ردة المفتي: توقيت الكلام وردود الأفعال

بقلم: د. أحمد صبرة
هل فكر المفتي في كل هذه الأمور؟

دخلتْ إلى مكتبي على استحياء، تريد أن تحدثني في أمر يشغلها، كان القلق باديا عليها، وخطواتها المرتبكة تسبق ما في داخلها من حيرة، سألتني: هل تؤمن بأن الله موجود؟
قلت لها: لا أشك في ذلك.
قالت لي: أما أنا فأشك كثيرا أن هناك إلها في هذا الكون، كما أشك في هؤلاء الأنبياء، وإلا كيف تسنى لمحمد (هكذا قالت) أن يسمح لنفسه بالزواج من ثلاث عشرة امرأة؟ وكيف تسنى للقرآن أن يفرق بين الرجل والمرأة على الصورة التي نراها في كثير من الآيات.
قالت كلاما كثيرا وقتها في هذا الاتجاه، ورددت عليها بما أعرفه في هدوء ودون ادعاءات كبرى.
تركتني وانصرفت دون أن يبدو عليها اقتناع كبير بكثير مما قلته لها. كانت طالبة في قسم اللغة العربية متوسطة في كل شيء إلا في تفكيرها الذي كان شديد الجموح، لم أرها بعد ذلك إلا مرات قليلة.
تخرجت من القسم، ونسيت أمرها تماما، إلى أن رأيتها مصادفة بعد سنوات لا أدري عددها تسير في الطريق تحمل طفلا، وتسحب آخر، ورجلا يسير بجانبها بلحية خفيفة، وكان اللافت لنظري أنها كانت محجبة.
تذكرتها مرة أخرى بمناسبة هذه الضجة المثارة حول كلام مفتي مصر لصحيفة واشنطن بوست حول حكم المرتد في الإسلام.
لقد ثار كثيرون رفضا لرأي المفتي الذي أفتى بأنه من حق المسلم أن يرتد عن دينه إذا رأى ذلك، وأنه لا عقوبة دنيوية عليه في ذلك، إن أمره كله موكول إلى ربه يوم القيامة، وأن العقوبة التي يمكن أن يتعرض لها في الدنيا هي أن يقرن ارتداده عن الإسلام بالتشهير به والدعوة إلى تركه.
رفض كثير من الشيوخ هذه الفتوى ورأوا أن هناك عقوبة دنيوية ينالها المرتد عن دينه، واستندوا في ذلك إلى بعض أحاديث للرسول عليه الصلاة والسلام، وإلى بعض وقائع لقتل بعض المرتدين قام بها الصحابة بعد وفاة الرسول.
لا أدخل في جدل فقهي حول هذا الأمر، فصاحب كتاب "أحكام المرتد في الشريعة الإسلامية" جمعها كلها في حيز واحد، وهو وإن كان يميل إلى تغليظ العقوبة على المرتد في الدنيا، فإنه قال في موضوع "استتابة المرتد" إن هناك خلافا كبيرا، فجماعة ترى 1 ـ أن لا يستتاب. 2 ـ وأخرى الاستتابة والإمهال ثلاثة أيام. 3 ـ وجماعة ترى أنه يستتاب أبدا. 4 ـ ورابعة فرقت بين من ولد على الإسلام فلا يستتاب، ومن كان كافرا فأسلم، فهذا يستتاب." (ص 165).
لا يقف صاحب الكتاب أمام الجماعة الثالثة التي ترى أنه يستتاب أبدا، ربما لأنها لا تناسب توجهاته الفكرية، وإنما وقف كثيرا أمام الجماعة التي تري قتل المرتد، وهنا إذا أخذنا بهذا الرأي وأردنا أن نطبقه على حالة هذه الطالبة، ولنتصور "سيناريو" آخر لها مع شخص يستهول ما استمع إليه، ثم يعلنه طالبا القصاص من هذه المارقة عن الدين، ثم يجتمع أولو الأمر ليطبقوا حد الردة، بعد أن يمهلوها ثلاثة أيام وفق رأي بعض الفقهاء.
وهي يقينا بحسب ما أعرفه عنها في ذلك الوقت لم تكن لتتراجع عن آرائها بسهولة، فما الذي يكسبه المجتمع من قتل إنسان أمسكوا به في أشد لحظات حياته قساوة.
إن الخروج عن الدين هو انسلاخ الإنسان عن الجزء الأكثر غورا في هويته، وهو مفرق طرق ضخم في حياته، وليست المسألة هنا أن الإنسان ينتقل من الهدى إلى الضلال بحسب رأي جماعة دينية، أو من الضلالة إلى الهدى بحسب رأي جماعة أخرى.
وإنما المسألة أن الإنسان بعد هذه اللحظة يعيد تشكيل العالم وفق رؤية جديدة تستبعد عناصر من رؤيته القديمة وتستبقي أخرى لتشكل مزيجا قد لا ينسجم أبدا داخله، لذلك يظل هذا الإنسان قلقا ما بقي له من عمر.
إن لحظة الارتداد عن الدين قد لا تكون هي اللحظة الأخيرة في حياة هذا الإنسان، فلماذا يراد لها أن تثبت عن طريق قتله؟
إن الله سبحانه وتعالى أكثر رحمة بعباده من البشر، فقد احتمل هذا الإنسان بجحوده وإنكاره، وازدرائه للأديان والأنبياء، وارتكابه لكل المعاصي والموبقات، ورزقه وربما بارك له في هذا الرزق، وقد تجيء لحظة على هذا الإنسان يثوب فيها إلى رشده، فيفرح الله بتوبته، وقد لا تجيء، وهنا يكون حسابه على الله يوم القيامة.
لكن لكلام المفتي بعدا اجتماعيا لا يمكن تجاهله، فمصر تشهد احتقانا طائفيا بفضل ممارسات لا مكان للحديث عنها هنا، وهو احتقان مرشح للتصاعد في الفترة المقبلة، وقد كنت أظن أن حديث المفتي موجه أساسا للغرب، في سياق تقديم صورة جديدة للإسلام تنسجم مع المعايير الغربية.
وكنت أتعجب من هذه الضجة المثارة حوله في مصر، فالقضية لا تخصنا كثيرا في المجتمعات الإسلامية، ومسألة تجاهل الدين وعدم الاعتداد به، وربما الخروج عنه تحدث من بعض المسلمين دون أن يتحول هذا الخروج إلى موقف رسمي، فيظل هذا الإنسان مسلما وفق كل أوراقه الرسمية، ويتزوج ويرث ويورث وفق تعاليم الإسلام دون أن يعني ذلك أن هذا الإنسان مسلم حقيقة.
لكن حملت لنا جريدة "المصري اليوم" خبرا بتاريخ 4 أغسطس/آب 2007 بعنوان "محمد يرفع أول دعوى قضائية لإثبات اعتناقه المسيحية رسميا". المحامي ممدوح نخلة: واثقون من كسب الدعوى بسبب آراء المفتي، والمدعي يؤكد: أصبحت مسيحيا منذ 9 سنوات، وتزوجت على الطريقتين الإسلامية والمسيحية.
وفي سياق الخبر يؤكد المحامي إن مشكلة محمد أحمد حجازي ليست الوحيدة من نوعها في مصر، فالبلد فيه آلاف المتنصرين، لكن الأزمة تكمن في عدم وجود إحصاءات دقيقة تثبت ذلك سواء داخل الكنيسة أو في الدفاتر الرسمية، مؤكدا أن عملية تغيير الديانة علنا تحتاج إلى شجاعة متناهية من صاحبها نظرا لأنه سيتحدى ثوابت راسخة في المجتمع وسيواجه عناصر متشددة داخله.
وقال نخلة لـ "المصري اليوم"، "سأعتمد في هذه القضية على الفتوى الأخيرة للدكتور على جمعة مفتي الجمهورية التي أجاز فيها تغيير ديانة المسلم، إذا أراد ذلك، باعتبار أن الدين مسألة ضمير بين الإنسان وربه."
لا تحتاج مصر إلى أكثر من هذا كي تشتعل فيها الفتنة الطائفية من أوسع أبوابها، وبخاصة إذا عرفنا أن إخواننا الأقباط (المسيحيين) قد أقاموا الدنيا ولم يقعدوها حتى الآن بسبب حالات دخل فيها بعض المسيحيين إلى الإسلام، ووصل الأمر أحيانا إلى الخطف كما في حالة "وفاء قسطنطين"، هم يضنون على المسلمين حتى بمبدأ المعاملة بالمثل، ولن يقبلوا أبدا بدخول مسيحي واحد إلى الإسلام، بل لن يقبلوا أبدا أن يتزوج مسلم من مسيحية.
لا أدري المسار الذي يمكن أن تتخذه هذه القضية، لكنها قد تفتح بابا للشر يصعب إغلاقه، بابا قد يخلخل منظومة القوانين التي تنظم الأحوال الشخصية في مصر، وبخاصة في حالة الزواج والمواريث، فإذا كان "محمد وزوجته قد ارتضيا المسيحية في سن مبكرة نوعا ما" (25 سنة) فما شأن الرجل الخارج عن الإسلام وزوجته مسلمة؟ وما شأن هذا الخارج هل يرث عن أبويه وأقاربه؟ وهل يورثهم؟ وهل تنتقل ديانته بالتبعية إلى أبنائه إذا كانـوا صغارا؟
وأسئلة كثيرة يمكن أن يطرحها ممن هم أكثر ضلوعا في قوانين الأحوال الشخصية.
وماذا إذا خرج المسلم عن دينه وأعلن ذلك رسميا، ثم طلقت منه زوجته التي أنجبت منه أولادا، ثم تزوج هذا الشخص من امرأة أخرى مسيحية وأنجب منها أولادا، ثم رأى أن يعود إلى الإسلام مرة أخرى، فما الأحكام التي تترتب على ذلك؟
قد يرد أحدهم بأن الحل في هذا الأمر هو صياغة قوانين للأحوال الشخصية قائمة على تصورات مدنية لا علاقة لها بالدين، لأن المسلمين لن يرضوا بقوانين الأحوال الشخصية الإسلامية، والمسيحيين لن يرضوا بالعكس، لكن ماذا نفعل ـ بوصفنا مسلمين ـ بما جاء به القرآن في هذه الأمور؟
وماذا يفعل المسيحيون بما جاء به الإنجيل؟
هل نحلل الطلاق أم نحرمه؟ هل نحلل تعدد الزوجات أم نحرمه؟ كيف يمكن الخروج من هذا المأزق؟
لا أدري هل فكر المفتي في كل هذه الأمور وهو يعلن فتواه المثيرة للجدل؟
هل فكر في وضعه بوصفه المرجع الأكبر للفتوى في مصر أن هناك من يمكنه استغلال فتواه على الصورة السريعة التي تمت؟
ألم يطرأ على ذهنه أبدا أن إخواننا الأقباط (المسيحيين) لم يصدر عن مرجعيتهم الكبرى حتى الآن كلاما شبيها بكلامه؟
إنني أؤمن بحرية الإنسان في اعتناق ما شاء من أفكار ومعتقدات حتى وإن كانت صادمة لمجتمعه طالما أنه لا يدعو إلى اعتناقها على صورة تخلخل أسس المجتمع، ولا تدعو إلى نشر العنف والكراهية بين أفراده، لكن هناك فرقا كبيرا بين أن أقول أنا ـ بوصفي من آحاد الناس ـ إن من حق الإنسان أن يخرج عن دينه إلى دين آخر، وبين أن يقول مفتي مصر ذلك.
هذا مكان عال أرجو أن يكون الدكتور على جمعة على قدره. د. أحمد حسن صبرة