رسائل مجهولة من نجيب محفوظ

كتب ـ أحمد فضل شبلول
العبرة بالخواتيم

هذه مجموعة من الخطابات التي أمدَّنا بها الكاتب الروائي السكندري الكبير سعيد سالم، والتي بعثها له كاتبنا الراحل الكبير نجيب محفوظ خلال السنوات (1977 ـ 1986) والتي تكشف عن روح كاتبنا الراحل في تعامله مع الأدباء الشباب في ذلك الوقت، فكان يؤثر نشر أعمالهم على أعماله هو بجريدة الأهرام المصرية، وكيف كان يتصرف بحكمة وتكتيتك، فيقول لسعيد سالم في إحدى رسائله "قمت بهذا التكتيك حتى اتصل بك".
إنها خطابات تكشف الكثير من شخصية نجيب محفوظ وكيفية تشجيعه للأدباء والكتاب، وتكشف من ناحية أخرى عن علاقاته ببعض الشخصيات الأدبية والصحفية التي ورد ذكرها في الخطابات.
وقد توقفت كثيرا عند الخطاب الثالث الذي يطلب نجيب محفوظ من كاتبنا سعيد سالم أن يكون سرا بينهما، فيقول "إن ما دار يكون سرا بينا لا يطلع عليه ثالث"، وتساءلت بيني وبين نفسي، هل ننشر هذا الخطاب أم لا ننشره حتى لا يطلع عليه (ثالث) أو رابع، فنعمل بوصية نجيب محفوظ، ولكن بما أن سعيد سالم حمله إلينا وقرأناه، فقد اطلع عليه "ثالث"، ومن ثم فقد رأيت نشره مع مجموعة الخطابات أو الرسائل، لأننا سنكون جميعا الشخص "الثالث".
ومن ناحية أخرى فقد مضى أكثر من 26 سنة على تاريخ هذا الخطاب المؤرخ في 22/10/1981، ومن ثم لا حرج من نشره بعد رحيل نجيب محفوظ، وهو خطاب مهم حقيقة، لأنه يكشف عن كيفية إدارة أمور النشر في ذلك الوقت في مؤسسة الأهرام الصحفية، وكيف كان نجيب محفوظ يفكر من أجل تمرير عمل أدبي ينشر لكاتب يعيش خارج القاهرة، أعجب بكتاباته وأعماله الأدبية.
سنلاحظ أن كاتبنا محفوظ كان يخاطب سعيد سالم في أولى رسائله له بالأستاذ، وهي صيغة بها شيء من التحفظ مع شخص لا يعرفه، ولكن بدءا من الخطاب الثاني يخاطبه بـ "عزيزي" فقد زالت الكلفة بينهما بعض الشيء، ولكن بدءا من الخطاب الثالث يخاطبه بـ "أخي العزيز"، فقد أصبحا صديقين حميمين، فلا كلفة ولا تحفظات، بل سيفكران معا لحل مشكلة النشر بالأهرام التي يعاني منها سعيد سالم في ذلك الوقت.
وسنلاحظ في الخطاب السادس أن محفوظ يكتب لسالم عنوان دار نشر سويدية، ولا يتجاهل طلب صديقه في هذا الشأن مثلما يفعل كثيرون الآن.
فعلا الكبير كبير في كل شئ.
والآن إلى هذه الخطابات التي تعد وثائق أدبية شاهدة على أزمة من أزمات النشر التي كان يعاني منها جيل الشباب في ذلك الوقت، وكيف كانت تؤرق هذه الأزمة كاتبا من أشهر الكتاب العرب عبر رسائله وخطاباته.
(1)
الأستاذ سعيد محمود سالم
تحية طيبة وبعد
فيؤسفني جدا أنك لم تتمكن من مقابلتي رغم أنه لا يوجد ما هو أسهل من ذلك، وأما عن المراسلة فأصارحك بأن الكتابة لمن أود الكتابة إليهم ليست ميسورة دائما، وهي تحتاج لوقت لم أعد أملكه وبخاصة لظروف السن والصحة.
ومن حسن الحظ أنني تمكنت من قراءة "بوابة مورو" (*) هذا الأسبوع ـ أنا لا أذهب إلى الأهرام إلا نادرا جدا ـ وأشهد لك بأنها جذبتني إلى قراءتها بسحر فيها لا شك فيه، وهي عمل جيد في تصويره للبيئة وبما قدمته من شخوص حية ممثلة في الراوي والأب والفتاتين وأسلوبها نابض بالحياة والتلقائية.
وإني أهنئك عليها كما أهنئك على إصرارك الجميل على إصدار رواياتك في ظروف عسيرة خامدة، واعتبر عملك من آيات البشرى ببعث الحياة الثقافية التي لم يعد لها من عماد إلا حماس بعض الشبان أمثالك من أدباء مصر العزيزة.
وأرجو أن تسمح الظروف باللقاء في القاهرة أو الإسكندرية.
ودمت للمخلص
نجيب محفوظ
21/4/1977
(2)
عزيزي سعيد سالم
تحياتي وأشواقي وبعد
فاعلم يا عزيزي أن رواية الأستاذ ثروت أباظة نشر نصفها وأظنها تنتهي في أوائل مايو أو منتصفه، غير أن الأستاذ ثروت أخبرني أن رواية للأستاذ عبدالمنعم الصاوي ستنشر بعد روايته فإن صح ذلك فربما مر العام دون اتساع لأي عمل آخر.
وعلى أي حال فإني عندما تسنح فرصة لتقديم عمل لي سأخبر القائم بالأمر أني أرجو نشرها بعد نشر روايتك، وسأعمل على تحقيق ذلك بكل ما يسعني كما وعدتك.
تحياتي لأخواننا ولك أزكي التحيات.
المخلص
نجيب محفوظ
5/3/81
(3)
أخي العزيز سعيد
تحية طيبة وشكرا وبعد
فقد وجب أن أخبرك بأن الأستاذ محمد زايد اتصل بي وطلب مني رواية "الباقي من الزمن ساعة" فقلت له إن لدي ثلاث قصص قصيرة ولنؤجل الرواية وأرسلت له القصص، وفي الوقت نفسه ذكرته بروايتك وبوعده بنشرها مسلسلة في الأهرام فقال لي إنه عند وعده ولكن الأهرام يرى أن ينشر مسلسلا لأحد كتابه أولا ثم ينشر قصتك فأخبرته أن روايتي ستكون جاهزة أول العام القادم.
قمت بهذا التكتيك حتى اتصل بك وأخبرك بكل ما دار على أن يكون سرا بيننا لا يطلع عليه ثالث، وأمامك فرصة للتحرك والاتصال بالأستاذ نافع صديقك لعلك توفق لنشر قصتك في الفترة الباقية من هذا العام.
ولك مني صادق التحيات ولجميع الأخوان.
المخلص
نجيب محفوظ
22/10/81
(4)
أخي الأستاذ سعيد سالم
تحياتي وقبلاتي، وإلى لقاء قريب في رمضان إن شاء الله، فبلغ التحية لجميع الأخوان.
وعن موضوعك فقد كلمت الأستاذ محمد زايد فأخبرني أنك قابلته وشرح لك كل شئ، فذكرته بوعده لي خاصة إذا لم يكن هناك مسلسل لأحد من كتاب الأهرام، وسألته سؤالا محددا هل عندك مسلسل لأحد منهم بعد القصص القصيرة فأجابني بأن لديه مسلسلا لمجيد طوبيا تسلمه قبل روايتك بستة أشهر.
والحق أني كلمته قديما، خاصة قبل نشر روايتي وبحضور الدكتور سميح، ولا أخفى عنك أني يئست منه وصممت وقتها على ألا أخاطبه مرة أخرى، ولولا خطابك الأخير ما أجبرت نفسي على المحادثة مرة جديدة، وسوف ندير الرأي معا في أول لقاء، وإني لآسف أولا وأخيرا.
ودمت للمخلص
نجيب محفوظ
3/6/1982
(5)
أخي سعيد سالم
تحياتي وأشواقي لك ولأجمل الذكريات وبعد فإني آسف لما تلقى من عقبات سخيفة، وقد أحسنت صنعا بعدم دخولك في المشاكل بين أحمد ومحمد.
وقد تحريت من جانبي فعلمت أن بهجت مسئول عن الصفحات المتخصصة وأن زايد مسئول عن عدد الجمعة، وعليه فتكون الرواية من اختصاصه، ومع ذلك فلننتظر حتى يرى الأستاذ بهجت رأيه!
ولعلمك أخبرني الأستاذ ثروت أن أحسان سينشر روايته بعد روايتي مباشرة، ثم يليه ثروت، حتى تعيد النظر في الموقف كله.
إني آسف، وفي الوقت نفسه أرى أن هذه عقبة ثانوية وأن الفرص الأخرى خليقة بانتشالنا من المأزق ولعل ذلك أن يكون قريبا إن شاء الله.
ودمت للمخلص
نجيب محفوظ
6/10/1983
(6)
أخي سعيد سالم
لك أطيب التحيات ولأخواننا جميعا في الإسكندرية
وقد أسفت لأنني تسلمت خطابك في الأهرام يوم الخميس 25 – 10 بعد فوات الأمسية.
أما عنوان دار النشر السويدية فهو:
Rabenx Sjogren Bokforleg
Box 45022
104 30 Ltocleholm
ولا تنس أن تبلغ السيدة تحياتي
مع أطيب تمنياتي
المخلص
نجيب محفوظ
25/10/1984
(7)
عزيزي سعيد
أطيب التحيات وبعد
فقد علمت بما جاء في خطابك بأسف شديد، وها هو عام يدور ولم نتقدم خطوة، ولعلمك فإن منتصر بالخارج، ولست مع صداقة معه تشجعني على مفاتحته، ولكني رجوت محمد زايد من جديد، والله معنا.
التحيات لك وللأخوان، وإلى لقاء قريبا.
المخلص
نجيب محفوظ
12/4
(8)
أخي العزيز سعيد سالم
تحياتي وأشواقي وبعد
فشكرا لك على هديتك "آلهة من طين" التي تلقيتها اليوم في الأهرام والتي أرجو أن اقرأها في أقرب فرصة إن شاء الله.
وتلقيت رسالتك أيضا، وأسفت جدا لحرماني من صحبتك الجميلة للأسباب التي ذكرتها، وقد كان يعزيني تصوري أنك مشغول بتمهيدات عملك الجديد الذي أتمنى لك فيه كل توفيق. وما عسى أن أقول؟ لابد من اتساع الصدور وتحمل الكثير مما يكره الإنسان لكي يواصل حياته، وعلى أي حال فنحن مستقبلا لا نقبل أي عذر يحرمنا من رؤياك والاستمتاع بصحبتك، وأنها لمناسبة لإهداء تحياتنا إلى جميع الأحبة التي تلقاهم.
ودمت للمخلص
نجيب محفوظ
14/11/1985
(9)
أخي سعيد سالم
تحية طيبة وبعد
فقد تلقيت هديتك (**) بمكتبي بالأهرام، وقرأتها، بل هي التي جذبتني في قراءتها طوال الوقت برشاقة أسلوبها وجميل فكاهتها وعمق سخريتها.
وتابعت ذلك التحقيق الذي قام به اخناتون ورمسيس وحتشبسوت ليعيدوا إلى الأهرامات مقامها السوي. إنه عمل شائق ممتع ساخر ناقد، كلما ذكرت أنك وجدت مشقة في نشره أسفت وحزنت، ولكن العبرة علي أي حال بالخواتيم.
أصدق التهاني وأجمل التحيات لك وللأخوان جميعا.
ودمت للمخلص
نجيب محفوظ
27/11/1986
_________________________
(*) إحدى الروايات الأولى لسعيد سالم.
(**) المقصود بالهدية رواية "عاليها أسفلها". سعيد سالم في سطور - من مواليد الاسكندرية 1943
- عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الكتاب العرب، وعضو هيئة الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، وعضو أتيليه الفنانين والكتاب بالإسكندرية.
- عضو لجنة النصوص الدرامية بالإدارة المركزية لإذاعة وتليفزيون الإسكندرية.
- حاصل على ماجيستير الهندسة الكيميائية من جامعة الإسكندرية 1968.
- رئيس قطاع سابق بشركة الورق الأهلية بالإسكندرية ويعمل حاليا مهندسا استشاريا.
الروايات المنشورة
"جلامبو" جماعة أدباء الاسكندرية 1976
– "بوابة مورو" جماعة أدباء الاسكندرية
– "عمالقة أكتوبر" هيئة الكتاب ، مصر 1979
– "آلهة من طين" (طبعة أولى) هيئة الكتاب، مصر 1985، (طبعة ثانية) دار الجليل، دمشق 1986
– "عاليها أسفلها" (طبعة أولى) مطبوعات وزارة الثقافة، دمشق/سوريا 1985
– "الشرخ" دار طلاس ، دمشق ـ سوريا 1988
– "الأزمنة" روايات الهلال 1992
– "عاليها واطيها" (طبعة ثانية) دار المستقبل مصر 1992
– "الفلوس" دار المستقبل، مصر 1993
– "عاليها أسفلها" (طبعة ثالثة) هيئة الكتاب، مصر 1995
– "الكيلو 101 الوجه والقناع" طبعة خاصة 1997، وطبعة عن هيئة الكتاب 1999
– "كف مريم"، مطبوعات اتحاد الكتاب 2001
ـ "الشىء الآخر"، دار ومطابع المستقبل بالفجالة ومكتبة المعارف، بيروت 2004
مجموعات قصصية منشورة
- قبلة الملكة" مطبوعات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1987
– "رجل مختلف" هيئة الكتاب، مصر 1995
– "الموظفون" مطبوعات اتحاد الكتاب العرب 1991
– "الجائزة" دار قايتباى للطباعة والنشر، مصر 1994
– "الممنوع والمسموح" مختارات فصول 2002
- أقاصيص من السويد، هيئة الكتاب 2005
- قانون الحب، الكتاب الفضي 2006 أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية