رحيل الباحث والمفكر السوري أحمد حيدر

دمشق ـ حسن سلمان
الوجود الانساني وجود تحت ضوء القيمة

طوى الموت الورقة الأخيرة من حياة المفكر والباحث السوري أحمد حيدر، قبل أن يشهد هذا الأخير صدور الطبعة الأولى من كتابه الجديد "الخروج من الاستلاب".

ورغم أن حيدر تنقل في بداية حياته بين عدد من المذاهب والأحزاب السياسية، غير أنه كان أكثر وضوحاً من أقرانه من المفكرين العرب، من خلال تبنيه لمفهوم "العطالة" وكيفية تجاوزها، الذي جعله محوراً أساسياً في تفكيره، وما انفك يطوره خلال بحثه عن تفسير دقيق للوضع الإنساني.

وشهدت مسيرة حيدر الفكرية عدة منعطفات ألف خلالها 10 كتب، فبعد تركه العمل السياسي، وضع كتابه الأول "طريق الإنسان الجديد بين الحرية والاشتراكية" الذي حاول من خلاله تحرير الاشتراكية من الإيديولوجيا، لاعتقاده بأن الاشتراكية لا تحتاج إلى إيديولوجيا، كونها قائمة على حاجات الإنسان الأساسية.

وبعد كتابه الثاني "الحياة في الظل" الذي ناقش فيه إشكالية العلاقة مع الآخر، ألف حيدر كتاب "نحو حضارة جديدة" الذي يعد من أهم مؤلفاته من ناحية النضج الفكري للكاتب والأفكار التي حملها الكتاب، فبعد مقدمته المهمة عن تاريخ الديالكتيك بدءا من هيراقليطس وانتهاء بالوجودية، اتجه حيدر لتفسير الوجود، فوصف الوجود الإنساني بأنه "وجود تحت ضوء القيمة، فما له قيمة عندنا هو الذي يحرك سلوكنا".

وربط حيدر بين المعرفة والحياة، على اعتبار أن الأولى شرط أساسي للثانية، ثم تحدث بعد ذلك عن الأمركة أو "الأميركانية" كما يسميها، التي اعتبرها "فن تدمير روح الشعب والفرد تحت ستار الحياة السهلة السعيدة والروح الواقعية"، وختم كتابه بالحديث عن مأساة العرب الذين "فقدوا أبعادهم جميعها منذ عصر الصحراء الأول، وتلقفتهم الأميركانية بروحها الساخرة المزيفة، فنشرت في حياتهم الأوهام الكثيرة التي تحول دون اكتشاف الأبعاد الموؤودة".

وبعد "نحو حضارة جديدة" وضع حيدر عدداً من المؤلفات أبرزها: "العطالة والتجاوز"،"في البحث عن جذور الشر" و"من الإيديولوجيا إلى الفلسفة والدين"، إضافة إلى بحثه حول الجمالية والميتافيزيقيا الذي صدر قبل ثلاث سنوات.

ويقول أحمد حيدر في تعريفه للعطالة انها "نوع من الجاذبية التي تجذب الإنسان وتمنعه من أن يعبر تعبيرا كاملا عن ذاته، بمعنى آخر هي قوة سلبية تمنع الإنسان من الانفتاح على الواقع والفهم السليم له".

ويشير إلى أن تجاوز الإنسان لعطالته يتم من خلال تحرره من ذاته أو من رغبة الأنا لديه، مشيراً إلى أن العطالة تتجاوز نفسها بمقدار ما تدمر ذاتها وترفض أن تكون مغلقة على ذاتها وبالتالي تنفتح وتتجاوز ذاتها.

ويضيف "إن الإنسان لكي يتحرر من العطالة، وهي في صميمها نرجسية أولية مغلقة على ذاتها، ينبغي له أن تنفجر هذه النرجسية لديه وأن تنفتح على الوجود والآخر والواقع."