رسائل حاسمة.. في مشهد هشام عشماوي

اختيار الشرق الليبي قاعدةً لتمركز عشماوي ورجاله لم يأت من فراغ تأسَّست تلك الرؤية على قُرب المنطقة من الأراضي المصرية بما يسمح بتشكيل تهديدٍ دائم لمصر إضافة إلى الأهمية الاستراتيجية لمدينتي درنة وبنغازي في ضوء اتصالهما بالهلال النفطي.

بقلم: حازم حسين

من المؤكد أن هشام عشماوي يحوز أهمية استثنائية لدى داعميه ومن يُموّلونه ويُوفّرون له غطاء المعلومات والدعم اللوجستي، ورُبّما بفضل تلك الأهمية عملوا على نقله إلى ليبيا، وإمداده بما يحتاج للانتشار في مدن الشرق، لذا فإن اقتناصه وتصفية جماعته، ثمّ تسليمه لمصر، رِفقة مُساعده بهاء على، وحارسه صفوت زيدان، بمثابة التجفيف الكامل للدور الذي لَعبه، والحصار الشامل لحضور من أطلقوه في المشهد.

اختيار الشرق الليبي قاعدةً لتمركز «عشماوي» ورجاله لم يأت من فراغ. تأسَّست تلك الرؤية على قُرب المنطقة من الأراضي المصرية، بما يسمح بتشكيل تهديدٍ دائم لمصر وحدودها ومصالحها، إضافة إلى الأهمية الاستراتيجية لمدينتي «درنة» و«بنغازي»، في ضوء اتصالهما بالهلال النفطي، الذي يُمثّل الحصة الحاكمة في تدفُّقات الطاقة وعوائد الثروة الليبية، لذا فإن ترافق القضاء على الميليشيات، مع إحكام سيطرة الجيش على المنطقة، بمثابة الضربة القاضية للمُخطَّطات الخارجية التي استهدفت إبقاء ليبيا فوق بئر بترولٍ مُشتعلة!

 يمتدّ الهلال النفطي من الزويتينة شمال شرقي أجدابيا، إلى ميناء السدرة على الطريق الساحلي المُتّصل بـ«سرت»، ثمّ وسط وغربي ليبيا، مرورًا بالبريقة ورأس لانوف. وتضمّ المنطقة عددًا من الخزّانات ومُنشآت التحويل والتكرير، تُغذّيها حقول على مسافة تتراوح بين 300 و500 كيلو متر جنوبي «بنغازي»، أهمها السرير والمسلّة والنافورة وماجد والبيضاء، وتبلغ طاقة ميناءي السدرة ورأس لانوف وحدهما 600 ألف برميل يوميًّا من إجمالي صادرات لا تتجاوز مليون برميل. وبالنظر إلى أن 95% من موارد ليبيا تتولَّد عن قطاع النفط، فإن الهلال النفطي يشكل قرابة 60% من اقتصاد الدولة، ويضمن عوائد يوميّة تتجاوز 50 مليون دولار لمن يُسيطر عليه، وتلك التدفُّقات ظلَّت في قبضة الميليشيات شهورًا طويلة بين 2011 و2016.

 بدأت سيطرة الإرهابيين على المنطقة في أكتوبر 2011، من خلال كتائب تُطلق على نفسها اسم «الثوّار»، وفي أغسطس التالي اقتحمته عناصر الإخوان بميليشيات «الدروع»، وبعد أقل من 5 شهور (يناير 2013) حلّ «حرس المنشآت النفطية» بقيادة إبراهيم الجضران محلَّها، وجمّدوا الإنتاج قرابة سنتين، حتى استعاد الجيش الوطني بقيادة المشير حفتر المنطقة في سبتمبر 2016، لكن «الجضران» جدَّد هجومه منتصف يونيو 2018، قبل أن يستعيده الجيش كاملاً بعد أسبوع واحد.

 عمليات استهداف الهلال النفطي نفّذتها ميليشيات تابعة للإخوان أو مُرتبطة بمراكز القاعدة وداعش في شمال أفريقيا. وتلك المجموعات بكاملها مدعومة من تركيا وقطر وإيران، وبعضها حصلت على دعم إيطالي في أوقات سابقة، بحسب اتّهام من النائب البرلماني طارق الجروشي لـ«روما» منتصف العام الماضي، بالتورُّط في إشعال الصراع في حوض الهلال النفطي؛ لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية على حساب ليبيا.

 بعيدًا عن مفارقة التقاء المصالح الإيرانية التركية في ليبيا، رغم صراعهما على جبهتين مُختلفتين في سوريا، وعن دعم طهران لمجموعات «داعش» وغيرها من الميليشيات السُّنّية، رغم أنها تُحدِّد تحالفاتها على قاعدة مذهبية بالدرجة الأولى، فإن مساندة البلدين لعصابات الإرهاب استهدفت خلق بؤرة توتّر في الشرق، والإبقاء على كامل ليبيا في حالة رخاوة، بما يسمح مُستقبلاً باتّخاذها قاعدة انطلاق للنشاط في السودان وتونس والجزائر، التي تشاركها الحدود وتشهد تقلبّات سياسية بين وقت وآخر. وكان طبيعيًّا أن تستهدف تلك الرؤية إبقاء الخلاف مُحتدمًا بين المكوّنات السياسية، وحرمان الدولة من عوائد النفط، بما يضمن تدبير احتياجات الميليشيات دون تكبُّدها تلك الأعباء، والأهم حرمان الجيش من الموارد، بالتزامن مع حظر التسليح الذي فرضته الأمم المُتّحدة عليه قبل سنوات.

 تلك التركيبة كانت سببًا في فشل مؤتمر باليرمو خريف 2018، بعدما اكتفي المشير حفتر بالاجتماع الأمني المُصغّر مع دول الجوار، وقاطع اللقاء الموسَّع اعتراضًا على مشاركة دول داعمة للإرهاب (قال مصدر بمكتبه إنه يقصد قطر وتركيا). وقبلها فشل مؤتمر باريس في صيف العام نفسه، بعدما اتّفقت الوفود الأربعة المُمثّلة للجيش الوطني والبرلمان والمجلس الأعلى للدولة وحكومة الوفاق، على وضع قاعدة دستورية وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية نهاية العام، وبالنظر إلى التقاء الأطراف الثلاثة الأولى على تلك الأهداف، فإن حكومة «السرّاج» كانت سبب إفساد الخطة، لأنها لم تلق قبولاً لدى حُلفائها من قادة الميليشيات وداعميهم.

 بالآليّة نفسها التي فخَّخت باليرمو وباريس، أفسد «السرّاج» اتّفاق الصخيرات الموقَّع في 2015، بعدما تحلَّلت حكومته من الترتيبات الأمنية وتدابير بناء الثقة، وتجاوزت صلاحيتها المُحدَّدة حصرًا في 11 مادة من إجمالي 67 مادة مُوزّعة على 9 فصول، لتمضي الأيام ويتجلَّي بوضوح أن «حكومة الوفاق» ليس لها من اسمها نصيب، وأنها تعمل على زرع الشقاق وتعميقه بين مؤسَّسات الدولة ومكوّنات المجتمع.

 في غضون تلك التطوّرات، واصلت تركيا وقطر وإيران نشاطها المحموم، فلم تتوقَّف تدخُّلاتها المُباشرة عبر تمويل الميليشيات ودعمها لوجستيًّا، فتدفّقت السفن والطائرات من البلدان الثلاثة. أسقط الجيش طائرة استطلاع تركية فوق قاعدة الجفرة الجوية بالمنطقة الوسطى قبل أسبوعين، ورصد حركة كثيفة لسفن تركية وباخرة إيرانية في ميناء مصراتة، وطائرة من طراز C130 وصلت مطار مصراتة حاملةً خبراء وغرفة عمليات، وطائرة من طراز «أنتينوف» على متنها طائرات بدون طيار بذخيرتها، والسفينة «أمازون» التي نقلت 40 مُدرّعة من ميناء سامسون التركي إلى ميناء طرابلس في 16 مايو، والأخطر عقد «السرَّاج» صفقات سلاح في «براغ» مطلع مايو، بوساطة سماسرة أتراك والملحق العسكري التركي في التشيك.

 في زحام كل تلك التفاصيل، لا ينحصر مشهد «عشماوي» في وجهه الظاهر، كتسليم إرهابي مطلوب بين بلدين حليفين، وإنما يبدو ضوءًا كاشفًا لتفاعلات المشهد، وحدود الاتّفاقات السوداء التي تستهدف مصر وليبيا، وتأكيدًا قاطعًا لبروز الجيش الوطني وسيطرته الشرعية على الساحة، وسط قبولٍ دولي مُتنامٍ، تُغذّيه المواقف المصرية والعربية الواضحة، وهو ما سيكون بالتأكيد مُقدّمة لتفكيك تحالفات «السرَّاج» والميليشيات، ورفع حظر التسليح عن الجيش، واكتمال تحرير طرابلس، ووضع مسارٍ دستوري يبدأ بإسقاط الإرهاب (عشماوي وغيره) وينتهي باستعادة ليبيا، وإعلاء رايتها فوق أعداء الخارج، وخَونة الداخل!

نُشر في اليوم السالع المصرية