمقراطية والتحضر.
ثم من قال لكم إن المواطنين الذين يريدون أن يكون لهم صوت سياسي ينتظرون الإذن أو المساعدة منكم؟ أنتم الذين تحملون في كل لحظة وفي كل كلمة وتصريح لكم تهديدا لوجودهم ووعيدا بإفنائهم. إن من ينادون بالحرية والديمقراطية في بلادنا هم أنفسهم من يقفون سواء مع حكوماتهم أو وحدهم، ضد رغبتكم في غزو المنطقة واستعمارها، استعمارا لم تعودوا معنيين بإخفائه وراء أشكال وأقنعة حديثة، بل تعلنونه بكل صفاقة استعمارا مباشرا تقليديا.
هؤلاء الذين ينادون بالحرية والديمقراطية هم أنفسهم من يقفون ضد تهديدكم بغزو العراق، وهم أنفسهم من يقفون ضد حليفكم الأول، العدو الصهيوني، وما يرتكبه من جرائم تجاه شعبهم في فلسطين المحتلة، هم أنفسهم من يقفون ضد التطبيع ومحاولاتكم المتكررة، تلقيمنا إياه غصباً، وتعويدنا وجود جسد معتد غريب بيننا، يحمل القتل والدمار والنفي والتشريد، لبشر لا ذنب لهم إلا كونهم أصحاب الأرض الأصليين. من يريدون أن يكون لهم صوت سياسي في بلادنا هم أنفسهم من يدعون إلى سلام عادل وشامل للمنطقة، لكافة شعوب الأرض، وهم أنفسهم من يقفون ضد رغبتكم في تفصيل العالم قماشا على مقاسكم وإلغاء هويات الشعوب ووجودها، هم أنفسهم من يقولون لكم بصوت عال، كي تسمعوه، وربما بـ "ذكائكم " تفهموه، سنمسك يوما مصيرنا بأيدينا، لكن ذلك بالتأكيد لن يكون بمساعدتكم، ولا عن طريقكم.(اخبار الشرق)