رسالة الشيخ سلمان العودة: أحقا هي نصيحة؟

تفحصت ملياً رسالة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة، عبر الموقع الإلكتروني "الإسلام اليوم" وهي رسالة مفتوحة موجّهة إلى الشيخ أسامة بن لادن، حمَّله فيها مصائب الدنيا وكلّ الآلام والفواجع، التي طالت بالقتل والدم والتشريد حياة ملايين الناس الأبرياء، بوصفه زعيم القاعدة والمسئول الأول والأخير عن أفعالها وما صدر عنها بحق أبناء المسلمين، وحُسب ذلك بشكل أو بآخر على صورة الإسلام اليوم، وتخلخل مكانته وتشويه سمعته.
وإذا كانت رسالة الشيخ سلمان قد مرت مرور الكرام، وأثارت بعض ردود الأفعال الزاهدة هنا وهناك، فإنَّ هذا لا يعني بأيَّة حال من الأحوال، بأنَّها كانت هواء في شبك، أو صيحة قلقة في خضم واقع مفعم بالهزات والصيحات، وأعتقد هناك مَنْ يتدارس عن كثب تلك الرسالة من جميع أطرافها وجوانبها، وقد نشهد خلال المستقبل القريب اضطلاع بعض المفكرين المهتمين بقضايا العقل والخطاب السياسي العربي والإسلامي، للدخول في سجالات ومناقشات حامية ومتنوعة، حول تلك الرسالة غير العادية، وربما ما نحن بصدده الآن من تناولنا التحليلي والنقدي لها، يُمثل أول الغيث على طريق السجال والمناقشة وإبداء الرأي بكل مصداقية وموضوعية.
فقد جاءت هذه الرسالة بصفة مباغتة، تحمل بين جوانحها دلالات كثيرة وتفسيرات متعددة، ربما إذا ما انفتح باب السجال الفكري حول مضامينها ومعطياتها، بشكل عريض وواسع، فسيجد الشيخ سلمان نفسه مضطرا لكتابة رسائل أخرى، كلما فاجأه مساجل أو باغته محاور أو أعترض عليه معترض، وربما ستتحول هذه الرسالة وبالا على الشيخ سلمان، ومقاصد الاعتراض ونفض اليد وثيمة الابتعاد التي يستشف تأملها عبر فقراتها، قد لا تكون إلاّ اقترابا وغوصا وارتدادا إلى ذات البؤرة، التي قرر الشيخ سلمان الانطلاق منها كموضوع لرسالته.
وهذا حتما سيُدخل الشيخ سلمان في حيصبيص الأسئلة، وربما في حيصبيص الأجوبة والتبريرات، وسيغوص أكثر في مساحات وجوانب أخرى متنوعة، تشمل العقيدة والشريعة، والدين والدنيا، والسياسة من مداخلها المتعددة، الشرعية والوضعية، فضلا عن مكاشفات بخصوص حال الأمة والبلاد العربية والإسلامية، وأوضاعها الراهنة في ظل الفوضى الدولية، التي طالت حدودها بالاحتلال الأجنبي الصهيوني والأميركي، واغتصبت أراضيها، ومسّت أهلها بالبلاء والضُر والدمار.
ثم على الشيخ سلمان أيضا، تقديم التقييمات المفروضة إزاء طرق المقاومة والمواجهة، سواء ما كان قائما منها بالفعل عبر القاعدة أو غير القاعدة، أو ما يفترض أن تكون عليه من طرق وأساليب أخرى، وسيكون الشرع معيارا أم الأخذ بضرورات الواقع، في إيجاد المخارج الفقهية، التي تستند إليها المواقف والآراء والأحكام في معالجة هذه القضية وتبعاتها، أمام المعنيين والمفكرين والعلماء والفقهاء والسياسيين والحُكام وبقية العباد والبلاد.
وهذه الأمور كلها ستفرض على الشيخ سلمان، دخولا اضطراريا إلى موضوعات حرجة، وفيها ملابسات وأخذ ورد في الآراء، وثمة حواف متعرجة وهوامش تاريخية لمواقف وتجارب، سيتم تناولها، وتقتضي منه في هذه الحالة، تفعيل بعض المراجعات وإعادة تصحيح بعض المواقف السابقة، والشروع الابتدائي في بيان مواقف جديدة، لنكون أمام ظاهرة مستحثة من عملية الناسخ والمنسوخ في الأفكار والاجتهادات، مما يختص بقضايا الجهاد والإسلام السياسي، وتقنين آليات السلوك المطلوب حقيقة في معالجة الأزمات، ومواجهة المشكلات التي تحيط بالمجتمعات العربية والإسلامية، وكل ما يندرج ضمن هذا المحيط الساخن في صراعاته وعلاقاته وتفاعلاته مع العالم الغربي، ومما كان للشيخ سلمان إزاء ذلك كله، رأي سابق ومنطق معروف وفكرة سائدة وإشارة مميزة.
فمع خالص تقديرنا للشيخ سلمان، فإنَّه برسالته هذه، قد ركب المركب الصعب، وامتطاه من مؤخرته لا من صدارته، ودخل إلى عُقدة القضية من شبّاكها وليس من بابها، ليطلق هكذا دون روية ولا بيان ولا تيقّن شاهد في الملابسات والإشكاليات، قذيفة من العيار الثقيل في الفضاء الساخن، قذيفة تحتمل دلالات مزدوجة بل وأكثر من مزدوجة، وتتضمن أيضا كثيرا من تغييب الحقائق، وما يجري على الأرض من شواهد حول أسباب المأساة والمآسي، التي حلّت بالأمة والبلاد، وتحديد مُسبباتها الفعلية.
فإذا كانت رسالة الشيخ سلمان، وعلى حدّ زعم المؤيدين لها، تُحسب في أحد وجوهها وأقواها، على باب المُناصحة الموجّهة للشيخ أسامة، لعمري أنَّ الشيخ قد أخطأ درب المُناصحة المخصوصة، فأسمع الرأي العام بها، وكشف عمّا حوت عليه نصيحته من تشهير وإدانات ومسؤوليات وجرائم، ألقى بها الناصح على ظهر المنصوح جزافا وبلية، مخالفا في هذا أوليات المُناصحة وستر المعائب، التي حفلت بها الشريعة الإسلامية، وكان الأجدى بالناصح أن يختار طريقا غير هذا في إيصال نصيحته التي بدأها بكلمة "أخي" للمنصوح، بالشكل الذي ينطبق على متطلبات التناصح بين الأخوين حصريا.
فالشيخ العودة نأى عن أوليات المُناصحة، كما ابتعد كثيرا عن المتطلبات الثنائية التي تقتضيها عملية النصح الهادئة، مؤطرا كلامه بالمباغتة والإدانة والصراخ المستغيث، محبذا جعل رسالته فضيحة بأكثر من جعلها نصيحة، ولا أحسبه في هذا إلاَ أراد أن يقول: إيّاك أعني واسمعي يا جارة، وهذا لما يُبطل قصد النصح على الناصح، وسيؤجج حالة عدم جدوى النصيحة عند المنصوح. وبالتالي يكون هذا الوجه المحسوب على الرسالة، خاليا من باب المُناصحة أصلا ومن أساسه.
وهذا يدفع إلى القول بأنَّ الشيخ سلمان، أراد أن يقدّم خطابا سياسيا ملفتا للنظر، يسمح له تحقيق المغادرة والتخلّي عن بعض مواقفه السابقة الداعمة للخط الجهادي الساخن، ويحقق له تحررا مرتقبا من تلك القيود الفكرية والضرائب السلطوية التي كانت مفروضة عليه بسبب مواقفه تلك، مؤثرا بداية جديدة وتحوّلا جديدا، يشمل الانتقال من وضعية الداعية التغييري إلى وضعية الداعية التبريري، وسيكلفه هذا الانتقال حسب ظني اهتزاز مكانته عند مناصريه ومؤيديه، وسيتحول به من شخصية المصلح العصامي، إلى شخصية المصلح النجم المتجول بين صحون الفضائيات، ليتكلم بأحاديث وموضوعات تخص كل شيء ولا ترتبط بقضية إشكالية محددة، وعلى طريقة الداعية عمرو خالد، لكن من جهة أخرى سيتيح له هذا الانتقال، الاستفادة من مردودات العولمة والسياحة والتسهيلات والمتمتع بشهرة أوسع، وعقد مصالحة دنيوية مع نعم الحياة القريبة أو الموجودة في شلالات كندا، والانخراط في محافل النجومية والمؤتمرات العالمية دون حسيب ولا رقيب.
وربما هذا هو الجزء المعادل لمنطق المساومات والضغوط المعمول بها في دهاليز التفاوض السياسي، وقد يكون الشيخ سلمان قد تعرض لضغط القبول بمثل هذا المنطق، وأراد لرسالته، أن تكون صكا لبراءة الذمة الفكرية والموقفية، لكل ما يُنسب إلى الشيخ أسامة بن لادن، طبقا للرغبة الإعلامية المُتنفذة، والإرادة القوية ذات النوازع الشاجبة، التي جعلت من القاعدة وزعيمها، الشماعة المتاحة أو المشجب المناسب، لتعليق كل مُنغص في حياتنا اليومية عليه، حتى لو غص الواحد منا بشربة ماء.
إنَّنا نعيش في عالم مجنون، كبراؤه ظالمون وأقوياؤه أنذال ومنافقون وحشاشون، وقد هوت علينا من جهة ذلك الجنون، أحلام مريضة قوامها وضع اليد على كل حقوق شعوبنا المادية والمعنوية، فتحولنا من سادة إلى عبيد، ومن مالكين إلى أُجراء، ومن مسلمين إلى مستسلمين لإدارة أميركا الطاغية بشرورها ونزوات غرورها الغربي، الذي أطبق على أنفاسنا بالحديد والرصاص والجيوش والطائرات وانحلالات العولمة، فأفسد ذائقتنا ونخر عزيمتنا، ونجح في تجنيد من كُنَّا نحسبهم ضمير الأمة النزيه وملح البلاد العزيزة، وتحويلهم إلى قردة للتفرج وتماثيل للسخرية في جميع الساحات والمشاهد والمواقع والعروض، فهذه هي أحوالنا يا شيخ سلمان، وهذا هو واقعنا، وأصحاب العقول وعلماء الأمة يعرفون جيدا، وأنت تعرف أيضا، أين هي عقدة المنشار؟ لكنَّهم اليوم يصمتون خوفا أو منافقة، ويبقى العتب على أدعياء الحق الذين يفرطون به باتجاه الباطل، وعلى أدعياء الصدق الذين ينحازون به إلى ناصية الشكوك والأكاذيب، وساعتها لا نستغرب من قيام المخاصمات وحصول الإنشقاقات ونشوب الفتنة الدائرة بين أهل الحلم والحكمة والرأي أنفسهم، وإتساع دائرة المناوشات لتطال الأخضر واليابس من أهلنا وذواتنا ومصالحنا، لنشهد حريق الأمة والبلاد بأسرها، بعد أن جفت ينابيع النصرة والولاء، وذوت مسارب العمل الصالح عند الجميع.
وتعليقاتي يا شيخ سلمان ستكون موازية لتعليقاتك وتساؤلاتك الواردة في الرسالة، ولكن ليس على وفق الطريقة المقلوبة، التي شكّلت قفزا مغالياً في الطروحات والأفكار التي تضمنتها الرسالة، وسأجعل وجهة نظري متساوقة ضمن فقرات دالة على محاورها وعلى الغاية من تكثيفها، تأكيدا على ما غاب عن رسالتك وما رشح عنها، وآمل أن لا يضيق صدرك الواسع مما أُبدي وأقول حيال ذلك، وعلى النحو الأتي:
- ما دور المؤسسات الحكومية وأصحاب الولايات الشرعية في بلادنا، إزاء التسبب في جعل كثير من شباب المسلمين يذهبون في طريق لا يعرفون نهايته؟ وما هو دور علماء الشريعة في الحدّ من هذه المتاهة؟ وهل كان ثمة بوصلة أجمعت عليها العقول النورانية، لتكون شارة الهداية ومعلم البشارة في الدنيا والدين، التي تشدُّ الجميع نحو الانسياق إليها بقلوب مؤمنة وعزائم ثابتة دون ضياع؟ وهل مباركة الأمة وحكوماتها لجهاد أبنائها من أجل تحرير أفغانستان من الاحتلال السوفيتي آنذاك، لا يعني بالضرورة مواصلة الجهاد من أجل تحريرها اليوم من الاحتلال الأميركي؟ فما الذي تغير يا ترى، وما المفارقات الحاصلة بين الحالتين بالنسبة للجهاد؟ أليس من الواجب شرعا وعقلا أن يقف دعاة الشريعة والفضيلة ليبينوا طريق الجهاد الحق ضد الظلم، ليتميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود؟
- هل يوجد لديك يا شيخ بشكل مطلق وأكيد، ما يُثبت من خلال الحجة والدليل بأنَّ الشيخ أسامة أو تنظيمه تحديدا، مَنْ يقف اليوم وراء كل هذا الكم الهائل من الجرائم، التي جاءت مدرجة عبر رسالتك؟ وما بالك بوجود كتّاب وباحثين ومحققين ومحللين مختصين، قدموا للرأي العام التقرير تلو التقرير، على ضلوع الإدارة الأميركية ذاتها بهجوم الحادي عشر من سبتمبر؟ وهناك متشككون كثيرون من رجالات الغرب أنفسهم، يعلنون اليوم وعلى رؤوس الأشهاد بأنَّ: الإدارة الأميركية وليس سواها من ضرب البرجين العالميين، تنفيذا لنظرية المؤامرة، وللبدء بتنفيذ إستراتيجية الحرب على الإرهاب، وقيام الفوضى الخلاقة، التي أدَّت إلى غزو أفغانستان والعراق وإقامة الكثير من الكوارث فيهما وفي بلاد أخرى من ديارنا، وهذا كله قد نوه عنه الكاتب البريطاني "روبرت فيسك" الأسبوع الماضي في مقاله المعنون: حتى أنا أستنطق "حقيقة" أحداث 11 سبتمبر. فلماذا يا شيخ لا توجّهون وأمثالكم الرسائل إلى دعاة الغرب، تحمّلون إيَّاهم وبالأدلة القاطعة جرائم ما يحدث لحياتنا وديننا وأرضنا وأبنائنا وثرواتنا، خاصة وهناك مَنْ يعترف بهذه الجرائم من جهتهم أمثال فيسك وغيره الكثير والكثير من الشهود؟
- فمَنْ يا شيخ ذاك الذي هدَّم عُشَ الحمام الآمن؟ ومَنْ يا شيخ ذاك الذي فكّك فصيلة الدم الواحد؟ ومَنْ هم أولئك الكذابون الكُثر، الذين ذبحونا من الوريد إلى الوريد؟ لنسأل عن ذلك فقهاء السلاطين والمارينز، ونسأل مافيات العقل السياسي الإسلامي، والحُكّام من أصدقاء الغزاة وعملاء الاحتلال، وفاتحي أبواب البلاد لاستقبال واحتواء كلّ ما من شأنه تضييع أخلاق العباد وموت الشباب، وبثّ الفساد، والرقص على أنغام العولمة في الفضائيات والخمّارات والأجساد العارية، ونشر المخدرات والحشيشة بين عقول الناس، ولماذا يتم يا شيخ من جهتك تجاهل ما يقترفه أعداء الأمة ومحتلو الديار، وقد خلت رسالتك مع شديد الأسف من أيَّة إدانة لما فعلوه بنا منذ عشرات العقود؟ وكنت أفضل أن تُدرج فضائح الحكومات العربية الإسلامية المؤكدة، وتُعدّد انعكاسات سلبياتها المتواترة على حياة شبابنا ومستقبل أهلنا، ثم تُسطّر سيئات الغزاة المحتلين لشعوبنا في ضوء معاناتهم اليومية المُحزنة والمُخزية في ذات الوقت، واضعاً النقاط في هذا الجانب على الحروف بكل شفافية ومصداقية، وعندها سيكون تناولك لموضوع رسالتك المخصوصة، مجالا للاسترسال ومكانا لوجهة النظر، التي يُمكن التعامل معها واستيعاب أبعادها، بطريقة تحليلية وعلمية، مغايرة للطريقة الدعائية المتسرعة – المترعة بالمنافقة والتحيز من خلال تناول للرسالة الذي أحسب أنَّ عنوانه جاء خطأ وللأسف، وفيه مكابرة على المغالطة والتغليط: "من العودة إلى ابن لادن: الإسلام بين منهجين" المنشور حديثا على موقع الإسلام اليوم.
- لماذا يسعى الغرب إلى إقامة مراكز علمية وبحثية، تعمل ليل نهار على مكافحة الإسلام، ويحشد الجماهير العامة نحو مناهضة انتشار الإسلام، والتهجم على مقدسات المسلمين، ويُسهم في هذا المضمار بعض زعماء الغرب ورجالات دينه الكبراء، ويسخّرون الطاقات لتنصير شبابنا وأطفالنا، ولا نجد موقفا شاملا من جهتنا يوقف زحف هذه الاعتداءات، التي باتت تُفرّخ علينا بألوان شتى من الانتقاص والضعف والاستخذاء؟ وإلى متى نظل نسمع فقط دعوات ماكرة للتعايش في وقت يمدُّ الغرباء أيديهم في الخُرج، ويتحكّمون برقابنا ومصائر أهلنا وممتلكاتنا؟ إنَّ صورة الإسلام المشوهة، رسمها أناس مشوهون معروفون ببيع أماناتهم إلى أساطين الغرب وأميركا والجمعيات الصهيونية، وحرصت قوى ضالة على دعم هذا التشويه من داخلنا، قوى متمثلة بمنظومة الحكومات الرسمية القابعة فوق مأساة شعوبنا، فضلا عن قوى الطغم الجاهلة، التي تتكلم باسم الدين والشريعة، ممّن شكلت سندا وغطاء مزيفا للتستر على المنكرات ووقوع الاحتلالات على أرضنا، ومباركة الأخطاء الإستراتيجية القاصمة لبنيان الأمة، وهذه الحقيقة لا ينبغي تجاهلها يا شيخ تحت جميع الأحوال والظروف، عندما نتكلم عن أسباب تشويه صورة الإسلام اليوم.
- مَنْ دمرَ يا شيخ شعوب فلسطين وأفغانستان والعراق والصومال، وجعلها شيعا وفرقا وطوائف متقاتلة ومتباعدة بين التشريد والسجون والمقام المضطرب، وحوّل أوطانها أثرا بعد عين؟ أليس ذلك من محصول الاحتلال الأجنبي، ومن نتائج غزوه لبلداننا، وتدخلاته السافرة فوق إرادة حُكّامنا في حاضرنا ومستقبل أجيالنا المسلمين؟ فلماذا يغيب هذا كله عنك يا شيخ؟ ولماذا تمحو الأسباب الحقيقية الموجودة في شوارعنا وقرب أيدينا وتحت أعلام مؤسساتنا الحكومية الرسمية، لتقفز من ساحة الخلل الفعلية، إلى الساحة الافتراضية ناحية جبال تارة بورا ووديان أفغانستان، باحثا فيها عن كبش فداء يتحمّل أوزار الخطأ بكليته، الذي أسهمنا نحن الجميع في حصوله هنا في أرضنا وسمائنا؟
- لقد حوت جميع مناطق الصراع مع الغزاة والمحتلين، شوائب إعلامية كثيرة، وتسربت أخبار حول فصائل المقاومة وأنشطتها، وقد تمت صياغة بعضها بطريقة غير أخلاقية ممزوجة بدخان العمولات والمصالح الانتهازية الحاجبة للحقيقة، بالشكل الذي قد يجعل من هذا الفصيل البريء إزاء فعل منكر ما مُتَّهما باقترافه وبالعكس، ومثال ذلك ما يحدث ضمن الساحة العراقية، التي هي مفتوحة لكل أجهزة المخابرات العالمية، ومدعاة عملية لتنفيذ الأغراض الجهوية وتصفية الحسابات بين المتنافسين والمتخاصمين، مع ضرورة عدم إغفال الماكنة الإعلامية للاحتلال وسيطرتها على عمليات إشاعة الخبر والنشاط الصحفي، طبقا لما يناسب أجندتها وتمرير أهدافها المرسومة، وطبقا لتقارير مزورة وتحقيقات تُشكِل ذمة لجانها وشخوصها، فيما تنتهي إليه وتصرّح به، بخصوص التشدد والتكفير والتمرد، وأشياء أخرى من هذه المسميات الدعائية، وعلى هذا يا شيخ فثمة مقولة علمية تقول: "إنْ كُنتَ ناقلا فالصحة أو كُنتَ مُدعيا فالدليل" فالصحة والدليل يُلزمانك في رسالتك التي خلت من هذين الشرطين المهمين، ولا أحسبك من الذين يفترون بالنقل والإدعاء.
- إنَّ البلدان المحتلة، يتخلخل فيها نظام القيم، وتنفلت فيها السلوكيات الإنسانية والاجتماعية دون ضوابط، بسبب النظم الاستعمارية البديلة المفروضة على الناس بالبندقية والحراب، وبسبب غياب السلطان المعافى وتوقف السياسات الصالحة في الحكم وإنفاذ المصالح العامة، وعندئذ من الطبيعي أن يحصل الهرج والمرج، ويتقافز الصغير أمام الكبير، ويتطاول الرويبضة على الحليم، وينزلق المجتمع بأسره في دوامة من السلوك المستفز والمضطرب، وهذا حاصل في كل البلدان المحتلة، فمن غير المعقول يا شيخ أن لا يشار بالإدانة إلى سلوكيات رأس الفعل الكبير- نظام قيم الاحتلال - المؤدي لكل هذه الخلخلة، ويتم الاكتفاء بالإشارة إلى إدانة سلوكيات ردود الأفعال الهامشية، وتحميلها على الجملة مغبة ما يحصل من سوء في العلاقات بين الأهل والأقرباء، في ظل أجواء الاحتلال والظروف غير الطبيعية المسيطرة على إرادتهم وحياتهم؟ وكان الأولى أن يكون الإنصاف مقترنا بالحكم إزاء تقييم هذه الظاهرة.
- نعم أنَّ الحكومات الغربية جففت ينابيع العمل الخيري، وأضافت عوزا فوق عوز المحاويج في شتى الأصقاع، فماذا فعلت الحكومات العربية والإسلامية، وماذا فعل دعاة الشريعة وأغنياء الأمة في هذا المجال؟ سكت الجميع، وإنْ وجدت ممانعة، فهي مبادرات فردية لا حول لها ولا قوة، بينما الحكومات الغربية تدعم جمعياتها، للتوغل غير المحسوب على العمل الخيري عبر ديارنا، ولأسباب تتعدى الجوانب الإنسانية، لتشمل الدعوة إلى التنصير واستقطاب العقول وقيام الشركات الأمنية والحمايات وتحت يافطات باعثة للشكوك بالقتل والتصفيات، وفتح أبواب اللجوء والهجرة المريبة، ومنح عقود العمل الغائمة مقاصدها، وتخريب منظومة القيم السائدة تحت مسميات الجنس والديموقراطية واستغلال الفرص والتعايش في قرية العالم الصغيرة والمطالبة بحقوق المرأة وتحفيز ظاهرة الأقليات والطوائف ودعم الطائفية، والتدخل في قضايا الشريعة والعقيدة، وغير ذلك الكثير، مما صمتت عنه الحكومات العربية والإسلامية، بل سعت نحو دعمه وترسيخه في مجتمعاتها دون ضابط أو توجيه، وقد صمتَّ أنت عنة أيضا يا شيخ...!
- لا يخفى على أحد ما تقوم به قوات الاحتلال في فلسطين والعراق، بالسعي الحثيث نحو تحييد الشريحة العامة من الشباب والفتيان، وذلك من خلال العمل على تفريغ الشارع من حراكهم وفوّرة دمائهم،من خلال تلفيق التُهم إليهم، وزجّهم في السجون والمعتقلات، وهذا يُمثل إستراتيجية شاملة يعتمد عليها المحتلون عبر القيام بمزيد من المداهمات والاعتقالات، وتجنيد العملاء ضدَ أولئك الفتيان، لضمان كسر عود المقاومة، وتضييق حالة انتشارها، وجعلها فاقدة للعناصر الحيوية، التي تُشكّل رحاها في المعطيات والمواجهة، ومن الطبيعي أن يشعر الشباب المسجون بالحيف والظلم الواقع عليه، فيحنق على السجانين والمحتلين، وينحاز إلى مبدئية الإيمان بمقاومتهم والتصدّي لهم ومحاربتهم والسخط عليهم وليس على المجتمع، وقد أهملت يا شيخ هذه الحقيقة ونسفت وجودها متذرعا بحجة أوهى من خيط العنكبوت.
- إنَّ مسألة القلة والكثرة ينتفي معيارها إزاء القضايا المبدئية والمصيرية، وقد يكون الغلب للقلة على الكثرة متحقق ووارد في حالات مماثلة، وأوافقك الرأي فقط من باب عدم إلقاء النفس إلى التهلكة، ولا أوافقك الرأي عندما يكون الحق مع القلة، الذين يواجهون ظلم الكثرة وجبروتهم وقوتهم، ولنا في السيرة النبوية الشريفة ومواقف الصحابة الكرام، ألف شاهد ودليل، وأبدت لنا مآثرهم المتلاحقة حسن اكتسابهم للخبرة الحياتية وتجربة المواقف، مما أثمر شوطهم في تدبير الأمور على الوجه الناجع، وتزودوا من العلم الشرعي المتاح عبر مداد الفقهاء والعلماء وأهل الشورى، ما جعلهم في عزة القرار ومنعة الدار، وإذا كان ثمة نقيصة تلصق بالقلة ممّن ذكرت: "هب أن بعض هؤلاء أمسك بزمام الأمر..." فإنَّ النقيصة التي تلصق بعلماء الشريعة ودعاتها أكبر وأغلظ، جراء تقصيرهم في تزويد هؤلاء القلة بالعلم الشرعي المطلوب، لئلا يجنحوا عن جادة الصواب، ويكونوا غرضا لمقولات التندر والانتقاد والسخرية، وكان من الحق على علماء الشريعة أن يمتشقوا كلّ محاولاتهم ذهابا وإيابا، وتحت رعاية الحكومات الرسمية، ليكونوا أقرب من حبل الوريد مع أمثال أولئك القلة، لتفقيههم بأمور الشريعة واجتهادات البشر الجارية بخصوص قضايا الأمة الكبرى، ومجالستهم والتباحث معهم وجها لوجه، وليس تركهم متناثرين بين الأصقاع دون نصفة، والاكتفاء بمناجاتهم هكذا عن بُعد تحت دوافع شتى يُردَّ عليها ولا يُعرف لها مدخل، غير هذا التعنيف وتحميلهم الخطايا وأوزار الضحايا.
- كان من الأفضل يا شيخ استثمار حالة المراجعات الحاصلة من جهة أخوان الشيخ أسامة بن لادن في بلاد المسلمين، وما أعلن عبر الكتب والبرامج والمواقع الإلكترونية، كمدخل هادئ يُمكن توظيفه من قبلك وأمثالك، وعبر رسالة أو رسائل إيجابية، محددة الأهداف وافية المعطيات، تُعزّز من قيمة المناقشة الجادة بين الفرقاء، وربما وفر هذا المدخل سبيلا لافتتاح جولة إصلاحية مستمرة، قد تنجم عنها مجموعة موافقات واتفاقات إيجابية بين الأطراف، وحصول مقاربات متماثلة، حيال نقطة أو بعض النقاط المشتركة، التي لا تعيقها نقاط المفارقة أو وجود الاختلاف في وجهات النظر والاجتهادات إزاء القضايا الأخرى، وهذا سيعزز من كفاية الوسيلة الأولية نحو السير في بناء تفاهمات سلوكية مستجدة، ومنسجمة في قابليتها على التفاعل والتعامل مع الواقع والبيئة، وما يصلح حالات اليباس والقطيعة، التي كانت سائدة بين الطروحات المعنية بحالة الأمة وحراكها وصراعها وعلاقاتها، بعيدا عن التشنجات، وإلقاء التُهم المقذوفة على عواهنها، دون أخذ الملابسات المحيطة بها، والمعاذير المنضوية بينها.
- قولك يا شيخ: "فيا أسامة ماذا تصنع بلا إله إلا الله إذا حاجتك يوم القيامة." لمست فيه قساوة الغضبان المفرط في حيرته، وهو يتجنّى في الحكم على مُتهم بعينه قبل إثبات إدانته، دون الحكم على متهمين آخرين، ثبتت إدانتهم بخيانة الأمانات الشرعية التي تكفلوا حملها، إزاء أبناء الأمة والشعوب والفقراء والمساكين عند القاصي والداني، فلماذا الصدّ عن الظالمين الحقيقيين؟ ولماذا يتم تنصيب محاكم إنسانية غيابية واقفة على رؤوسها بالمقلوب، والتغرير من خلالها بالعقول العامة، في فرض التيقّن المموّه والقناعة المغلوطة، للقبول بجرائم غامضة تُعزى إلى مُتهمين افتراضيين؟ أهكذا يكون الإصلاح؟ أهكذا يكون العدل؟ أهكذا يصار إلى الدعوة والحذر من مواطن الغفلات؟ والله أنا في شك من هذا كله...!
- إنَّ تأكيدك يا شيخ بتعددية دروس الحياة، وعدم صلاحها في أن تكون درسا واحدا، لهو تأكيد غامض، ومن اللازم أولا فتح باب التمييز الواجب توثيقه، بين تعاطي الحياة من منطلقاتها الدنيوية الجامحة، أم من منطلقاتها الملتزمة بضوابط الإسلام والشرع المبين، إذْ بغير تثبيت موجبات ذلك التمييز، ستدخل العقول في المحظور باسم المباح واللاأرادية، وستغوص الأقدام في أطيان لزجة، لا يزيلها غسل عاجل ولا تنظيف مرتبك، وستغدو دعوات الحوار والتعايش وصّفات جاهزة للفخاخ المعاكسة، التي ستذهب بالأجيال في مهب الريح الطائش، واللهاث الفاقد للكرامة والشخصية خلف رايات العولمة ومسخ الهويات، ومثلما تعلمون، ثمة فرق واسع بين درس الحياة الذي تمنحه التجربة الماركسية للعقول، وبين الدرس الذي تمنحه التجربة الرأسمالية، والدرسان يختلفان تماما عما يمنحه منهج الإسلام، وهذه المسألة كان لا بُدَّ من الإشارة إليها وتفصيل إرهاصاتها على أيَّة حال، لكي لا يكون التأكيد الغامض، محسوبا على إسلامي معجب بغواية اللعبة العلمانية، ولا يترك المجال لمن يشاء أن يفهم ذلك.
- لماذا الإصرار يا شيخ على وجود قوى سحرية بعينها ماكثة في أفغانستان ومنتصبة في جعبة بن لادن والقاعدة، وهذه هي فقط التي بمقدورها أن تحول الشباب إلى قنابل متفجرة؟ أين القوى الأخرى التي طالما إدَّعت أنَّها مصنع البُناة وإبداع الأجيال ومنبع الإصلاح الإيجابي في العلوم والمعارف والاختراعات وإعداد القادة المرتقبين لمستقبل الأمة؟ إنَّ المشكلة ياشيخ أكبر من تسطيح المعالجات، التي تتبناها أسطر رسالتك، المشكلة أوسع من جعلها منحصرة في حدود اصطناعية أو جغرافية أو لصقها بأسماء محددة، إنَّها مرتبطة بشعور أبنائنا المتراكم، وبالقمع والكره والاستعباد والتبعية وظلم الأقوياء، واستنكاف السلاطين عن نجدتهم وتذويب معاناتهم، وغياب عدل الرعاة بين الرعية، وسلسلة طويلة من مُعلّقات الألم والفقر والجوع والمرض، كما أنَّها مرتبطة بالقيم والأخلاقيات والثقافة، وعدم قيام الجهد الواعي في تسخير إمدادات الشريعة الإسلامية، لجعلها ناطقة في السلوكات ويوميات الحياة، على أساس الحكم الصالح وتدبير المصالح الشرعية في قضايا الخواص والعوام والدولة والمجتمع على حدّ سواء.
- عندما تختفي إبرة الإطلاق عن مكانها أو تتعرض للعطب، لم تعد البندقية صالحة للعمل، لكنَّ هذا لا يعني أن الصراع أو القتال سيتوقف بالضرورة، وأبجدية الصراع بين الخير والشر، ربما تفرض على الشر تكتيكات اضطرارية تجعله يلبس لبوس الخير، كواحدة من منتخبات الحرب الإستراتيجية المعتمدة في حروب الأشرار، وبلادنا التي وطأها الاستعمار والاحتلال والغزو طويلا، مرت عليها حالات نكوص الأشرار وتلوين صبغتهم، كلما كانت المقاومة صاحبة السبق واليد الطولى في المواجهة والمباغتة، وسيعاود الشر إلى لونه وسمته الأول، حالما تتاح له الفرصة المناسبة، غير أنَّ الخير بكل معنى الكلمة، لا أستطيع أن أقرَّ جازماً بأنَّه من الممكن أن يلبس لبوس الشرّ، كإجراء تكتيكي أو حركة اضطرارية يلجأ إليها، مع كل إيماني بكون الحرب خدعة، وبالتالي سيكون الخير جهة تفضيلية مثلى للانتماء، وحقيق أن يكون الاطمئنان إليها من الصواب والفعل الحسن، وحين يكون هناك إقرار أو اعتقاد نابع من وقائع حقيقية وتجارب حاصلة فعليا، بأنَّ الظروف التي تلمُّ بأصدقاء اليوم، قد تجعل منهم أعداء الغد، ويدبُّ التحارب بين الفرقاء الذين كانوا مجتمعين سواء، فهذا لا يجعل المتحولين من حال لحال، مناط شهادة ودليلا على حجّة، تصلح لإثبات الخطأ وإقامة الإدانة، على اعتبار كون ذلك القرار وذلك الاعتقاد ناجما عن البعد السياسي البحت، وعن الرضا في دخول اللعبة السياسية والقبول بنتائجها الصفرية، وبهذه الحالة تكون الرسالة التي تقدمت بها يا شيخ وضمن هذه المفادة المستخلصة، تصبَّ في الأغراض السياسية والقبول بمعطياتها ربحا أم خسارة، ولست أدري كيف غابت عنك حسابات عائدية مَنْ معه الحق والصواب، برغم انقلاب المُنقلبين والمتحولين في صداقاتهم من حال لحال، وكنت أحسب بأنَّ الحق يلزمك لتكون معه يا شيخ فوق ما تلزمك مقتضيات السياسة، التي تحتمل الظن وربما، وفوق أن تميل إليها متسرعا في ميلانك عن الحق.
وأخيرا..فيا شيخ وفقك الله بتوفيقه، ومثلما يرى الشاهد ما لا يراه الغائب، فثمة قضايا مُعقدة وأمور متداخلة، يقف عندها العقل فقيرا ومتسربلا بالتضارب في الأحكام والأسانيد والقرارات، ما لم يكن ذلك العقل جوّالا في جميع زوايا التعقيد والتداخل، لضمان فهم أصوب وأصدق وأصحّ، أو منح عذر مقبول ومستحق، أو شطب دلالة غير مؤثرة، لكل قيمة من قيم الإشكالية المتناولة أو الظاهرة المقصودة، أقول ذلك لكونك يا شيخ، قد وضعت جميع بيضاتك في سلّة واحدة صغيرة لم تتسع لها، فتساقطت البيضات هباء، وكان على رسالتك أن لا تتجاهل عروض التهدئة ووقف الصراع، التي صدرت عن قيادات القاعدة، التزاما بمنحى الموضوعية في عرض المواقف وتجلية النوايا، وجوابا على سؤالك الملح الذي جاء مكررا في نهاية الرسالة، والذي سأجعله سؤالا واقفا على قدميه، وليس على رأسه كما جاء، فأنني أٌقول وأسأل:
- ما محصلة كلّ هذه السنوات العجاف، التي لم نشهد فيها اخضرارا وماء عذبا وراحة نرجوها لحياتنا وحصانة نأمن بها على ديننا، عدا هذه المآسي والآلام والدماء والدموع والتشريد والهجرات والضحايا ومصائب أخرى لا نعرف أواخرها، التي أمطرت علينا بها أميركا ومن ماثلها وجارها، لتكون أيامنا داخنة بالغازات والغارات والدمارات الفضائية وحالات اليتم الإنساني والاجتماعي الشامل؟
وعليه أقول:
- أفلا يحقُّ لنا ونحن على أنقاض كل هذا الخراب الملعون، أن نقول لأنفسنا كفانا ضياعاً وتشظياً واغتراباً؟
- أفلا يحقُّ لنا أن نقول لا مجال للشخص الثالث – حجر العثرة - الحائل بيننا وبيننا بعد هذا اليوم؟
- أفلا يحقُّ لنا أن نصرخ بوجه الغرباء لكي يغادروا أنفاسنا الآن – الآن وليس غداً؟
- أفلا يحقُّ لنا أن نشرع بإعادة تثبيت حجر الزاوية على الحق والعدل، قبل أن تضيع الزاوية ويتداعى الحجر؟
د. فهمي الفهداوي
مدير مركز الحكم الصالح للدراسات الإستراتيجية >B