رسالة إلى المرشد...

يوم نالت تونس استقلالها تساند الوجه التغريبي بالوجه الاستبدادي للدولة الناشئة بعد أن تمكّنت النخبة التغريبية الحاكمة من بلورة معالم دولة سلطوية تلغي دور المجتمع وثقافته الأصيلة ومؤسساته المدنية ممّا أحدث بالتدرج اختلال توازن بين الدولة/الحزب/الفرد من جهة والمجتمع من جهة أخرى مما أفرز نظام سياسيا أقل ما ينعت به أنه بوليسي فردي مركزي يتركّز حول شخص رئيس الدولة تشاركه النفوذ من وراء ستار جملة من مراكز النفوذ المتصارعة تتجمع حولها فعاليات سياسية وثقافية انتهازية وذلك بعد أن أصبح الحزب الحاكم لا يمثّل إلاّ إطارا شكليا ينتمي إليه الناس رغبة ورهبة، انتماء ذا طابع تأميني وانتهازي لا سياسي.

هذه بعض من كلمات سبق أن حبرتها سيدي المرشد، قارب وصفك للنظام السابق عين الصواب ولكن هل نظامك اليوم وأنت الماسك بزمامه لا يماهيه مع فارق المرجعية؟... هو لا يختلف كثيرا عن سابق ما كتبته وكأنك بقدر ما كنت تنقد كنت تنظّر لما يراه الكثير اليوم ، زعيم وجد أن ما لا يدرك عن طريق التنظيم العسكري والعمل السري المسلح يمكن أن يدرك عن طريق صناديق الاقتراع، سيطرة على مؤسسات الدولة باسم الديمقراطية واختراق مكشوف وسريع لأجهزتها سعيا لإعادة إنتاج نظام سابق جديد قائم على الهيمنة والإقصاء وعانى منه الجميع بما في ذلك أنتم. كأن الديمقراطية في عرفك تعنى أن تركب النهضة فوق ظهور التونسيين بداعي أنها حزب الأغلبية، وهو ما يضمن لمن يملك قوة الحشد أن يترجم ذلك بالإستيلاء على أجهزة الدولة وخاصة الأمنية منها مع استعداد لانقلاب على اللعبة الديمقراطية التي أتت بكم أو تفصيلها على مقاسكم تحديدا ليصبح الحكم بإسم الله.

من منطلق الأمانة، ومن منطلق النصيحة لله أقول لك: اتق الله… اتق الله في تصريحاتك... في أفعالك وفي أبناء وطنك، كأنني بك لم تتعلم من مأساة التسعينات بعد أن ساهمت في إسقاط بورقيبة بل عجٌلت بإسقاطه دون أن يكون لحزبك نصيب من الإرث سوى الجراح البليغة، وجعلت من إخوانك كبش فداء عمليتك الانقلابية الثانية سواء الذين كانوا في السجون الضيقة أو الواسعة،أو الذين شردوا في كافة أنحاء العالم، والذين تجرعوا مرارة الألم سابقا وقساوة حكومتك اليوم بنكران نادر الوجود.

سيدي المرشد لن ينسى أبناء الوطن أنك كنت بحماقتك الانقلابية محرض بن علي لكبت الشعب وقمعه وسبب مباشر لضياع عقدين من الزمن، بين الدكتاتورية والتفقير في حين كنت جنابك تتمتع بنقاهة الملوك في العواصم الأوروبية وها أنت تعيد الكرة بلا أسف... ولا حسرة على ما تواجهه بلادنا اليوم من مستقبل مجهول، ونفق مظلم وطوق شديد من شيعتكم لجرّنا لصولة الطغيان.

هل تستطيع أن تنكر سيدي المرشد أن التونسيين متخوفون من مستقبل اقتصادي واجتماعي يعيد تكرار تجربة التجمع تحت شعارات دينية، أو نظام بن علي بلحية وفقا مقولات الكثيرين، نحن على مشارف أزمة رهيبة - حتى لو تجاوزنا مشكل التعديل الوزاري - ستصبح بموجبها تونس شبحاَ مخيفاَ بعد ما كانت منذ ثورة الحرية كياناَ صلباَ يفتخر به الأبناء ويتودد إليه الأصدقاء ويقرأ له الأعداء ألف حساب.

عموم مريديك يثقون في فتاويك السياسية، وهذا ليس عيباً في حد ذاته، لكن العيب - وهذا هدفك - في تأييدهم المطلق لكل ما يصدر عنك من تصريحات ومواقف، رغم التناقض البين والصارخ بينها.. يتضح هذا للناس.. إذا قلت شيئاً، قال عموم النهضة: آمين.. وإذا قيل عكسه بعد يوم أو بعض يوم، قالوا: آمين.. هو الولاء في أبهى حلة للجماعة على حساب الوطن.

التبرير هو سيد الموقف.. أيها السيد دافع عما تقوله، لكن بوعي وتبصر.. ناقش واستمع إلى ما يقوله منتقدوكم ومخالفوكم، فليس كل ما يقولونه خطأ، كما أن كل ما تقوله ليس صواباً.. إن الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق الناس بها، كما جاء في الحديث الشريف..

فلتعذرني...لا أراك أخذا بالنصيحة سيدي، أقول طفح الكيل ونحن نرى تونس ضحية مؤامراتك وغريزتك اللامتناهية للسلطة، أراك تجني على نفسك ومن وراءك شيعتك عندما استعجلت الأمر فأرادت أن تزرع وتحصد وتأكل الثًمار في زمن واحد ولكن لن تنجح... ولو جيشت الملايين وانت القادر الذي مهد لظهور ميليشيات موازية تحرض على العنف والتقتيل.

لن نطلب منك الكثير سوى الرحيل بصمت من النهضة ومن السياسة، هم في حزبك ليسوا في حاجتك والوطن أكبر مني ومنك،لا تستكثر على ملايين التونسيين خبرا لطالما انتظروه بشغف بما فيهم رجال وطنيون من النهضة عاهدوا الله على كلمة سواء بينهم لا أراك تستسيغها "إني أحبك يا وطني".

اتقي الله، فمن السيء أن يكون تخريب الوطن هو ثمن رغبتك في السيطرة على الدولة.

في الختام أنتظر سباب أتباعك وقطيعك ووصفهم لي بأبشع النعوت مادمت تطاولت على القامة الكبرى علامة زمانه كما يقول بسيس عصره فتحي العيوني ولكن اسمح لي سيدي المرشد، راشد الغنوشي، رضي الله عنك أن أقول لك أنني إسلامي تونسي ولكنك لا تمثلني.