رسالة إلى أهلي في الخليج العربي: ما الذي يخيفكم في نظام بشار الأسد؟

بقلم: عبدالعزيز الخميس

ما الذي يخيف عرب الخليج العربي والجزيرة العربية الأصلاء في نظام بشار الأسد الديكتاتوري المتهالك الذي يخوض للشهر الرابع على التوالي حربا دموية على شعبه.

ولماذا يصمت أهلنا في الخليج العربي على ما ارتكبه هذا النظام من بشاعات وفظائع موثقة ترتجف لهولها الأبدان؟ ما المخيف في هذا النظام، بحيث يمكن أن يلجم مجلس التعاون الخليجي ويمنعه من رفعه صوته ليقول لحكام دمشق: كفى قتلا وتنكيلا بأهلنا في سوريا؟

مم تخشون؟ على عروشكم؟ ولكن ألم تحصنوها بحب شعوبكم؟ الم تجعلوا من رعيتكم أحبة لكم حريصين كل الحرص على راحة انفسكم مطمئنين على سلامتكم فالعلاقة بينكم وبين شعوبكم تتهيأ لكم سوية، إذن إذا لماذا تخشون من النظام السوري؟ بحيث لا تشيرون إلى جرائمه المروعة ولو بكلمات الاستنكار؟!

هل عودكم على ابتزازه لكم، بـ"الحركات" التقدمية الاشتراكية اليسارية المهددة لعروش الرجعية العربية مرة، وأخرى بالحركات المقاومة الممانعة المقاتلة لإسرائيل في كل ثغر عدا أرض سوريا وبعيدا كل البعد عن الجولان؟

أم تراكم تخشون سطوة حلفائه أعوان الولي الفقيه الضاربين في أراض زرعت لتحمل ثمارا مرة، وهم جماعات منظمة ومسلحة لا تأتمر إلا بأوامر قم ووليها؟

هل إحجامكم عن التدخل لوقف المذبحة الدائرة على إخوتنا السوريين سببه أنكم تخشون حربا طائفية؟ ولكن لنكن صرحاء وصادقين مع انفسنا، هل إن ما يجري في سوريا غير حرب تشنها الأقلية على الأكثرية؟ هل إن منْ يقتل في سوريا اليوم هو غير شعب الأكثرية السورية؟ وهم للأسف ينتمون في معظمهم الى طائفة محددة، وبالتالي فإنهم يقتلون في ما يشبه تصفية جسدية عرقية يشترك فيها الباسيج وكل ما يخطر وما لا يخطر على بال من طائفيي المنطقة؟

وقد اتضحت ملامح هذه التصفية العرقية لابناء الأكثرية الذين يشكلون بدورهم أقليات في بعض المناطق نسبة لكثافة وجود طوائف أخرى، كما هو الحال بالنسبة الى أهالي جسر الشغور الذين ينتمون في غالبيتهم إلى الطائفة السنية وكذا اهالي تل كلخ الذين ينتمون إلى الطائفة نفسها في محيط من القرى والبلدات العلوية، ويجري اليوم هناك نوع من القتل والإرهاب الذي يقصد منه الترحيل للسنة من تلك المناطق!

هل حقا، إذن، يا بني أمي، تخشون من نظام انكشفت كل أوراقه لشعبه، وجأر شعبه بصوته عاليا نازعا عنه الشرعية وداعيا إياه إلى الرحيل، وهو بتوصيف كثيرين من المتابعين لسياسات العنف والموت التي ينتهجها، يعتبر حسب أفعاله وممارساته الوحشية مع شعبه، خلاصة جحيم ستازي والسافاك والكي جي بي معا. ولا غرابة في ذلك فقد تدربت الاجهزة الامنية السسورية اساسا في معاهد ستازي الالمانية الشرقية سيئة السمعة.

ما الذي يرعبكم في نظام ضعيف وفاقد للشرعية، نظام أرسل له السوريون أولادهم ذكورا فأعادهم دون ذكورتهم (تعذيب الطفل حمزة الخطيب، ابن درعا الصابرة، بطريقة وحشية وتشويه جسده وقطع عضوه التناسلي).

أتساءل يا أهلي أين أنتم من أول ثورة في التاريخ يعذب فيها الأطفال وتكسر رقابهم وهم أحياء، ويقتلون بهمجية لا سابق لها؟

وهل بقي لديك ما يجعلكم تعتقدون بمصداقية نظام تسلخ فيه جلود أساتذة المدارس لأنهم يعتنون بطلبة أحرار؟

نظام يمارس وبكل صلف ووقاحة كل ما شاهدناه على الهواء مباشرة من سادية في التعذيب والقتل لا مثيل في التاريخ الإسلامي؟

كيف يرضيكم الصمت على نظام يؤسر فيه أطفال شجعان لكونهم يحملون طعاما لجيران لهم محاصرين في درعا فيعاقبون انتقاما من شهامتهم بأن تفقأ أعينهم بالملاعق؟

وكيف تقبلون صمتا على نظاما يقتل الأبقار ويحرق الأشجار لا لشيء سوى لكي يعاقب أحرارا طلبوا الحرية.

بالله عليكم كيف تصمتون على نظام دخل التاريخ على انه أول نظام يقتل هذا العدد من الأطفال تحت التعذيب ويريد أن ينجو بفعلته، ثم لا تنجو من افعاله الوحشية حتى الأبقار، واخيرا نجده يحرق الاشجار، كما فعل نيرون بحدائق روما وغاباتها وبيوتها. بل إن نظام بشار الاسد فاق بوحشيته كل من سبقه من طغاة فقد قتل النساء اللواتي خرجن يسألن زبانيته عن أولادهن المعتقلين فحصدهن شبيحته بالرصاص. لا شيء من هذا يمكن أن نجده في كتب تاريخ المغول فقد فاق المغول وحشية!

وإلى ما تقدم من أسئلتي التي حيرتني أسابيع طويلة، أسالكم يا أهلي الكرام: كيف تتخلون عن أخوتكم وحرائركم وأولادكم في سوريا تحت دواعي عدم التدخل في الشؤون الداخلية؟ وهل هذه الامة غير جسد واحد يتم الان تقطيع بعض أعضائه في ورشات "صديقكم" الذي لا تزالون تصرون على مناداته بـ "فخامة الرئيس".

هل تساءلتم عن سبب غياب القوى الدولية عن مسرح الأحداث السوري، تاركين للقاتل أن يسرح ويمرح في أرض جريمته، بينما بعض من تكلم من الغربيين يقول: "لا يجوز الإستعمال المفرط للقوة"، ولكن عن أي استعمال مفرط للقوة يتحدثون؟ وهل بقي قوة لم تستعمل وإفراط لم يرتكب في سوريا؟ إن صمتكم عن الجريمة هو ما جعل المجتمع الدولي، بدوره، صامتا ومتلكئا وغير قادر على التحرك لوقف ما يحدث في سوريا.

والآن، مع بوادر الحركة الدولية المتجهة نحو سوريا، بعدما ضج العالم من جراء الهاربين من الموت اللائذين بالبلدان المجاورة، تركيا، لبنان، الأردن.. وذلك خصوصا أنطلاقا من البوابة التركية على الأرجح، أتساءل: ترى هل كتب على العربي ان تمتهن كرامته ويصنف على انه مواطن أممي من المرتبة الخامسة؟ هل وجب على السوري ان ينتحل جنسية الراوندي لكي يخشى عليه العالم قبل يخشى عليه أهله؟

كيف بالله عليكم تتخلون عن أطفال وصبايا حباهم الله الطيبة والمحبة والجمال وزرع في قلوبهم حب الوطن وحب العروبة، ولطالما هم دافعوا عن فكرة العروبة وجسدوها، هم وآباؤهم واجدادهم، انسيتم أدوار السوريين وأهل بلاد الشام في تأسيس المملكة إلى جانب ابن سعود؟

وبدلا من أن تتفكروا في حالهم وتهبوا لنجدتهم من براثن هذا الطاغية الصغير المتعملق بشار الاسد، ها انتم تساهمون في حفلة الموت التي دارت عليهم وصاروا طعما لها.

كيف نسيتم صبابات وابتسامات غضة في ريف دمشق تغتالها ريح سوداء تهب عليها من سموم الطائفية فتقتل بإسم كره الأقلية وامراضها التاريخية أبناء الأكثرية لمجرد أن قدرهم ساقهم إلى هذا المصير؟

بينما دمشق التي أنشدها الشعراء اناشيدهم وارتفع لها صوت شوقي في قصيدته "نكبة دمشق" بفعل الاحتلال الفرنسي لسوريا، دمشق هذه تكاد أن تكون قاب قوسين أو أدنى من نكبة جديدة على ايدي استعمار داخلي هذه المرة هو استعمار الأقلية للأكثرية!

سلام من صبا بردى ارق

ودمع لا يكفكف يا دمشق

وللحرية الحمراء باب

بكل يد مضرجة تدق

دمشق كما يعرف القاصي والداني باتت مطوقة بالدبابات وراجمات الصواريخ في ثلاثة اطواق عسكرية وامنية هائلة وذات كثافة وقوة نارية رهيبة، كفيلة في حال وقعت الواقعة في دمشق وتمردت غالبية السكان أن تدك دكا يعيد إلى أذهان العرب ذكرى "نكبة دمشق" على ايدي الفرنسيين.

السوريون المتطلعون جميعا نحو عاصمتهم اليوم لسان حالهم الشاعر الكبير بدوي الجبل الذي صدح يوما بحبها، ولسان حاله لسان الكرامة الوطنية التي داس عليها النظام بأحذية جنوده. يقتفي أثره اليوم شاعر اسمه كمال الصوفي من حمص فأهداها لمن اسماه "طفل الجريمة المدلل بشار الاسد وعصابته الحاكمة":

يسومنا الصنم الطاغي عبادتـه

لن تعبد الشام إلا الواحد الأحدا

وجه الشـآم الذي زفت بشاشته

من النعيـم لغير الله ما سـجدا

لقد انتفض السوريون، وهم يعولون عليكم أن تنصروهم في المحافل الدولية، حتى يلقى النظام الذي قتل السوريين وأطفالهم جزاءه العادل فلا ينجو بفعلته. وهو ما يوجب علي السؤال ترى كم بقي من وقت حتى تستشعرون بما تستشعره جلود أبناء سوريا الاحرار وبناتها.

كم بقي من الزمن حتى يصل الدمع الى مآقيكم لهول ما نراه يوميا على الهواء مباشرة، والله إن ما نراه هو حرفيا عين تواجه المخرز. إنه للأسف مخرز طبيب العيون وقد صار يفقأ العيون بدل أن يطببها.

كم بقى من وقت، يا اهلي الكرام حتى ننهض من كبوتنا فننتصر لحق الأطفال: حمزة الخطيب وثامر الشرعي وهاجر الخطيب... وعشرات آخرين من الاطفال الشهداء، ومعهم صبايا انتهكت أعراضهن وأبناء اخترقت المثاقيب صدورهم.

مم تخشون يا أهلنا في مجلس التعاون الخليجي؟ ما الذي جناه القذافي أكثر مما جناه بشار الاسد؟ بل إن الأخير فعل الافاعيل الأصعب من ذاك الطاغية المجنون.

أول رئيس في العالم يأمر بتعذيب الأطفال وقتلهم. ولا يرف له جفن. وعندما يخطب بزبانيته، لا يخاطب شعبه فهو لا يرى شعبا... ولكن خرافا... وإنما يخاطب حزبه وعائلته وطائفته، ويضحك كمارق، بينما لم يبق بيت في سوريا لم يدخله الحزن، ولم يتشح أهله بالسواد. فهو ذئب في لباس راع.

وأعود واسالكم لأن سؤالي لا يجد جوابا وليس ثمة ما يشفي الغليل. كيف يمكن لكم أن تتصورا نظاما يعاقب الشهم على شهامته، والهاتف باسم الحرية على نبل هتافه، والحامل الطعام لجائع في حصار على كرمه.

كيف تخشون نظاما رعديدا يخشى من لفة طعام حملته يد الطفل حمزة الخطيب إلى جيرانه في درعا فكان عقابه على هذه الشجاعة وهذا الكرم الموت تحت شر العذابات.

يا أهلي الكرام، أخالكم تخشون على سوريا من حرب طائفية لا تبق ولا تذر. ربما يكون خوفكم في مكانه. لكن هذا الخوف لا ينبغي ان يبرر استمرار المذبحة.

ولعل الطائفة العلوية تتقوقع على نفسها وتلتحق بالنظام اكثر فاكثر لكونها تخشى أن يطالها الشر لشدة حقد الشعب على النظام الفاسد والقاسي، ولشدة ما استعمل النظام اسم تلك الطائفة ولوث هذا الاسم بشتى الافاعيل، والطائفة منه براء.

إذن، يا زعماء بلادي يا أدعموها، ادعموا الطائفة العلوية الشريفة التي اختطفها النظام وجعلها اسيرته. ساعدوها على التحرر من خوفها الطائفي.

أقول لكم يا أهلي الكرام، وتاريخكم طالما كان مشرفا، ويجير المستجير، شعبكم السوري يستجير بكم بإباء ومن دونما ذلة، دمه المهراق في ساحات الحرية ينطق مستجيرا بكم.

إن التاريخ سيدينكم إن لم تقفوا رجالا، حكاما، وشعوبا لتقولوا لمثل هكذا نظام: قف.. كفى قتلا، كفى تنكيلا، كفى جرائم يندى لها الجبين! على رسلك يا بشار الأسد، فأنت معزول عنا، أنت لست منا مادمت تهدر دماء شعبك بعدما هدرت كرامته.

لا يشرفنا ان يكون بيننا في رابطتنا العربية من يقتل الاطفال ويغتصب النساء ويهتك أعراض الشريفات. أنت عدو لنا ولست من عروبتنا ولا من ديننا في شيء.

أقول لكم، من لم ينتفض لدم طفل سوري اليوم فلا حزن عليه ولا بواكي، وهو بصمته المريب شريك للقاتل، وقد ندفع يوما دماء أطفالنا ثمنا لحبه للكرسي وعشقه للسلطة.

هلا شجاع بينكم يعلق الجرس، ويطالب بقرار أممي..هل ما فعله ويفعله القذافي أكثر مما فعلته وتفعله طغمة النظام في سوريا. لماذا تحركتم في ليبيا ونسيتم شريفات سوريا، بناتكم واخواتكم يقتاتون في مخيمات الجيران في تركيا وانتم تبحلقون بصمت مريع.

إن لجوء اطفالنا وبناتنا إلى ظل الحماية التركية لهو إدانة لكل عربي له سلطة لم يستعملها لوقف الجريمة. لأنه لم يقف بقوة وعلانية ضد القتلة والطاردين للإنسانية.

هل تريدون أن نبكي يوما على ثورتنا ضد الأتراك والعثمانيين بعد ان جعلتمونا نتحسر على مستعمرينا. ما لكم تعيدون عقارب ساعاتنا الى الوراء قرونا وقروناً؟

أبعد أن أستقلت أمتكم عن الغرب تبكي حريتها، ويتمنى أكثر ابنائها عودة الإستعمار ليحررها من أنظمة مستبدة استباحت البلاد والعباد واتت على الأخضر واليابس بنجاح منقطع النظير.

ها أنتم بصمتكم وبكل حنكة تعيدوننا إلى الوراء إلى عصر الحماية العثمانية.

أخيرا، إنني لأكتب بحرقة المحروق وألم المتألم لذلك لا أراعي اعتبارات الدبلوماسية في الحديث، ولا الف وأدور وأوارب لئلا أؤذي مشاعركم المرهفة!

أقول حان الوقت لنسألكم، من أنتم، أيها الحكام العرب؟ صمتكم يجعلنا نصرخ من انتم؟ هل أنتم منا؟ عرب ومسلمون؟ تحبون تراب وطنكم العربي؟ تعشقون تاريخكم؟

استعمرنا الاسرائيليون نصف قرن فصمتم، عاث في أرضنا الأميركيون ربع قرن فساعدتم... وماذا بعد؟ ها هي ثالثة الاثافي؛ أحدكم يستبيح شرف نسائكم وأنتم تتلكأون، تارة بحجة الخوف على سوريا وأمنها ووحدتها الجغرافية، وتارة بحجة الخوف على الناس وسلامة العلاقة في ما بينهم، وتارة لا اعرف ما السبب!

والآن أسألكم: هل ستجتمعون قريبا في مؤتمر قمة مقبل في دمشق كي تجمعوا القاتل والقتيل في فراش واحد بالحلال؟! وهل ستواصلون دعم نظام دمشق ماليا وسياسيا وقد أبتزكم بمقاومته وممانعته المفلسة عقودا؟

أما شبعتم ابتزازاً؟!

حاشية لأجل جامعة الدول العربية:

أيتها البقية الباقية من شرفاء أمتنا في جامعتنا العربية، أثبتوا ذلك. أنهضوا بقرار عربي من مجلسكم الذي تحرك يوم أحتلت الكويت، ويوم خرج الليبيون على نظامهم، تحركوا لأجل سوريا. ليتحرك العالم ضد القتلة. أم ان سوريا ليست منكم وأبناؤها لا ينتمون إليكم.

إن كان حجم أدبيات الدم في سوريا لم يحرك حتى الآن فيكم جفنا، فوالله لن تتحرك أجفاننا يوما حزنا على أحدكم. لا تتركوا سوريا..لا تتركوها فهي عروس من عرائس العروبة، ونبينا قال يوم بارك الله شامنا ويمننا. أليس غريبا أنهما معاً في محنة كبرى.

عبد العزيز الخميس

alkhames@gmail.com