رسالة مفتوحة من رابطة الناشرين المستقلين إلى المؤلفين والمثقفين

احذروا إغراءات الشركات متعددة الجنسيات.


حركة النشر المستقلة الغنية بتنوعها والمقيدة بضوابطها تجسد بوضوح قطب عالم الكتب الثقافي


كل مشروع تأليفي له بُعدان: ثقافي، وتجاري

وجهت اللجنة الدولية للناشرين المستقلين ومقرها باريس وتمثل 750 دارَ نشرٍ، في 55 بلداً حول العالم، رسالة مفتوحة من رابطة الناشرين المستقلين إلى المؤلفين والمثقفين الملتزمين بعالم أكثر إنصافا، بدأت بتوضيح المشهد العام الذي يحيط بالنشر المستقل في العالم "يشهد العصر الذي نعيشه الآثار التخريبية التي راكمتها أفعال البشر على الطبيعة وعلى المجتمعات وعلى الإنسانية نفسها. إن تحرير التجارة وإلغاء الكثير من التشريعات، إضافة إلى تفاقم الاستهلاك وتوسيع الخصخصة وتمكين قواعد السوق المتطرفة؛ قد أدت إلى تغيير العالم، وإلى تمركز الثروات والموارد في أيدي قلة قليلة في أربعة أصقاع الأرض. وهي التحولات نفسها التي فرضت منطقا مهيمناً مفترساً على الطبيعة والخدمات العامة والصحة والتجارة والصناعة. إن هذا المنطق نفسه هو الذي يتحكم في عوالم السياسة والفكر، خصوصاً من خلال سيطرة مجموعات الشركات الكبيرة الخانقة على وسائل الإعلام. وقد أدت مجموعة هذه العوامل إلى إضعاف الديمقراطية جدياً؛ الأمر الذي - ردًا على ذلك - يُظهر الحاجة المُلِّحَة لتغيير هذا النموذج من أجل حماية الكوكب وكرامة سكانه".
وأضافت اللجنة في رسالتها أنه في حقل الثقافة، يتزايد تركيز الإنتاج الثقافي، وتتعاظم قوة الشركات العابرة للدول، هذه الشركات التي تتراوح أنشطتها في صناعة الترفيه على مستوى العالم من نشر الكتب، إلى الإنتاج الموسيقي، والسمعي البصري، والتسويق، وصولاً إلى التحكم بمختلف أنواع الوسائط الإعلامية وأنظمة الوصول إلى الإنترنت. إن شبكات التأثير والقوة التي تشكل "صناعة المعلومات والمعرفة" فريدة من نوعها. وليس من قبيل المصادفة ملاحظة أن مجموعات شركات النشر الرئيسة تعتبر من بين عمالقة الاتصالات، وأن لديها- أو كان لديها - روابط مع صناعة الأسلحة، وإدارة المياه، و"أعمال التعليم"، والإنترنت.
ولفتت إلى إن كل مشروع تأليفي له بُعدان: ثقافي، وتجاري. وفي عالم النشر تتوتر العلاقة بين هذين البعدين إلى أقصى حد؛ فقد يعطي بعض الناشرين الأولوية للكتابة والقراءة، التي هي في منظورهم: ممارسة ثقافية تحررية، بكل ما تتضمنه من تفاصيل. بينما يقتصر قسم آخر من الناشرين على البعد التجاري للكتب، مؤكدين على قيمتها في السوق. إن هذا النوع الأخير من الناشرين يستبعد أي محتوى وأية عناوين لا تحقق ربحاً كافياً خلال فترة محددة من الوقت، ويحجبها.

لا بد أن نكافح بلا هوادة ضد منطق تراكم رأس المال المفترس الذي لا يَشبَع، والذي بات يسيطر في المجالات جميعها، كأنه روح هذا الزمن الذي نعيش فيه. إن الكتب والإبداع والفكر والكلام عناصر حاسمة لتحقيق ذلك

وأكدت اللجنة أن حركة النشر المستقلة الغنية بتنوعها والمقيدة بضوابطها، بما هي حركة معارضة لعمليات تركيز إنتاج الكتب والثقافة وتسليعها؛ لهذا فهي تجسد بوضوح قطب عالم الكتب الثقافي. وقالت إن "الناشرين المستقلين يتعاملون مع الكتاب بما هو سلعة ثقافية واجتماعية في المقام الأول، بالضد من ممارسات الشركات متعددة الجنسيات، وعمالقة الإنترنت، التي تسعى إلى إبراز البعد التجاري للكتاب ودفعه بحسب منطق رأس المال الضخم نحو أكثر الحدود تطرفاً".
وأشارت الرسالة إلى أنه بعد أن دخول القرن الحادي والعشرين، بات من الصعب فصل الغاية عن الوسيلة: ماذا نقول، وأين نقول ذلك؟ إننا نجد - في هذا السياق - أعمال العديد من المؤلفين، الذين يسعون إلى تعزيز الحوار والإبداع والتفكير النقدي والعدالة والمساواة، قد تم نشرها من قبل مجموعات عملاقة تمتلك دور نشر عديدة.
ورأت أن هذا الواقع يفرض تساؤلات، لا بد منها: ألا تتلاشى نحو العدم طاقة هذه الأعمال على التغيير حين تجعل من نفسها جزءاً من آليات صناعة الترفيه؟ الواقع يؤكد أن الشركات العابرة للأوطان، أياً كان مجال عملها، ما هي إلا تمثيل لهذا النظام الذي يسيطر علينا. وبالتالي: ألا نقوم - بطريقة أو بأخرى - بوضع عالم الأفكار التغييرية في أيدي أولئك الذين يُرسّخون أسس النموذج الذي ننتقده حينما نتحول باختيارنا إلى اعتمادهم كناشرين؟ ثم ألا يُساعد ذلك قبضة رأس المال الكبير للتحكم بالكلمة وبحياتنا اليومية؟ وعلاوة على ذلك، كيف يمكننا تجاهل السؤال عن طبيعة استثمارات مجموعات الأعمال العملاقة المالكة لدور النشر حين نرى تلك الاستثمارات ضمن قطاعات صناعية تجارية مختلفة؟ هل هي استثمارات محايدة؟
وشددت اللجنة على إن الرغبة الجشعة في تحقيق الأرباح تُعَرِّض قطاع النشر للاندفاع المُتَعَجِل غير العقلاني؛ إذ يحتاج الإبداع والمعرفة والتكنولوجيا إلى الوقت؛ لكي تتثبّت كقوى تغيير، بدل أن يجري اختزالها إلى محض سلع ومنتجات غير مجدية. أما في بلدان العالم الجنوبي، فتُمَثِل هذه المجموعات العملاقة وجه الاستعمار الثقافي المستمر في تهميش الإبداع والترجمة والإنتاج المحلي؛ إذ يُقَلِل عملها من الاستقلال الذاتي للكِتاب المحلي وللمساحات الثقافية، وبالتالي: يُقَوِض التنوع في التأليف والنشر. إن وسائل الاتصال التي تستخدمها تلك المجموعات، وخيار الوسطاء الثقافيين المشترك، تشجع السياسات المؤدية إلى خصخصة الأماكن العامة، وحتى أشكال التعبير الثقافي. بهذا المعنى، نعتقد: أن من الضروري تعزيز تماسك النص والسياق.

Publishing books
ممارسة ثقافية تحررية

وأشارت إلى أنه من الواضح أن دور النشر المستقلة والأكاديمية ليس لها التأثير نفسه على التوزيع، ولا على التداول، ولا على المبيعات، ولا الحصول على حقوق النشر مثل الشركات متعددة الجنسيات؛ إنها جزء من نظام بيئي هش إلى حد ما، تماماً مثل متاجر الكتب المستقلة التي مهمتها ليست ساحقة خانقة؛ مادامت تتمثل باحترام الإنتاج المحلي ذي البعد العالمي على المستوى الإنساني، وهي بالنتيجة تدعم تنوع التأليف والنشر. إن دور النشر هذه تكافح في بيئة اقتصادية لا تعتبر الثقافة جزءاً من الحقوق الاجتماعية التي تضمنها الدولة، أو يجب أن تضمنها. إنها تواجه عقبات أنشأها النموذج السائد بكل رموزه وسياساته التي أمست إلى ما يُسمى "الوضع المتعارف عليه"؛ حيث تحتل المنشورات التجارية، والكتب الأكثر مبيعاً، المساحة الصغيرة المخصصة للكتب في وسائل الإعلام، إضافة إلى أنها تحتل نوافذ العرض في متاجر الكتب الكبرى. 
لهذا يرى الناشرون المستقلون والأكاديميون محدودية إمكانيات التطور؛ حيث ينتهي الطريق إلى عدد من المؤلفين الذين يسجلون مبيعات كبيرة بانضمامهم إلى شركات الكتب متعددة الجنسيات، مأخوذين بإغراءات حقوق النشر والسمعة و"المكانة"، هذا الذي ليس من السهل مقاومته، نحن نفهم ذلك. لكن، هناك شيء واحد مؤكد، هو: أن هذا الوضع يجعل من الصعب على الناشر المستقل أن يحافظ على كتالوج غني ومتنوع، وأن يحقق - في نفس الوقت - التوازن بين الأعمال التي تداولها التجاري ضعيف جداً، وتلك التي تداولها التجاري مرتفع جداً. أما إذا أخضعنا عالم الكتب لمعايير التراتبية، والبيع، والتشغيل، وهي المعايير التي تضعها الشركات متعددة الجنسيات، التي تعتبر كل كتاب عملاً تجاريا في حد ذاته، فلا بد أن ينتهي الأمر بنا إلى تقييد قوة التغيير والتحوّل التي يحملها كلٌّ من التفكير النقدي والتنوع، إن لم يُدمِّرْها.
وقالت اللجنة "نحن مقتنعون: أننا إذا أردنا تغيير مسار الأشياء، وكسر حلقة قطاع النشر المفرغة، وإعطاء الكتاب معنى وسبب وجوده، بما هو أداة قادرة على تحقيق إنسانية أكثر عدالة، وأكثر انتباهاً وصداقة للبيئة؛ فإن على المؤلفين والمترجمين والناشرين وبائعي الكتب والمكتبيين والصحفيين والنقاد والقراء أن يعملوا متضامنين معاً. إن تقاعسنا وتقصيرنا يساهم إسهاماً فاعلاً في إيقاد مُفاعِلات تمركز الإنتاج وهيمنة قوى على أخرى، بما يقوّض - على المدى الطويل - طاقة عملنا التحويلية، ويؤدي إلى تقوية النظام المسيطر حالياً؛ لذلك أصبح من الضروري التشكيك في هذا الواقع - بالنظر إلى الدور الذي يلعبه كل واحد في هذا السباق الجامح لتدمير وإبادة الآخر - وأن نلزم أنفسنا بمراجعة طريقة عملنا بأكملها؛ من أجل مكافحة استسلام عالم الأفكار لمنطق استخراج الثروات هذا.
وختمت اللجنة "لأجل كل ذلك، ندعو المؤلفين والأكاديميين والمثقفين إلى العمل على المشاريع التي تتمثل مهمتها في تغيير طريقة الأشياء، وليس دمجها، وإلى نشر أعمالهم عبر دور النشر المستقلة في بلدانهم، وإلى إعطاء هذه الدور الأفضلية عندما يتعلق الأمر بنقل حقوق النشر والترجمة. وبهذه الطريقة، سيشاركون بتدعيم أعمالهم التي تعيق استمرار تعزيز هيمنة رأس المال الكبير وتمركز الإنتاج ضمن مجموعات الشركات الضخمة العابرة للأوطان، وتمنعه. من أجل حماية العالم والكرامة الإنسانية؛ لا بد أن نكافح بلا هوادة ضد منطق تراكم رأس المال المفترس الذي لا يَشبَع، والذي بات يسيطر في المجالات جميعها، كأنه روح هذا الزمن الذي نعيش فيه. إن الكتب والإبداع والفكر والكلام عناصر حاسمة لتحقيق ذلك".