'رحلة عمر' يكشف كواليس في التاريخ المصري الحديث

ثلاثة أحداث

مؤلف كتاب "رحلة عمر"، هو د. رشدي سعيد أحد كبار علماء الجيولوجيا المرموقين، له الفضل في تبسيط هذا العلم وربطه بالتحوّلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في مصر، كما له دور في الاكتشافات التعدينية، ويُعد من أبرز خبراء الري والعارفين بأسرار نهر النيل.

وعن أهم الأحداث التي ساهمت في تكوين الدكتور رشدي سعيد، يقول: إذا أردت أن أحدد أحداثاً بعينها أثرت في حياتي وساهمت في تكويني وحكمت اتجاهاتي في مستقبل الأيام لاخترت ثلاثة: يأتي في أولها ثورة 1919، ثانيها: الحرب العالمية الثانية والسنوات التي تلتها، وحتى تفجر ثورة الجيش في شهر يوليو سنة 1952، ثم تأتي في ثالثها الأحداث والمداخلات التي جاء بها اليمين الديني، والتي كان لها دور في تشكيل مصر الحديثة، والتأثير على مجرى الأحداث والمناخ العام.

وبإيجاز يتطرق بالحديث عن أفكار اليمين الديني فيقول: تسارع تغلغل اليمين الديني بين مختلف الطبقات في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية ووقوع نكبة فلسطين، وفيها برزت هذه الأفكار كبديل للفكر الزمني الذي كان يتبناه حزب الوفد، وعندما قامت ثورة يوليو سنة 1952، كان كل الضباط الذين قادوها متأثرين بفكر جماعة الإخوان، ومنهم من كان عضواً منظماً فيها، ومنهم من كان عطوفاً عليها، وإن لم يدخل في تنظيماتها.

• ذكريات علمية

ويتحدث د. رشدي سعيد عن ذكرياته العلمية (1941 – 1978)، فيقول: تخرجت من الجامعة إلى مؤسسة التعدين، وكان يحدوني الأمل أن أنقل هذه المؤسسة إلى مؤسسة عصرية تستخدم البحث العلمي والطرق الحديثة في الكشف عن واستغلال ثروات مصر المعدنية، وفي الحقيقة كانت مؤسسة التعدين في حالة يُرثى لها عندما وصلت إليها في أعقاب حرب سنة 1967 التي زادت من مشاكلها، وبدأت عملي بتقييم شركات التعدين القائمة، والتي كانت ثلاثة منها تعمل في حقل استخراج خام الفوسفات، فقمت بزيارة مناجمها في شهر يوليو سنة 1968، وبدأت رحلتي بزيارة مناجم شركتي سفاجة والقصير على ساحل البحر الأحمر، عبرت بعدها الصحراء لزيارة مناجم شركة النصر على ضفة النيل في منطقة إسنا بالصعيد.

وعندما رجعت من رحلتي، تأكدت أن انطباعي الذي كنت قد كوّنته من معرفتي بجيولوجية هذه المناطق، عن قلة احتياطياتها من خام الفوسفات القابل للاستخراج الاقتصادي قد استقر تماماً في ذهني، فتأكدت أنها لا تملك الأسس أو العناصر اللازمة التي تجعلها قادرة على المنافسة.

ولذا قررت بناء هيئة عالمية المستوى للبحث العلمي لدراسة أرض مصر، للكشف عن ثروتها المعدنية واختيار الصالح منها للاستخراج الاقتصادي؛ ليكون أساساً لهذه الشركات الجديدة للتعدين، وفي ضوء هذا القرار قمت بإعداد مشروع قانون يُعيد تشكيل مؤسسة التعدين التي كنت أرأسها، نقلت فيها تبعية شركات التعدين القائمة، والتي كانت تتبع المؤسسة إلى مختلف المؤسسات الصناعية الأخرى التي كانت تستخدم خاماتها، وحددت من بين أهداف هذه الهيئة الجديدة لدراسة العلمية للأرض المصرية، وتقييم رواسبها المعدنية وجدوى استخراجها وتصميم مناجمها، ومشروعات استغلالها، وأسميت الهيئة الجديدة بهيئة المساحة الجيولوجية والمشروعات التعدينية.

• ذكريات سياسية

وعن ذكرياته السياسية (1961 – 1976) يقول: تم اختياري عضواً معيناً بمجلس الشعب في برلمان سنة 1964، ولم أكن سعيداً بهذا الاختيار، فقد أكد لي ما كنت قد بدأت أن أشعر به منذ عودتي من البعثة من أني بالفعل قد أصبحت "الآخر" في الوطن، وزاد من عدم سعادتي ما عرفته من أن اختيار الأعضاء المعينين من الأقباط فيما عداي، كان قد تم من قائمتين أعدت واحدة منها بطريركية الأقباط، وأعد الأخرى كمال رمزي أستينو الوزير القبطي بالوزارة، ومن غرائب الأمور أن الدولة التي كثيراً ما تقحم المؤسسة الدينية في أعمالها الزمنية، وهي نفسها التي تصمم على ألا يدخل الدين السياسة، والتي تمنع إنشاء الأحزاب القائمة على أساس الدين.

ويعود سبب هذا التناقض إلى هشاشة مؤسسات المجتمع المدني التي تقف الدولة كحجر عثرة أمام نموها، ولم يكن للبرلمان – والحق يُقال – مصداقية كبيرة، وقد حاولت والمرات عديدة، اقتراح عدد من الإصلاحات التي كنت أعتقد أنها يمكن أن تصلح هذا المجال، وكنت تقدمت كخطوة أولى بتقديم اقتراح يمكّن التنظيم السياسي من تحسين اختياره لمرشحيه، ويعطي مقياساً لأداء أعضاء البرلمان حتى يمكن الحكم عليهم بمعايير موضوعية، بدلاً من الاعتماد على الشائعات والتقارير التي كثيراً ما تتسم بالهوى.

وقد عرضت على الرئيس السادات عندما كان رئيساً لمجلس الشعب، أن يكون أخذ الأصوات على الأقل في حالة مشرعات القوانين المهمة بالنداء بالاسم، حتى يكون موقف كل عضو في البرلمان معروفاً ومسجلاً، فيمكن بذلك أن يكون لدى القيادة وجمهور الناخبين سجل بمواقف النائب من مختلف القضايا، عندما يحين وقت إعادة انتخابه، إلا أن هذا القرار قد رُفض بل وقُوبل بالاستهزاء، فقد كان تمرير القوانين يتم بسهولة أكثر عندما كان الرأي يؤخذ برفع الأيدي والنداء بالموافقة بعد ذلك ومهما كان عدد رافعي الأيدي.

ويتناول المؤلف فترة عمله في البرلمان الدولي، قائلاً: وجدت في العمل البرلماني الدولي ما فتح أمامي باباً أستطيع به أن أعوّض عجزي عن القيام بعمل مفيد في مجال العمل الداخلي، وكان لمصر في ذلك الوقت قضايا أخذت على نفسها، أن تتبناها كقضية تأكيد حق الشعوب في الاستقلال وتقرير المصير ومستقبل فلسطين.

كانت الفترة التي قضيتها في رحاب الاتحاد فترة فريدة حقاً، فقد كان الاتحاد فيها في أوج أهميته، يؤدي دوراً مهماً كمنبر الشعوب الدول غير الصناعية لتعبر فيه عن آمالها وتشحذ فيه الأنصار لقضاياها، وكان عام 1976 في الحقيقة عاماً فارقاً في حياة الاتحاد البرلماني ذاته، عاد بعدها إلى مسيرته الأولى نادياً خاصاً لأعضاء البرلمانات، يقضون فيه تحت شعار المؤتمرات أجازاتهم في ضيافة الدول التي كثيراً ما تكون كرماً كلما كانت أكثر فقراً، ولم تعد قضايا الشعوب – أو أي من القضايا التي تهم الملايين من بسطاء الناس ممن يطلبون ولا يجدون العيش الآمن والمستور – تشغل بال الاتحاد البرلماني.

يذكر أن كتاب "رحلة عمر" للدكتور رشدي سعيد صدر في طبعة جديدة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.