رحيل صاحب اللحظة الشعرية والفضائل الموسيقية

الإحساس بالمنفى كان عميقا لدى فوزي كريم لأنه عاش منذ مطلع شبابه في مجتمع يعتمد ممارسة شعائر مقدسة متضاربة.


فوزي كريم سعى إلى تجريد الشعر العربي مما علق فيه من شوائب الشكلانية والميل العضلي، في موروثه وحداثته


للشاعر الراحل رواية واحدة بعنوان "من يخاف مدينة النحاس" تشتمل على اعتناء بالسرد وثراء معرفي وثقافي

منذ بواكير تجربته الشعرية كان فوزي كريم لا يجد مفارقة في اعتماد الموروث والحداثة مصدرين أساسيين لثقافته وقصيدته. الموروث العربي يمده بالإحساس باللغة والتاريخ والتواصل، والثقافة الحديثة نافذة يطل منها على اللامحدود.
وكان إحساسه بالمنفى عميقا، لأنه عاش منذ مطلع شبابه في مجتمع يعتمد ممارسة شعائر مقدسة متضاربة، هي شعائر الإيمان العقائدي، بينما كان هو بمنأى عن هذا المصطرع. لكنه لم يكن بمنأى عن رائحة احتراقاته ونزيفه. وقد أشعره معترك الأفكار العمياء بالوحدة، والتطلع، الأمر الذي ميز قصائد مجموعته الأولى "حيث تبدأ الأشياء" عام 1968، التي نجد فيها ذلك التطلع المفعم بحزن تلك الوحدة شفيفا وغنائيا.
وعمّق منفاه الاختياري الأول في بيروت تلك الوحدة، وذلك التطلع، فأعطاهما طبقة صوت محتجة، وغنائية مصوّتة، كما يُلاحظ في قصائد مجموعة "أرفع يدي احتجاجا"، التي صدرت عام 1973. وكانت السنوات التي قضاها في بغداد بعد عودته من بيروت على درجة عالية من التوتر، والإحباط، وانسداد المنافذ، فصارت قصائده، التي ضمتها مجموعته "جنون من حجر" 1977، أيضا، متوترة، محبطة، وباحثة عبثا عن إضاءة. التطلع فيها لم يعد في دم التجربة الشعرية ذاتها، في دم القصيدة، بل صار إشارة مباشرة مقصودة في آخرها.
في سنوات غربته الطويلة بلندن دخل فوزي كريم رحاب الإنكليزية أدبا وثقافة عامة. كما وقع على ضالته التي كانت مفقودة في حياته العربية السابقة، وهي الموسيقى، فبدأ يعوض عما افتقده بتأسيس مكتبته الشخصية من الموسيقى الكلاسيكية. وطوال ربع قرن لم ينقطع يوما عن الإصغاء، والقراءة، والكتابة في الشأن الموسيقي. وقد انتفعت قصيدته من هذا المصدر الموسيقي، الذي يعتبره الشاعر أسمى مصادر البناء في النص الشعري. ولأنه يمارس فن الرسم بذات الشغف، ولكن ليس بذات التواصل، فقد وضع كتابه "الفضائل الموسيقية" في أجزاء أربعة عن "الموسيقى والشعر"، و"الموسيقى والرسم"، و"الموسيقى والفلسفة" و"الموسيقى والتصوف"
ولد الشاعر فوزي كريم في بغداد عام 1945. أكمل دراسته الجامعية فيها ثم هاجر إلى بيروت عام 1969. ثم عاد إلى بغداد عام 1972، ثم غادرها ثانية عام 1978 إلى لندن، حيث توفي فيها الجمعة 17 مايو/آيار عن عمر 74 عاما. 
في الشعر أصدر وهو يقيم في لندن: "عثرات الطائر" (المؤسسة العربية المؤسسة العربية 1983)، "مكائد آدم" (دار صحارى1991)، "لا نرث الأرض" (دار الريس 1988)، "قارات الأوبئة" (دار المدى 1995)، "قصائد مختارة" (الهيئة المصرية 1995)، "قصائد من جزيرة مهجورة" (نشرت ضمن الأعمال الشعرية 2000 التي صدرت في جزأين عن دار المدى عام 2001)، "السنوات اللقيطة" (دار المدى 2003)، "آخر الغجر2005)، "ليلُ أبي العلاء". 
وفي النثر النقدي أصدر الشاعر الراحل، بعد قصص "مدينة النحاس" (دار المدى 1995)، كتاب "ثياب الامبراطور: الشعر ومرايا الحداثة الخادعة" (المدى2000)، "العودة إلى گاردينيا" (المدى 2004)، كتاب "يوميات نهاية الكابوس" (المدى 2004، كتاب "تهافت الستينيين: أهواء المثقف ومخاطر الفعل السياسي" (المدى2006).
وقد سعى فوزي كريم إلى تجريد الشعر العربي مما علق فيه من شوائب الشكلانية والميل العضلي، في موروثه وحداثته، وما استحوذ عليه من قوى الأفكار المتعالية والعقائدية، 
ولفوزي كريم رواية واحدة بعنوان "من يخاف مدينة النحاس"، صدرت عن منشورات المتوسط أيضا. وهي رواية تشتمل على اعتناء بالسرد وثراء معرفي وثقافي.
أصدر فوزي كريم أكثر من 22 مجموعة شعرية، منها مختارات صدرت بالإنكليزية، والفرنسية، والسويدية، والإيطالية. وإلى جانب الشعر له أكثر من 18 كتابا في حقل النقد الشعري والموسيقي والقصة. وله معارض عدة كفنان تشكيلي. وأسس مجلة "اللحظة الشعرية" التي كانت تصدر ورقيا، وفي افتتاحية العدد 19 (صيف 2010) يقول:

"عددٌ آخر غير مطمئن من أدائه. كانت بي رغبة لتكريس أكثر من جهد في إضاءة المرحلة السبعينية الخطيرة، التي امتدت مع سطوة حزب البعث في شخص صدام حسين حتى منتصف التسعينيات، منعكسة على الجيل الذي تطلع للنور فيها فدخل العتمة. وحاول مواجهة الإرث الستيني، المُعزز للفردية، المشاكس للحياة المحيطة، بمشاكسة انصرفت إلى النص وحده، وبنزعة جماعية مذعورة من الانفراد بالنفس. لأن مشاكسة الحياة المحيطة، وبصوت فردي، بدت آنذاك أكثر من خطيرة. إلا أن الاستجابة  لدعوتي للمشاركة كانت محدودة جداً.
في هذا العدد ثلاث قصائد عالمية طويلة: رماد غرامشي للمخرج السينمائي والشاعر والروائي الإيطالي الشهير بازوليني، وقصائد كارمينا بورانا التي اتسعت شهرتها في موسيقى الألماني كارل أورف، إلى جانب رسول السحب للشاعر الهندي القديم كاليداسا. القصائد ذات قيمة خاصة في الإرث الإنساني، علّها تحتل مكانة في حصاد القارئ".
ويختم افتتاحية العدد بقوله: "نود أن نحتفي في العدد القادم بملحمة جلجامش الخالدة. دعوةٌ لمن يُسهم".
يقول الشاعر فوزي كريم في إحدى قصائده (1968):
وتلويتُ مع الريحِ، تلويتُ شراعا 
وعرفتُ الشمسَ في دمعةِ عينيك خداعا .
آه يا صوتَ بلادي 
يا شراييني، التي مزقها نجمٌ وضاعا.
إنني أقسمُ بالخبزِ، الذي يحملُ موتي 
وبأيامي، التي تخطو مع الريحِ سراعا:
إنّ في دمعةِ عينيكَ بشائر
وأغاني،
آه يا صوتَ بلادي،
آه لو أزرع في خديكَ قبلة 
دونَ أن تحملني خلفَ ستورٍ لا أراها 
أو تراني .
صدّقيني يا بلادي،
إن في دمعةِ عينيكِ ضياعي،
فإذا مزقتِ في الريحِ شراعي 
سأغنيكِ شراعاً لا يهاجرْ
وإذا علمتني الصوتَ، ومزقتِ قناعي 
سأغنيكِ، كما غناك شاعرْ 
وإذا ألقيتِ ظلي مرةً دون وداعِ
سأغنيك، لأني 
شاعرٌ أَقسمُ بالخبزِ الذي يجهلُ موتي 
وبأيامي التي تخطو مع الريحِ سراعا.
يا بلادي 
يا شراييني، التي مزّقها نجمٌ وضاعا.