رسالة على جناح منظمة الصليب الأحمر الدولية

لم احاول ابدا ان اصادر رأي الاخرين لأنني اعرف جيدا احساس المقابل، اقصد صاحب الرأي، لكثرة الأراء التي صادروها لي.. لا يهم من كان المصادر لكنه دائما زرع الخيبة لدي.
واذ اكتب ما سأكتبه ردا على ما قرأته للكاتب الذي احترمه واحترم مواقفه بعد الاحتلال وهو علي الصراف بعدما قرأت موضوعه الموسوم "منظمة التواطؤ الدولية" والذي ينتقد من خلاله دور منظمة الصليب الأحمر في العراق بعد الاحتلال.
وهنا اؤكد مرة اخرى بأنني لا أصادر رأيه ولا احاول ان افرض رأيي ولا احاول الدفاع عن المنظمة الدولية انما احاول ان اكتب ما لمسته من هذه المنظمة على المستويين الشخصي والعام واحاول في الوقت نفسه حماية العراقيين الذين يعملون فيها غير مبالين بالأخطار المحدقة بهم. وان كان العراقيون جميعا معرضين للخطر كل يوم بل وكل لحظة بسبب اعمال العنف والنيران الأميركية التي يطلق عليها جزافا اسم "النيران الصديقة"، فأن العاملين في المنظمة الدولية معرضين للخطر مرتين: مرة لأنهم عراقيون واخرى لأنهم يعملون في المنظمة الدولية. والحالة تنطبق على العاملين الدوليين في مقر بعثة المنظمة سواء في بغداد او في المحافظات.
بدأت اتصالاتي الشخصية مع منظمة الصليب الأحمر حين قامت القوات الأميركية المحتلة باعتقال شقيقي المناضل المعروف عبد الجبار الكبيسي، ولولا المنظمة وجهودها ما كنت اتمكن من الاتصال به من خلال الرسائل وتزويده بما يطلبه منا.. صحيح بأن المنظمة لم تتمكن دائما من ايصال كل ما طلبه ولكن ليس بسبب تقصيرها انما بسبب التعنت الأميركي.. والمناسبة الثانية التي اتصلت بها بالمنظمة وعرفتها عن قرب كانت حادثة خطف وقتل سائق المنظمة العراقي سمير كاظم والذي كان يقف منتظرا بعثة المنظمة قرب بوابة سجن ابوغريب.. لم يكن لسمير أي ذنب سوى انه يعمل في هذه المنظمة وحين اختطافه كانت البعثة في الداخل تلتقي بالأسرى العراقيين لتعرف الحقيقة وفي الوقت نفسه كانت تقوم بايصال رسائل من اهاليهم لهم.
وبرغم هذه الاتصالات لم تصبح لي علاقة شخصية مع أي مسؤول عراقي او دولي في المنظمة، هم عرفوني بأني شقيق الاسير الكبيسي وطبيب ولا شيء آخر، لكنني احتفظت باحترام لها لأنها وبرغم التهديدات وتفجير مقرها الرئيسي اصرت على البقاء في العراق والعمل من خارج المنطقة الخضراء ورفضت اية حماية عراقية رسمية او أميركية.
في المستشفى الذي أديره واعمل فيه وهو مستشفى ابو غريب العام واجهتنا مشكلة نقص حاد في الأدوية الضرورية للحياة ومنها المضادات الحيوية خاصة وان المنطقة مصنفة (اميركيا) بأنها ساخنة وفي الوقت نفسه شعرت بألم كبير وأنا أرى المهجرين من بيوتهم ومناطقهم يجدون صعوبة كبيرة في الحصول على المواد الغذائية الأساسية ولا املك ان اساعد الجميع. قررت الاتصال بالمنظمة الدولية مباشرة في عمان وعرض المشكلتين عليهم.. وخلال ثلاثة ايام كنت في عمان وفي مكتب رئيس بعثة العراق شخصيا ليأتيني الرد بشحنة ادوية للمستشفى ومئات من سلال غذائية، الواحدة منها تكفي اسرة ويعينها عن السؤال والأهم انها تمنح احساسا بأن هذه العوائل ليست لوحدها وهناك من يفكر بها. لم تسالني المنظمة الدولية عن صحيفة اعمالي، والثقة التي تعاملت بها معي انما كانت ثقتها بالأهداف الانسانية وفي المقابل ثقة برسالتي كطبيب.
وبعد عودتي الى بغداد بايام استلمت المعونات بينما كان العاملون فيها يوزعون المعونات الغذائية والعينية على مخيمات المهجرين.
أفهم جيدا بان الكاتب علي الصراف يتألم كثيرا وهو يرى العراقيين والأسرى منهم بشكل خاص يتعذبون لكنه يبقى خارج العراق وبالتالي لا يلمس الألم اليومي الذي نلمسه ونعيشه، فهو يسمع ويرى بينما نحن نعيشه، من هنا وبسبب معاناتي الشخصية حين كان أخي معتقلا في سجن اميركي اكتشفت مدى اهمية دور الصليب الأحمر في العمل داخل السجون.. قطعا سيرتاح الصراف لو قرأ تقريرا صحفيا صادرا عن المنظمة تكشف التصرفات الأميركية او تصرفات اية سلطة عراقية او في أي بلد آخر المشينة في السجون ولكم ماذا سيقدم الصراف للأسرى والسجناء اذا ما قررت سلطات الاحتلال الأميركية او اية سلطة اخرى بمنع المنظمة من الدخول الى السجون والمعتقلات؟ قطعا لن يقدم شيئا سوى كتابة مقالات للتعاطف مع المنظمة.
لا اريد ان اطيل ولكن لابد لي من الاشارة الى ان المنظمة وبسبب تكاليف السفر العالية في داخل العراق بدأت تساعد اهالي الآسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال ومعتقلاته ماديا للوصول اليها ورؤية احبتهم. هل هذه اشارة تكفي؟
على الذين يحبون العراق ويكتبون لأجل العراقيين ان لا يكتبوا ما يضرهم، في المقابل نأمل من المنظمة الدولية ان تستمر ببذل الجهود للدخول الى كافة المعتقلات والسجون الأميركية والعراقية وتسجيل الأسرى والعمل على ايجاد حل للمفقودين وسنعمل جميعا على مساعدتها.
والله من وراء القصد. د. ابراهيم الكبيسي