"رسالة حب بخط مسماري" تفضح السادية الجنسية للشيوعية

رواية توماش زميشكال أعتبرها البعض حدثًا كبيرًا والأهم على الساحة الأدبية رغم تحفظات بعض النقاد عليها.


علماء الجنس يرون أن أحداث هذه الرواية يجوز أنها وقعت بالفعل، أو قابلة لأن تكون حقيقة


توماش زميشكال استفاد في أولى أعماله الأدبية من فن السينما، وطبقها علي الأدب الحديث

تعد "رسالة حب بخط مسماري" الرواية الأولى للأديب التشيكي توماش زميشكال والذي حصد بها جوائز عدة من بينها جائز الاتحاد الأوروبي عام 2011 لأفضل عمل أدبي، فضلا عن كونها كانت الرواية الأكثر مبيعا عند صدورها قبل 12 عاما، رواية مثيرة للدهشة. أعتبرها البعض حدثًا كبيرًا والأهم على الساحة الأدبية رغم تحفظات بعض النقاد عليها. حيث تحكي تاريخ عائلة تعرضت لتعسف سلطة مستبدة. حكاية يعرفها كل من عايش فترة الحكم الشيوعي، حكاية عالقة في الضمير الجمعي ومسجلة في تاريخ مجتمعات شرق أوروبا. مأساة أسرة غرقت وسط طوفان الحياة، وارتبطت حكايتها بأحداث تاريخية كبرى. ربما هذه هي الرسالة التي أرادها الأديب.
يشير د.خالد البلتاجي الذي ترجم الرواية للعربية أخيرا وصدرت عن دار صفصافة إلى أنه ربما هي المرة الأولى التي يصف فيها أديب تشيكي تاريخها الحديث بمثل هذه البراعة، كل الأعمال الوحشية التي ارتكبها النظام الشيوعي، كل السلوكيات الشاذة في دولة فقدت كرامتها واحترمها لنفسها. كل تلك الفظائع والسلوكيات العبثية التي ظهرت، وحولت الوطن إلى ضحايا وجلادين، فلا تعرف الضحية من الجلاد.
ويقول إن الخط الروائي الرئيسي في الرواية تصنعه علاقة سادية ماسوشية بين "كفياتا"، زوجة البطل الرئيسي المهندس المعماري يوسف، وبين "هيناك يانسكي"، صديقهما السابق، وزميل الدراسة الذي حاول يومًا أن يحظى بـ "كفياتا" صديقة وزوجة له. صار "هيناك" المحقق الرئيسي في قضية يوسف بعد سجنه من قبل الشيوعيين بسبب دفاعه عن زميل له في وجه سلطة مستبدة. بدأت كفياتا تتردد على هيناك في البداية طلبًا للمساعدة في إطلاق سراح زوجها السجين. لكن سرعان ما بدأ هيناك يتحكم فيها، ويسيطر عليها. أوصلها إلى أن بدأت تضع الأصفاد في يديها وقدميها بنفسها كي تشعر بما يشعر به زوجها في السجن. ثم وصل الأمر إلى درجة الضرب المبرح الذي أثار غرائزها. 
"جذبها اهتمامه بها والألم الذي يسببه لجسدها ولروحها، حتى أنها كانت تتوانى عند باب البيت الذي يقيم به، من أجل أن تحصل على صفعات بعدد الدقائق التي تتأخرها. بدأت مع الوقت تحب هيناك، والألم الذي يسببه لها. توقفا بعد عدة أشهر عن التظاهر بأن هيناك يحاول مساعدة يوسف، وصارت علاقتهما قيدًا ربطهما معًا. عندما سألته بعد عدة أشهر: كيف أوصلها إلى هذه الدرجة، أجابها بالمقتطف الذي يتصدر هذا التقديم. انتهت علاقة هيناك بـ "كفياتا" بعد خروج زوجها من سجن بقي فيه لعشر سنوات. ترصد الرواية حياة الزوجين منذ ذلك الوقت وحتى موتهما".

كل منا يحمل في أعماق أعماقه قدرًا من الميول الجنسية المنحرفة، مختفية طيلة حياته في عقله الباطن

ويرى البلتاجي أن توماش زميشكال استفاد في أولى أعماله الأدبية من فن السينما، وطبقها علي الأدب الحديث. مشاهد، وتفاصيل، ومقاطع هي أكبر سمات روايته "رسالة حب بخطط مسماري" رسمها في كولاج أدبي ناجح، وبإيقاع نابض متلاحق جعلها تقرأ بنفس واحد. رغم أن العمل يتناول خمسين عامًا من تاريخ التشيك الحديث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الثورة المخملية على الشيوعية عام 1989. ربما السبب في هذا يعود إلى الراوي المتمكن الذي تمكن من الأحداث. رواية عامودها الفقري علاقة زواج دامت لأعوام طويلة جمعت كل من كفياتا وزوجها يوسف.
ويؤكد أن عماد الرواية أيضًا كان التجريب مع الزمن "لا يسرد زميشكال مراحل العلاقة في تتابع زمني متصاعد، بل بقفزات، بترابط طرف موقف بطرف موقف آخر، وكثيرًا ما ينعطف إلى حكايات فرعية صغيرة لشخوص أخرى ارتبطت بصورة أو بأخرى بمصائر أبطال الرواية الرئيسية. من هنا يأتي تأثير السينما، ولهذا السبب يظل القارئ في حالة استنفار دون أن يفقد الخط الدرامي الرئيسي. تمكن الأديب من التعاطي مع عنصر الزمن ببراعة كبيرة. على مدى ما يقرب من أربعمئة صفحة يتناول شخصيات عدة من جميع النواحي؛ سلوكهم، ومشاعرهم، وردود أفعالهم، وذكرياتهم. أثبت توماش زميشكال قدرة فائقة على الملاحظة. يصف بقدرة واقتدار مشاعر الابنة التي ستصبح أمًا، والأجنبي الشاب الذي هاجر أبوه التشيكي بعد ربيع براج إلى لندن واستقر فيها، ثم الرجل الناضج الذي دمرته معسكرات الشيوعيين، ثم الحدث الأكبر وهو خيانة زوجته له.. وصف موفق وناجح. يرسم في عدة جمل صورة، أو حالة نفسية، من خلال تفاصيل تبدو زائدة، لكنها تقوي من التوتر العاطفي للمشهد، كمنديل يظهر في المشهد عند عودته من سجن الشيوعيين، ويلتقي لأول مرة بابنته ذات السنوات العشر، وقد رآها لأخر مرة وهي لم تبلغ العام".
ويلفت البلتاجي إلى أن الرواية تضم أيضًا أحداثًا تاريخية حدثت بالفعل، وأحداثًا ساخرة مفتعلة، وأخرى خيالية. كرجال شرطة يأتون إلى بيت صانع حلوى مجنون، يسخر منهم ويجعلهم يعتقدون أنه قتل زوجته. لكن الرواية بالأساس ذات طبيعة نفسية. دافع غريب يستدعي أجواء عاصفة. يصف زميشكال أجواء الاستعداد لحفل الزفاف، وتعذيب الضحية، أو طبيعة مريض مستشفى الأمراض النفسية، يكتبها بصيغة الغائب وأحيانًا بصيغة المتحدث، خاصة في المراسلات. في كل مرة يأتي وصف الأحداث والأفعال جذابًا دقيقًا موفقًا، تظهر من خلفه شخصية الأديب، المدرس في المدارس الثانوية. في الوقت نفسه ينأى بنفسه عن شخصياته، لم يظهر في النص، وترك القارئ يحكم كيفما أراد.
ويتابع أن علماء الجنس يرون أن أحداث هذه الرواية يجوز أنها وقعت بالفعل، أو قابلة لأن تكون حقيقة. علاقة "كفياتا" بـ "هيناك" تشبه حالات كثير من السجناء الذين خضعوا لغسيل مخ، فأقاموا علاقة صداقة مع محققيهم، وصاروا يدينون لهم بالفضل والولاء. إنها متلازمة ستوكهولم، “مرض يصيب الفرد عندما يتعاطف أو يتعاون مع عدوه أو من أساء إليه بشكل من الأشكال، أو يظهر بعض علامات الولاء له مثل أن يتعاطف المُختَطَف مع المُختَطِف”. يقال إن كل منا "يحمل في أعماق أعماقه قدرًا من الميول الجنسية المنحرفة، مختفية طيلة حياته في عقله الباطن"، وأن حكاية كهذه محتملة الحدوث. كثير من الساديين يحلمون أن تأتيهم ضحيتهم راغبة في مشاركتهم انحرافاتهم.

الرواية التشيكية
لم يقل الصوت مرحبًا يا أبي

توماش زميشكال (1966) أديب تشيكي، درس اللغة والأدب الإنجليزي في لندن. عمل محاضرًا في جامعة تشالز، إضافة إلى كونه مترجما. يعمل الآن مدرسًا للأدب الإنجليزي في المدراس الثانوية، وهو عضو نادي القلم، ويعيش في مدينة براج. كتب القصة القصيرة قبل أن يلفت إليه الأنظار بروايته الأولى "رسالة حب بخط مسماري" والتي ترجمت إلى الإنجليزية والبولندية والهولندية والمجرية. حصلت عام 2009 على جائزة مجنيزيا ليترا، أرفع جائزة أدبية سنوية في التشيك، كما حصدت الرواية جائزة الاتحاد الأوروبي في الأدب عام 2011.
مقتطف من الرواية:
عزيزتي كفياتا،
تأكدت بعد فوات الأوان أني مازالت أحبكِ. لذلك وجب عليّ أن أقول لكِ: إني أحبكِ! حيائي وحماقتي التي أورثتني إياها الحياة، فضلًا عن الألم الذي تسببتِ لي فيه بعد معرفتي بعلاقتكِ القديمة بـ هيناك، جعلني كل هذا موجوعًا حزينًا. اختلط الوجع بشعوري بالإهانة. والنتيجة أني حاولت نسيانكِ، أن أمحو حبكِ من قلبي. لكني اكتشفت أني لا أقدر على هذا. يجب أيضًا أن أعترف أني لم أكن قادرًا عليه يومًا، رغم محاولتي المتكررة، وسعيي الدؤوب. حاولت في بداية هجراني لكِ أن أنساكِ. كرهتكِ، ولعنتكَ في اليوم الواحد مرات ومرات. لكن كراهيتي دائمًا ما اختلطت بحب لا ينفذ. حاولت في كل يوم وعلى مدار سنوات عديدة أن أنساكِ. رأيتك بعدها، وتأكدت مجددًا من أن كراهيتي لكِ قد فارقتني، وعلىّ أن أحاول استعادتها مرة أخرى. 
عشت لحظات مريرة، مفعمة باليأس، وبحلم لا يتحقق بأن أمحوكِ من حياتي إلى الأبد. ومع الوقت تحقق لي ما أردت. بعدها وبعد أن ظننت أني نجحت، وأنكِ تلاشيتِ من نفسي على الأقل، أخذت ألِيس تذكرني بكِ من جديد كلما كبرت، وبصوتها الذي يشبه صوتكِ أكثر فأكثر في كل يوم. ذات مرة وقبل سنوات، وقت أن كان سمعي مازال بخير، طلبت منها أن تسأل لي عن سعر منجلة حديدة جديدة احتجتها لورشة لهوتكا. اتصلت بي بعد عدة أيام، فرفعت السماعة فسمعت صوتكِ. لم يقل الصوت “مرحبًا يا أبي، كما هي العادة، لكنه راح يعدد لي أسعار منتجات مختلفة، وبدلًا من صوتها سمعت صوتكِ من جديد. فأعدت السماعة وقلبي ينتفض، حتى ظننت أني سأموت في ذلك اليوم. فشل حلمي بأن أمحوكِ من عقلي وقلبي بقية حياتي. كلما حاولت واجتهدت في المحاولة اكتشف أن مرادي يتداعى مثل برج بابل؟ فشلت في تحقيقه، في الحفاظ على هذا البنيان الرهيب قائمًا، بنيان من ألواح صوان مصقولة صنعها الألم. استمر الأمر طويلًا حتى اكتشفت أن سبب فشلي ليس نقص في الكراهية، بل فيضان من حب لم أتوقف يومًا عن حمله لكِ في قلبي.