رحلات سندباد الإنترنت

مراجعة: أحمد فضل شبلول

جلبت شبكة الإنترنت العالمية، نوعا جديدا من الأدب، هو أدب الرحلات عبر الشبكة نفسها، وأنت جالس في مقعدك لا تغادر حجرتك، وعينك معلقة على شاشة الحاسوب، لا تغادر صغيرة أو كبيرة إلا وتحصيها، من خلال لوحة المفاتيح، وخاصة مفتاح الدخول (إنتر). واستحدثت مسميات كثيرة للشخص الذي يبحر عبر شبكة الإنترنت، منها ملاح الإنترنت، وسندباد الإنترنت، وما إلى ذلك. (لعل من المناسب ان نذكر ان اول متصفح للانترنت باللغة العربية كان اسمه سندباد).
وقد استغل الأديب المهندس عبد الحميد بسيوني الإمكانات الهائلة لشبكة الإنترنت، والتجوال داخل نسيجها العنكبوتي، في عمل ربما يكون الأول من نوعه في أدبنا العربي المعاصر هو أدب الرحلات عبر الشبكة، أطلق عليه "رحلات سندباد الإنترنت"، وأضاف إلى هذا العنوان الرئيسي عنوانا فرعيا هو "حول العالم في يومين ـ ركوب الإثير في عالم الإنترنت المثير". فإذا كان أنيس منصور قد قضى مائتي يوم حول العالم، وإذا كان جول فيرن قضى ثمانين يوما، فإن عبد الحميد بسيوني ـ بعد تمكنه من تقنية الحاسوب والوسائط المتعددة ومحركات البحث ـ يقضي يومين فقط حول العالم من خلال الإبحار داخل شبكة الإنترنت، بدون جواز سفر، أو تأشيرة دخول أية دولة من الدول الكثيرة التي زارها عبر الفضاء التخيلي، دون تفتيش أو إجراءات منع أو تأخير، اللهم إلا إذا انقطع التيار الكهربي، أو حرارة التليفون، فيكون ذلك إيذانا بنهاية الرحلة، إلى أن يعود التيار والحرارة، مرة أخرى فتبدأ رحلة جديدة.
وقد اعتمد الكاتب في أسلوبه على شكل أقرب إلى شكل المقامات العربية، التي اشتهر بها من قبل الحريري، والمويلحي، وغيرهما. وربما لجأ الكاتب إلى هذا الأسلوب الأدبي ليخفف قليلا من حدة الأسلوب العلمي الذي كان السمة الأساسية في هذه الرحلات. أيضا أراد الكاتب أن يخفِّف من كم المعلوماتية التي يطرحها في كتابه، بلجوئه إلى عنصر الحكاية البسيطة، وبإدخال عناصر حياتية أو عادات يومية، أو الاستعانة بالزوجة في كثير من المواضع، ليخلق نوعا من البهجة أو السخرية والتهكم عليها، على اعتبار أنها تنتمي إلى عالم آخر غير إلكتروني مثل شغل البيت والطبيخ ورعاية الأولاد، فضلا عن غيرتها الشديدة كلما وقعت عينها على فتاة جميلة يستحضرها الكاتب على صفحته الإلكترونية. ولكنه ينجح بأسلوبه الرشيق في تحول زوجته إلى الاقتناع بجدوى هذا الكائن الكهربي الجديد على المنزل، بل تشاركه بعد ذلك في رحلاته التي يقوم بها خلال اليومين المذكورين، وفي البحث عن أشهر الأكلات وأساليب تربية الأولاد ورعايتهم.
لقد نشأ ود خفي بين الزوجة والإنترنت خشي الكاتب من نتائجه، خاصة وهي تطلب من الإنترنت أفكارا عن مركز الآباء لإمدادهم بمعلومات توسيع مدارك الأبوة ومعاني الأمومة، وتزويدهم بنصائح الصحة وتنمية القدرات وتصحيح السلوكيات .. الخ.
وقع الكتاب في 320 صفحة، حلَّق خلالها الكاتب في المكان والزمان، عائدا إلى الوراء ومتقدما إلى الأمام، من خلال مئات المواقع التي دخلها، وخرج منها سالما، مكونا صداقات من الجنسين، في كل دولة يزورها، ابتداء من مصر (ففي مصر العجائب، والدنيا كلها، والغرائب) والسودان من خلال مجرى النيل (من حلفا شمالا إلى دنقلا، ثم مروى حيث متحف الآثار الفرعونية إلى عطبرة، ثم العاصمة المثلثة الخرطوم، وأم درمان والخرطوم بحري عند ملتقى النيل الأبيض بالنيل الأزرق في حدائق المقرن قاصدا جبل الأولياء حيث عشت وعاش أبناء جيلي فترة من الزمان عند الخزان).
ثم ينتقل إلى كوبنهاجن التي يحبها كثيرا، ولكن في الآونة الأخيرة ارتبط اسمها عنده (بجماعة كريهة من غجر العرب والصهاينة يظنون أنفسهم مثقفين يتحاورون عن السلام ويبيعون الأوهام). وبهذا يكشف الكاتب عن وجهه العربي الأصيل الذي يرفض التطبيع والتهليل لكلمات عن السلام الذي لم يتحقق حتى الآن.
وهو عند كل آذان للصلاة يترك العالم الافتراضي، ويعود إلى عالمه الواقعي، بعد قطع الاتصال مع الشبكة، ليؤدي فروض الله، ثم يعود إلى رحلاته الإنترنتية، ليزور مواقع التوبة، متسلحا بإيمان عميق، وبوعي قومي عتيد، فهو خلال رحلاته لا ينسى أنه شارك في حرب السادس من أكتوبر المجيدة، واستطاع أن يحرز نصرا كبيرا مع زملائه على المعتدين. ثم ها هو يخرج من الخدمة، ويتفرغ لعلوم الحاسب، والأدب، ويبحر داخل شبكة الإنترنت، ويؤلف كتبا عنها وعن هندسة الحاسب الآلي، ونوافذ تشغيل الكمبيوتر، بعد أن كتب مجموعة قصص حقيقية لبطولات مصرية في حرب الاستنزاف وأكتوبر 1973 بعنوان "نداء القدر"، وبعد أن وضع كتابا عن أحداث ليلة 5، و6 أكتوبر 1973 في مصر وسوريا وإسرائيل وأمريكا حتى ساعة نشوب الحرب.
ولاشك أن إضفاء العنصر الذاتي على الرحلات يكسبها بعدا إنسانيا حميما، وبذا يحقق الكاتب نوعا من المشاركة الوجدانية مع قارئه، فيشاركه القارئ همومه وأفراحه وأحزانه، ويحس أنه طرف في هذه الرحلات، وطرفا في اهتماماته الأسرية، بل يقلق عند تأخر ابنه في العودة إلى القرية (متبول ـ كفر الشيخ) عائدا من القاهرة بأدوات الواقع الافتراضي (الخوذة والنظارة والقفاز)، التي اقترضها الكاتب من صديق له بالعاصمة.
من كوبنهاجن، إلى دبي (ومدينة الإنترنت الجديدة)، وتونس الخضراء، وجزيرة اللؤلؤ في البحرين، وجزر هاواي، واليابان، ولندن مدينة الضباب، ومبنى الأمم المتحدة في نيويورك، وبورصة هونج كونج، والجوع والشبع والنهم في كوريا، وتركيا التائهة بين ملامح الشرق وسمات الغرب، والساق الإيطالية، وباريس عاصمة الأزياء والعطور حيث الشانزليزيه وأعياد نيس وقصر فرساي، والنزهة في الخلاء والفضاء، والدخول إلى مواقع الحضارات القديمة، ومواقع الفكاهة والرياضة، والنكات، والتجسس وحروب الشبكات، والدواء والفيتامينات، والصحة والعافية، وفضائح الإنترنت، والصيد والمصارعة، والخيل والفروسية، وفصول التعليم الافتراضية، وبنات الفرنجة ونساء العم سام، وجراحات الصدر المفتوح، ومكتبة الإسكندرية التي بنيت على يد الإسكندر الأكبر (وهنا يوجد خطأ معلوماتي وقع فيه المؤلف وينبغي تصحيحه، فقد شيدت مكتبة الإسكندرية القديمة في عصر بطليموس الأول ـ سوتر الذي حكم مصر خلال السنوات 323 ـ 285 ق.م، وأتم ابنه بطليموس الثاني ـ فيلادليفوس الذي حكم مصر خلال السنوات 285 ـ 247 ق.م، إعدادها وتنظيمها، ولم تشيد المكتبة في عصر الإسكندر الأكبر الذي لم ير اكتمال مدينته، بعد أن وضع حجر أساسها، ثم مات بمرض الحمى في بابل عام 323 ق. م، ودفن في الإسكندرية).
إضافة إلى ما سبق يزور الكاتب مواقع الصيف والناس، وقمم الأدب، والتسلية والترويح، والصحف والأخبار، والحيوانات والطيور المختلفة، وسباق السيارات، ويقرأ عجائب الإنترنت وغرائب الأصدقاء مع وصية ديانا ولوحات جاكلين كنيدي ووصايا مشاهير العالم الراحلين والوصايا الغريبة لبعض المعتوهين، ويقرأ عن ثروة بيل جيتس، مع حكمة إيطالية للثراء بالطرق الثلاث المعروفة: ميراثا، أو زواجا، أو سرقة. مع رأي صديقة إنجليزية تقول له في رسالة إلكترونية: "إنكم محظوظون، ونحن أيضا في إنجلترا، فهذه الأمريكا ليس لها تاريخ أو جذور".
لقد استطاعت رحلات الإنترنت أن تجمع الكاتب مع مصري يقيم في برلين، وزائرة مسلمة من الفلبين، ثم انضم للرحلة عراقي، ثم زاد عدد أبناء العرب والغرب عبر برامج الدردشة، وأخذ الجميع يدردشون في شتى الاتجاهات، الأمر الذي دعا إلى تنظيم الدردشة وتحديد مجرى الكلام فكان عن الإنترنت والسياسة الدولية والعلاقات الإنسانية.
إن الكتاب رحلة علمية أدبية، أو سياحة إنترنتية، استطاع كاتبها عبد الحميد بسيوني، أن يكشف اللثام عن كثير من الأمور عن شبكة الإنترنت العملاقة، وتاريخ الحاسب الآلي. واستطاع في النهاية أن يطرح سؤالا مهما هو: ماذا يجري؟ وماذا ندري؟ وحاول أن يجيب عليه، في نهاية الكتاب، أو في نهاية الرحلة. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية