رحيل المؤرخ والأديب الليبي خليفة التليسي

حين كان الآخرون يترجمون وينشرون كنت أترجم وأطوي

طرابلس ـ رحل المؤرخ والأديب الليبي خليفة محمد التليسي عن الدنيا بعد معاناة مع المرض في أحد مصحات طرابلس.
وأصدرت اللجنة الشعبية العامة في ليبيا بياناً تنعى فيه التليسي الذي سيشيع جثمانه الجمعة إلى مقبرة شهداء الهاني بطرابلس.
ووصف البيان التليسي بأنه "من كبار كتابنا وأدبائنا وواحد من رموز الثقافة العربية، وقد كرمته ثورة الفاتح العظيم بمنحه وسام الفاتح العظيم في عيد الوفاء الأول عام 1989..حيث ألقى قصيدته المشهورة وقف عليها الحب".
وأضاف البيان "كما كرمته بمنحه جائزة الفاتح التقديرية للآداب والفنون عن مجمل إبداعاته في دورتها الأولى عام 1995، وتحصل أيضاً على جائزة القذافي لحقوق الإنسان عام 2002".
وكشف البيان أن "الراحل الكبير كان أول أمين للرابطة العامة للأدباء والكتاب بالجماهيرية العظمى، وتبوأ العديد من المهام الكبيرة في منظومة الثقافة الجماهيرية والعمل العربي المشترك حيث كان أول أمين عام لإتحاد الناشرين العرب، ورئيساً لمجلس إدارة الدار العربية للكتاب".
وقال إن التليسي ترك "تراثاً كبيراً من المؤلفات في التاريخ والأدب وترجمة عديد الأعمال العالمية، أثرى المكتبة العربية وساهم في تدعيم أسس الهوية العربية الإسلامية".
وتقدمت اللجنة الشعبية العامة إلى أسرة الراحل "وإلى سائر الأدباء والكتاب والمبدعين في بلادنا بالتعزية والمواساة، سائلين المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته وأن يسكنه فسيح جنانه، وأن يلهم محبيه جميل الصبر والسلوان وأن يعوض فيه بلادنا خيراً".
وولد التليسي عام 1930 بطرابلس وبها درس مراحله التعليمية الأولى حيث أنهى دراسته النظامية سنة 1948م.
ويذكر معجم القصاصين الليبيين لمؤلفه د.عبد الله مليطان أن التليسي انتقل للعمل في مجال التدريس حتى عام 1951، لينتظم في العمل الاداري بمجلس النواب فأميناً عاماً له عام 1962م فوزيرا للإعلام والثقافة من عام 1964 إلى 1967م، فسفيراً لدى المملكة المغربية عام 1968م.
وبحسب مليطان تولى الفقيد رئاسة اللجنة العليا للإذاعة ورئاسة مجلس إدارة الدار العربية للكتاب عام 1974م، ليختار كأول أمين لاتحاد الأدباء والكتاب الليبيين عام 1977م فنائباً للأمين العام لاتحاد الأدباء العرب عام 1978م، ثم أميناً عاماً للاتحاد العام للناشرين العرب عام 1981م.
ويضيف مليطان في معجمه أن التليسي يعود له الفضل في تأسيس عدد من المطبوعات الصحفية من بينها مجلتي الرواد والمرأة، بالاضافة لتأسيسه للجنة العليا لرعاية الآداب والفنون ومشاركته في تأسيس جمعية الفكر.
واهتم التليسي بفن الترجمة ويعد كتاب "البحر المتوسط..حضاراته وصراعاته" آخر كتاب صدر في حياته عن المؤسسة العامة للثقافة.

وقال الناقد والكاتب إبراهيم حميدان ـ وهو آخر من كتب عن التليسي قبيل وفاته بأيام في مقال نشر بأويا ـ "فأستاذنا الكبير ما زال ومنذ نحو ستة عقود متتالية يواصل إثراء المكتبة العربية بمؤلفاته وترجماته وتحقيقاته القيّمة واصدراته المهمة، وتمثل كتبه في هذه المجالات جميعها مكتبة متكاملة، ارتحل فيها كاتبنا من النقد الأدبي والدراسة الأدبية إلى التاريخ السياسي ومنه إلى تأليف الشعر وكتابة القصة وتجميع المختارات الشعرية وأخيراً الترجمة التي برع فيها كثيراً، وسطع نجمه فيها منذ أن اكتشف بيراندلوا أحد أبرز كتّاب القصة في الإيطالية".
وأوضح "فعن طريقه عرف القارئ العربي هذا الكاتب الإيطالي المهم الذي لم يكن يعرف عنه سوى مسرحيته الوحيدة ستة شخصيات تبحث عن مؤلف التي قيل أن عبد الناصر قد تأثر بها قبل الثورة".
ونوه إلى أنه "ولا ننسى تلك المختارات القصصية الجميلة التي حملت عنوان ليلة عيد الميلاد وقدم خلالها التليسي عددا آخراً من كتّاب القصة الإيطالية والفرنسية والاسبانية أبرزهم في نظري الكاتب دينوبوتزاتي صاحب رواية صحراء التتار والذي ترجم له التليسي قصة بعنوان سبعة طوابق وهي من القصص الخالدة التي تظل في ذاكرة القارئ طول العمر".

وأضاف "لكن التليسي عاشق الشعر ما لبث أن أدار ظهره لترجمة القصة وابحر باتجاه االشعر ففي أواخر الثمانينات فاجأ جمهور القراء والمثقفين بترجمته الرائحة لشاعر الهند العظيم طاغور، وعلى الرغم من أن الطاغور كان قد حظي بأكثر من ترجمة إلى اللغة العربية إلاّ أن ترجمة التليسي نالت استحسانا واسعا في أوساط المثقفين والأدباء والكتّاب وعبروا عن اعجابهم بهذه الترجمة التي جاءت في ثلاثة مجلدات في كتابات ومقالات نشروها في صحف ومجلات في أكثر من عاصمة عربية".

ثم كانت المفاجأة الثانية حين أصدر التليسي ثلاثة مجلدات ضمت ترجماته لأشعار الشاعر الإسباني "لوركا" وما كتب عنه من دراسات.
وومها لم يخف التليسي اعتزازه العالي بما صنع حين كتب يقول في مقدمة الكتاب "حين كان الآخرون يترجمون وينشرون..كنت أترجم وأطوي..وحين قرأت ما ترجموا رأيت أن أنشر ما طويت".ومن حقه أن يكتب هذا بعد إنجازه لتلك الترجمة البديعة الرائعة.

وها هو التليسي يطرق اليوم ميداناً آخر وهو يقدم لنا أحدث ترجماته في مجلد تربو صفحاته على الستمائة "البحر المتوسط..حضارته وصراعاته" لمؤلفه "أرنل براد فورد" الذي يؤرخ فيه للدورات الحضارية التي تتابعت على هذا البحر.
ولعل السبب الذي دفع التليسي لأن يقدم على ترجمة هذا الكتاب حسبما ورد في المقدمة هو موقف المؤلف البريطاني الذي كان منصفا للعرب وحضارة المسلمين فلم يبخس دورهم ولم يطمس إسهامهم البحري في مرحلة السيادة الإسلامية على البحر المتوسط علاوة على الأهمية الجيوستراتيجية المتعاظمة لهذا البحر.

وكرم التليسي لإساهماته الأدبية والتاريخية فمنحه المعهد الشرقي بجامعة نابولي الدكتوراه الفخرية، كما كرمته ليبيا بوسام الفاتح وجائزة الفاتح التقديرية، وكرمته الجمهورية التونسية بوسام الثقافة التونسي، وكرمته المملكة المغربية بالوسام العلوي المغربي وجائزة الثقافة المغربية.