رسالة إيرانية من اليمن

التفاوض المباشر مع إيران بشأن المسألة اليمنية أكثر نفعا من التفاوض مع الحوثيين.


الحوثيون لا يشكلون طرفا في السلام بقدر ما يمثلون الطرف الذي يحارب


واشنطن تسعى الى احتواء الازمة اليمنية كي لا تكون ورقة في ملحق المفاوضات مع ايران


نقضت جماعة انصار الله كل الاتفاقات الوطنية حين احتلت العاصمة وصارت تتصرف مثل حكومة

فيما استهل مبعوث الولايات المتحدة إلى اليمن تيم ليندركينغ مساعيه للوصول إلى حل سياسي شامل للأزمة اليمنية ووضع حد للحرب بزيارة للرياض هاجم الحوثيون مطار أبها السعودي بأربع طائرات مسيرة.
فهل هي رسالة حوثية مزدوجة إلى الطرفين الأميركي والسعودي أم هي رسالة إيرانية إلى الولايات المتحدة؟

لقد بدأ المبعوث الأميركي مساعيه من المكان الخطأ. كان عليه أن يذهب إلى طهران أولا. ذلك هو فحوى الرسالة الحوثية. وبما أن الرسائل بين الجانبين الأميركي والإيراني لا تزال على قدر كبير من السرية وهي تتعلق بمسألة تهم إيران أكثر من أي مسألة أخرى فليس من المعقول أو المقبول أن ينصب أول اتصال علني بين الجانبين على اليمن، نظرا لثانوية تلك المسألة بالنسبة للطرفين.

كل دعوة لمفاوضات يمنية ــ يمنية لا تتعامل إيران معها ايجابيا كما أن الحوثيين لا يملكون الحرية في اتخاذ القرار الذي يناسبهم ويعبر عن رغبتهم في التفاوض بإشراف طرف ثالث. ولا أعتقد أنهم يمكن أن يقتنعوا بإن يحضروا أية مفاوضات من غير أن تكون إيران على اطلاع على تفاصيل تلك المفاوضات وأن يطلعوها على النتائج أولا بأول. بمعنى أن تكون إيران حاضرة حتى وأن لم تحضر.

كل ذلك يقود إلى أن تصل الولايات المتحدة إلى استنتاج مفاده أن التفاوض المباشر مع إيران بشأن المسألة اليمنية يكون أكثر نفعا من التفاوض مع الحوثيين. فالحوثيون لا يشكلون طرفا في السلام بقدر ما يمثلون الطرف الذي يحارب. ذلك هو مغزى الضربة التي وجهوها إلى مطار أبها بحضور المبعوث الأميركي في المملكة العربية السعودية ولم يبالوا فيما إذا كانت قد تؤدي إلى موقف أميركي متشدد أم لا.       

وبغض النظر عن النيات الأميركية فيما إذا اكانت سيئة أم حسنة فإن الحوثيين ليسوا طرفا صالحا للتفاوض الصادق. ذلك ما يعرفه المبعوث الأممي مارتن غريفيث. مشكلتهم تكمن في أن مشروعهم الطائفي لا يمثل طموحات الشعب اليمني بقدر ما هو تعبير عن ارتباطهم العقائدي بإيران التي صارت تمولهم بالمال والسلاح وهم يخلصون لها كما لو أنهم فرع من فروع الحرس الثوري الذي يشرف على تدريبهم ويعيد تأهيلهم كلما تعرضوا لهزيمة.

ولكن هل تجهل الولايات المتحدة كل ذلك؟

لم يكن الحوثيون أوفياء للاتفاقات الوطنية التي وقعوها من قبل مع الحكومة اليمنية. نقضوا كل تلك الاتفاقات حين احتلوا العاصمة وصاروا يتصرفون باعتبارهم حكومة بديلة عن الحكومة الشرعية. تلك هي أخطر نقطة يمكن أن يواجهها المبعوث الأميركي. فهو لن يكون مضطرا على التفاوض على أساس أن هناك يمنا برأسين، بحكومتين.  

الحوثيون لن يتراجعوا عن الحرب ما لم تقرر إيران ذلك. لذلك فإن كل الأسئلة ينبغي أن تذهب في الاتجاه الصحيح. وهو ما يعني أن ليس هناك من فرج قريب للأزمة بالرغم من أن إدارة الرئيس بايدن تعمل على أن تنهي الحرب بطريقها وبناء على ما تجده صحيحا. وفي ذلك يكمن خطر شديد يهدد الشرعية ويصيبها في مقتل.

ما تراه الإدارة الأميركية قد لا يكون صحيحا من وجهة نظر اليمنيين فهم غير مستعدين للتعامل مع سلطة الأمر الواقع بمعنى البدء من حيث انتهى الحوثيون وفي المقابل فإن الحوثيين لن يقبلوا التفاوض على أساس ما انتهت إليه اتفاقاتهم التي نقضوها قبل سنوات وهو ما أدى إلى اشتعال الحرب.

كما أن الموقف الأميركي قد يتضمن عددا من المفاجآت التي قد تصدم الطرفين وتجعلهم لا يقبلون على المفاوضات بروح مرنة. فالاميركيون لا يهمهم مَن هو الطرف الذي يملك الحق لكي يساهموا في إعادته إليه بقدر ما يسعون إلى احتواء المسألة اليمنية لكي لا تكون ورقة في ملحق المفاوضات مع إيران حول النووي وهوامشه.

ولكن ذلك الاحتواء لن يُرضي الحوثيين حتى لو أنه انطوى على تجاوزات على حق الشرعية في أن تكون في مكانها. لا لشيء إلا لأن إيران لن تكون راضية عليه بسبب رغبتها في ابقاء الحرب مستعرة في اليمن لتكون إحدى أوراقها في التفاوض.   

لن تكون إيران حريصة على البقاء في اليمن إذا ما أفضت المفاوضات مع الولايات المتحدة على الحصول على مكاسب اقتصادية تعوض خسائرها الباهظة نتيجة العقوبات التي تعرضت عليها. يحدث هذا بعد المفاوضات حول النووي لا قبله.

ذلك ما يمكن اعتباره المغزى الأكيد من الرسالة الإيرانية التي حملتها طائرات الحوثيين المسيرة وهي رسالة استلمتها الولايات المتحدة وستعمل بموجبها.