رحل .. قبل أن يكمل 'الحرافيش' بالشعر العامي

بقلم: مصطفى نصر
كان مخلصا وحيويا

لم أكن أعرف الأستاذ عبدالرحمن درويش، فقد انشغل بظروف عمله عن الاتصال بالحركة الثقافية والأدبية بالإسكندرية لسنوات طويلة، حيث كان يشغل وظيفة كبيرة ومهمة في قطاع الإنتاج؛ هذا غير مكتب محاسبة كبير كان يديره.
لكن زميل دراسته شاعر العامية محمد علي أبو هوانة نصحه بنشر ديوانه الأول "ترنيمة الحياة والموت"، فنشره في عام 1994، ودعاه للاشتراك في الندوات التي تقام في قصور الثقافة والمراكز الثقافية الأخري، فحل علي ندوات الأدب بعد أن كبر في السن.
في فترة ابتعاده عن الحركة الثقافية والأدبية في الإسكندرية مارس كتابة شعر الفصحي والعامية، وقرأ في كل المجالات، وراسل المجلات الثقافية والعادية. ونشر العديد من القصائد بعضها أحدث ضجة واهتماما كبيرا.
عرف طريقه إلى لاتيليه الإسكندرية (جماعة الكتاب والفنانين)، وأصبح عضوا بمجلس الإدارة فيه، بحكم كونه شاعرا وفنانا تشكيليا. وأصدر دواوين شعر العامية: "ترنيمة الحياة والموت" عام 1994، "الليل والشارع وأنت" 1995، "كلام في الحب" 1995.
وأصدر ديوانه الوحيد بشعر الفصحي "رمل وماء والمدي" عن اتحاد الكتاب عام 2005.
يقول الشاعر الكبير كامل حسني عن ديوانه الأول "ترنيمة الحياة والموت": "السمة المميزة لشخصية عبدالرحمن درويش أنه فنان في المقام الأول، وشاعر من رأسه إلى أخمص قدميه، وقد كان ممكنا أن تكون لوظيفته في الحياة – وهو محاسب قانوني كبير بالإسكندرية – أن تطغى على كل اهتماماته، وأن تملأ أفكاره الأرقام والأعداد؛ إلا أن ذلك لم يحدث، لأن قلبه ينبض بالشعر، وأنه يجري في دمه، وأنه يغلب عليه بأسره، وقد اختار أن يكون شاعرا للعامية وأن تكون أدواته من لغة الشعب الجارية بين الناس من حوله؛ ليكون أصدق في التعبير عن خلجاته، وأن تنبعث منها حرارة أنفاس الشعب".
كنا – أعضاء اتحاد الكتاب بالإسكندرية – نعاني من مشكلة الانتخابات التي تتم في القاهرة كل عامين، فيتقدم إلى عضوية مجلس الإدارة بعض الأعضاء من الإسكندرية، أحيانا لا ينجح منهم أحد، مما يسبب لكل الأعضاء السكندريين أسى وخجلا، لذلك يهتم عدد كبير منهم بأن يتدخلوا في اختيار المتقدمين، ليضمنوا نجاحهم في الانتخابات، ولكي لا تسبب المسألة لهم الخزي والخسران.
واجتمعنا في هذه الأوقات في النادي النوبي بشارع النبي دنيال، لبحث هذه المسألة، واقترحت أن يتقدم للانتخاب (إضافة لمن تقدم) الأستاذ عبدالرحمن درويش، واللواء سراج النيل الصاوي وثالث لا أذكر اسمه الآن، وفوجئ عبدالرحمن درويش باختياري له. لقد راعيت في الاختيار مكانة كل متقدم، وثقافته وإمكانياته المالية .. إلخ.
ووقف الأستاذ عبدالرحمن درويش وشكرني على هذه الثقة لكنه اعتذر عن التقدم للانتخاب. لكن هذه اللفتة قربته مني، وأصبحنا أصدقاء مقربين بعد ذلك.
كنتُ أذهب إلى الاتيليه كل خميس، لأقابله هناك، نجلس ونتحدث، ثم يأخذني بسيارته، في أحيان كثيرة يصر على أن يوصلني إلى بيتي، وأحيانا أصر على النزول في محطة مصر، وأدهش من كل هذا الحب، فأعرف أنه يسكن في الإبراهيمية، فكيف يأتي لتوصيلي في محطة مصر أو بيتي في حي راغب باشا، ثم يعود ثانية إلى الإبراهيمية.
وأحيانا نتفق على الذهاب إلى مبني الإذاعة والتليفزيون في باكوس، فينتظرني بسيارته في محطة مصر ثم نذهب معا بسيارته إلى هناك.
أتصل به تليفونيا؛ فتحدثني امرأة وتخبرني بأنه غير موجود في البيت، يحدث هذا مساءً، أو في الصباح الباكر، فأدهش أين يذهب. لكنه يحدثني كل يوم الجمعة من الإبراهيمية، ونتقابل في فرع الإتحاد في شارع الأنبا كيرلس (أمام قسم شرطة الرمل).
مرة جاء بدون سيارة، فقد تركها لابنه الدكتور إلهامي لقضاء مصالح له. وركبتُ أنا وهو وشوقي بدر يوسف سيارة ميكروباص، وفي محطة الإبراهيمية، قال شوقي له "محطتك"، لكنه قال: "لا، دي أسرار محبش اتكلم فيها"، ونزل معي في محطة مصر، وصافحني، وسار كلا منا في طريق، لكنني قابلته ثانية، فقلت له: "هيا بنا"، ظننته سيسير معي في شارع الخديو، لكنه قال مبتسما:
- هو أنت مش حاتروح؟!
وصافحني ثانية وسار.
أحسست أنه يريد أن يخفي شيئا. واتضح بأنه متزوج من زوجة صغيرة بعد أن افترق عن زوجته – أم ابنه وابنته – وأنه يسكن نادي الصيد في محرم بك. وأخبرني الصديق صبري أبو علم أن زوجته هذه كانت تحضر الندوات معه، وتدافع عن أعماله بشدة.
وعندما تعرفت عليها بعد ذلك وجدتها فخورة ومبهورة لأنها زوجة فنان، حتى بعد أن مات قالت لي: أنا كنت متزوجة فنان.
وقد أهداها كتابه الثاني "الليل.. والشارع.. وإنت":
(إلى زوجتي رفيقي طريقي الوعر، وإلى ابني الشاعر الدكتور إلهامي قارئي وناقدي الأول، وإلى ابنتي الدكتورة مي التي لا تحب الشعر).
كانوا ثلاثتهم كل حياته وعالمه، ولأنه أعطاهم الكثير، فقد اهتموا به بعد وفاته.
مارس عبدالرحمن دوريش الرسم، ولديه الكثير من اللوحات بعضها أهداها لإصدقائه، وبعضها معلق على الجدران في شقته. وكان أمله أن يقيم معرضا لهذه اللوحات قبل وفاته.
كان يعتمد في اتصالاته على تليفونه الجوال، فقد كانت شقته في نادي الصيد بلا تليفون. وبعد تركيب التليفون كنا نتحدث طويلا، يتصل بي مرات عديدة في اليوم، واتصل به لاسأله عن شيء، كان يكتب مقالاته السياسية في جريدة الأهرام المسائي، فقد كان قارئا جيدا ومتفهما للأمور بشكل كبير.
كان عبدالرحمن درويش وسيما، متأنقا دائما، يبدو بهيئته رجل ثري، وقد حدث أن اتصلت به ابنة صديقنا الشاعر التي تعمل في شركة تأمين خاصة، لكي يتعامل معهم ماليا، اختاره لها والدها، معتقدا أنه يمتلك أموالا كثيرة، وذهبتُ معه للقائها في الاتيليه، وكان معها زميلها الذي يحمل لاب توب، قال لي عبدالرحمن درويش ونحن نركب سيارته بعد اللقاء الذي لم يتم فيه أي اتفاق:
- الصيت ولا غني، الناس فاكراني غني.
أحسست بأنني كسبت كثيرا بمعرفته، صديق مخلص يهتم بي بإخلاص واهتمام، شخص مثقف أسأله في السياسة والتاريخ والفن، فيجيبني بدراية وخبرة.
كان مشهورا بكتابة الشعر العامي عن الفنانين: فنشر له رجاء النقاش كثيرا جدا في مجلة الكواكب، كتب عن مارلين مونرو ونشرت قصيدته عن سعاد حسني في الكثير من الجرائد والمجلات، وأحيانا دون أن يرسلها لهم، وكانت تذاع في البرامج الإذاعية والتليفزيونية: قدمك دهب .. يلمس تراب الأرض يخضر التراب
نظرة عينيكي نجوم وليل وغنوة بتلم الصحاب
غنيتي بمبي .. لفني اللون الغريب.. شالني الغنا فوق السحاب
أما الربيع على شفتك بيصحي أحلام الشباب
ثم لجأ إلى كتابة القصة، ونشر قصصا في مجلة القصة، والمساء، والأهرام المسائي، ومجلة حواء والثقافة الجديدة. وكتب روايته الأولي "وجوه من الجبل" التي صدرت عن هيئة الكتاب عام 2006، كان متأثرا فيها بروايتي "جبل ناعسة"، ثم روايته "الإبحار فوق نهر جاف" التي نشرها على نفقته، ثم روايته الأخيرة "المتبديان" 1963 والتي قامت أسرته بنشرها بعد وفاته.
جاءنى الثلاثاء 22/11/2005، فوجئت به يقف أمام الباب، قال:
- جئت لأسلم عليك لأنني سأسافر في الغد إلى السعودية لزيارة ابني وابنتي، وسأبقى حتى أحضر الحج.
كنتُ أمر بحالة صحية سيئة (اكتئاب، وعدم قدرة على النوم، بسبب تكالب المشاكل عليّ). أحسست بمدي حب عبدالرحمن درويش لي، يأتي من بعيد ليودعني.
وانشغلتُ بمشاكلي الصحية، وفوجئت باتصال من ابنته الدكتورة مى قالت:
- أبي أصيب بذبحة صدرية. ويريدك أن تدعو له. أنت الوحيد الذي اختاره ليحدثه عن حالته.
كنتُ حزينا من أجله، لقد سافر إلى السعودية لزيارة ابنه وابنته اللذين يعملان طبيبين هناك، نزل في الرياض، وركب سيارة لتقله إلى المكان البعيد الذي يعمل فيه ابنه، طال بقاؤه في السيارة، فلم يستطع قلبه الاحتمال، ظل في مكانه غير قادرين على علاجه، كما أن حالته الصحية لا تقدر علي السفر إلى الرياض لاجراء العملية الجراحية اللازمة. أي عذاب هذا الذي عاشه عبدالرحمن درويش. لقد اكتأبتُ وكدت أموت لأشياء قليلة تافهة بالنسبة لحالته.
بعد أن استقرت حالته تم نقله بالطائرة وتم تركيب جهاز في الصدر لتنظيم دقات القلب وفوجئت به يتصل بي ليخبرني بأنه عاد إلى الإسكندرية، فزرته مرات في بيته.
حدثته كثيرا عن مزايا التعامل مع الكومبيوتر، وعن حاجته إليه الآن بعد أن قلت حركته، وبالفعل اشتري جهازا، وزارني في البيت مع ابنه الدكتور إلهامي، وأصبح اتصالنا عن طريق التليفون والنت في الكمبيوتر. ما أن أكتب قصة أو مقالة حتى أرسلها إليه، فيعلق عليها بجدية واهتمام. وهو يرسل لي ما يكتبه.
وكان يحضر الندوات المهمة برفقة زوجته، وأذكر أن زميلنا محمد خيري حلمي، قال له مشيرا إلى زوجته: بنتك، مش كده؟
فأجابه مبتسما: لأ، زوجتي.
حدثته يوما عن خبر منشور في نشرة اتحاد الكتاب عن أديب غني جدا يطالبون الدولة بأن تعالجه على حسابها، فقال لي:
- لو واحد عنده مليون جنيه دلوقتي؛ لا تكفي لعلاجه.
حدثني عن تكاليف علاجه الباهظة، أجرة الأطباء، وثمن الجهاز الذي يوضع في الصدر.
كان حزينا من أجل ابنه وابنته، قال لي: سيصرفان علىّ مدخراتهما.
اتصلت بي زوجته الخميس 8/5/2008 قالت باكية:
- إحنا ما بنعرفش بيقول إيه، وقالت ياريت تيجي تشوفه، لأنه يمكن يكون آخر مرة تشوفه فيها.
خرجتُ من البيت متأخرا، ركبت "ميني باص" من محطة مصر، نزلتُ في "سيدي جابر"، سرت تحت النفق إلى سموحة، ذهبتُ إلى المستشفي كانت الساعة التاسعة مساء إلا ثلث تقريبا، وجدت في الحجرة رقم 205 شخصا لا أعرفه، لحية بيضاء كبيرة، عبدالرحمن درويش لم يكن يترك لحيته منبتة ولو قليلا، وأنابيب دقيقة كثيرة في أنفه، وزوجته وابنته الدكتورة مي، وحكيمة، وامرأة عجوز، أظنها طليقته (أم ابنه وابنته). عندما رآني بش لي، ورحب، ففرحوا وتفاءلوا خيرا، طلب محادثتي، قال:
- سأحدثك عن موضوع وتصيغه بطريقتك، (ما أذكره من كلامه الآن، هو جملة مديرية الأمن).
قلتُ: "سأفعل ما تريد"، خاصة أن زوجته كانت تتحدث بطريقة واحدة تاخد واحد على قد عقله. قالت له: ما هو إلهامي حا يعمل لك إللي أنت عايزه.
جاء إلهامي، كان مبتسما، وقال له: ده بتاع "سينما الدرادو".
وقال لي: من كام يوم بس كان بيكلمني عن كتابك "سينما الدرادو".
وقلت له: أنا ليه مقالة النهارده في "أخبار الأدب".
قالت زوجته: نسيت أجيبله "أخبار الأدب"، ونظرتْ إلى الموجودين وقالت:
- كان إذا لقي حاجة منشورة لمصطفى نصر يتصل بيه ويقوله.
قلتُ: لقد افتقدته، كان مخلصا وحيويا معي.
قالت زوجته: ده كان بيعمل الحرافيش بالشعر العامي.
دق التليفون صباح الثلاثاء 13/5/ 2008 جاءني صوت شوقي بدر يوسف، قال البقية في حياتك، فقد مات عبدالرحمن درويش، وسوف يصلون عليه الظهر في مسجد المواساة.
وصلتُ المسجد قبل خروج المصلين بوقت قصير، خرج من المسجد شوقي بدر وجابر بسيوني وناجي عبداللطيف ود. رفيق خليل. عزيت د. إلهامي. وعدتُ إلى البيت حزينا. مصطفى نصر ـ الإسكندرية