رحلات بنت قطقوطة إلى أوروبا والمغرب والحجاز

كتب ـ أحمد فضل شبلول
حضارات مختلفة وثقافات واسعة

لم يعرف الأدب العربي القديم كتبا في أدب الرحلات بأقلام نسائية، أو بأقلام المرأة الأديبة عموما، ولكن عرف كتبا ورحلات بأقلام الرجال من أمثال ابن بطوطة وابن جبير وابن خلدون، وغيرهم.
أيضا لم يشهد الأدب العربي الحديث كثرة من كتب أدب الرحلات التي كتبت بأقلام نسائية، ولكن قرأنا لرفاعة الطهطاوي "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" واستمتعنا بـ "حديث عيسى بن هشام" للمويلحي، و"ذكريات باريس" لزكي مبارك، وعرفنا سندباد حسين فوزي ورحلات أنيس منصور وحسين قدري وخليل النعيمي وغيرهم.
وعندما نحاول رصد ما كتبته المرأة العربية في هذا المجال لا نجد إلا القليل، ومن هذا القليل على سبيل المثال، أميرة خواسك وكتابها "رحلات بنت بطوطة" التي رصدت فيه انطباعاتها عن عدة رحلات قامت بها إلى استانبول وإيطاليا وباريس ولندن ونيويورك والاتحاد السوفيتي السابق، والمغرب وتونس وفيينا وأمستردام وسويسرا وألمانيا وغيرها.
وربما تعود قلة كتابات المرأة عموما في أدب الرحلات إلى قلة أسفارها في القرون السابقة، عما نراه اليوم، وإذا سافرت فلا بد من وجود (محرِم) معها، الأمر الذي كان يحد من انطلاقاتها وسياحاتها الحرة المبدعة داخل البلد الذي تزوره أو تقيم فيه.
ومع تطور الحياة وانفتاح العصر وتمكين المرأة من التعليم والعمل والسفر والسياحة، بدأ ينتشر أدب الرحلات الذي تبدعه المرأة.
وبكتابها الجديد "رحلات بنت قطقوطة" تضيف الكاتبة د. عزة بدر جديدا إلى عالم أدب الرحلات الشائق الذي تقدمه الكاتبة العربية بعامة، وهو كتاب تقول عنه الكاتبة الصحفية نوال مصطفى رئيس تحرير سلسلة "كتاب اليوم" الذي تصدره مؤسسة أخبار اليوم بالقاهرة بأنه "يتميز بالرشاقة في الأسلوب والسرد الشائق المتسلسل لحكايات وروايات مثيرة عن بلدان كثيرة في أوروبا وأفريقيا وآسيا، وبذلك تجمع بين حضارات مختلفة وثقافات واسعة."
أما عن عنوان الكتاب فقد احتارت الكاتبة في اختياره، وهي في الوقت نفسه كانت تريد أن تجمع بين عبير اسم الرحالة الشهير ابن بطوطة، وصفة الكاتبة الشقية (العكروتة)، فاختارت عنوان "رحلات بنت قطقوطة"، ولم أدر هل كانت الكاتبة على علم بصدور كتاب يحمل عنوان "رحلات بنت بطوطة" الذي كانت تريد أن تسمي الكتاب به، قبل اختيارها "رحلات بنت قطقوطة"، أم لا؟
ولكن بعامة فقد وفقت في اختيار عنوان كتابها "رحلات بنت قطقوطة" على أساس إضافة صفة قطقوطة للبنت، وليس على أساس المضاف والمضاف إليه، أو أنها ابنة رجل يدعى قطقوطة.
أيا كان العنوان، فإن القارئ بلاشك لهذا الكتاب سيسعد كثيرا برحلاته التي قامت بها عزة بدر إلى أوروبا، والمغرب، والحجاز والأخيرة أراها امتدادا لرواية الكاتبة "في ثوب غزالة" التي تحدثنا عنها من قبل. ثياسالونيكي اليونانية تبدأ الرحلة من مدينة ثياسالونيكي باليونان التي سافرت إليها الكاتبة بطائرتين واحدة من القاهرة إلى أثينا، والثانية من أثينا إلى ثياسالونيكي، معبرة عن انطباعاتها أثناء ركوب الطائرة وحديثها مع المضيفة، وبحثها عن أبوللو (إله الشباب والشعر والموسيقى عند الإغريق) ووصولها إلى ثياسالونيكي التي ضمتها فوقعت في حبها من أول نظرة.
إن ثياسالونيكي اليونانية التي بنيت منذ عام 316 قبل الميلاد، مدينة الاحتفال بالحياة والتاريخ والفن، وقد وصلت إليها الكاتبة للمشاركة في مؤتمر النساء المبدعات الذي تستضيفه المدينة في سبتمبر/ أيلول من كل عام، مشيرة إلى أنها تستضيف في نوفمبر/ تشرين الثاني مهرجان الأفلام السينمائية العالمية.
ومن الإشارات الغريبة التي أوردتها الكاتبة عن تلك المدينة أنه في مناسبات العزاء يقوم النساء بطهي الكيك بالسكر والمشهيات والمكرونة (ماكاريا) واللحوم المشوية التي يقومون بشيها في قبر المتوفى ليشم رائحة الطعام، وكأنهم يقولون له "ها أنت لا تستطيع أن تأكل الآن، ولكنك تستطيع أن تشم الرائحة الذكية التي ستجعلك تستيقظ من الموت."
وتعد المكرونة (أو المكروني) عندهم طعام الجنة، ويتفنن اليونانيون في صنعها بطرق خاصة.
هكذا تمضي عزة بدر في سرد معالم رحلتها إلى تلك المدينة التي أراها وأزورها معها من خلال مقالات الكتاب، ومن خلال اكتشافها لسر المدينة، والمرأة وحراسة التراث، والحديث عن أبحاث المؤتمر الذي تحضره في ثياسالونيكي، ومنها دور المرأة بين الاعتراف والتهميش، وعالم على حافة الخطر، والشخصيات النسائية في الأدب الشعبي، والجنس الوالدي (الذي تقصد به صاحبة البحث إمكانية التثقيف والتنوير حول ممارسة الجنس في مرحلة الكهولة)، وغير ذلك من أبحاث.
ثم تأخذنا الكاتبة، بعيدا عن المؤتمر وأبحاثه ودراساته، إلى قلب المدينة نفسها من خلال جولة حرة عن طريق الأتوبيس اليوناني رقم 3 الذي يطوف المدينة وشوارعها وأسواقها ومعالمها وضواحيها التاريخية ومدينة الجامعات والبرج الأبيض والمتحف الكبير والمساجد الثلاثة الموجودة في المدينة، ولكنها تحولت إلى متاحف. سيراكوزا الإيطالية وفي رحلتها إلى إيطاليا لحضور مؤتمر عن "دور وسائل الإعلام في العالم العربي في حماية حقوق الإنسان" ترصد الكاتبة حركة مطار القاهرة الدولي وصالات السفر، وتتذكر حلمها السابق بتلك الزيارة إلى إيطاليا ورؤية مايكل أنجلو وهو يهتف بتمثاله "موسى" بعد أن أتمه، "لم لا تنطق؟".
وها هو حلمها يتحقق بزيارة بلاد مايكل أنجلو، فتصف تحركاتها من مطار روما إلى مطار كاتنيا، ومنها إلى سيراكوزا، أو كما يسميها العرب "سرقوصة"، حيث تقضي أيامها في فيلا بوليتي، راصدة وقائع المؤتمر الذي دعيت لتغطيته إعلاميا.
وتنتهز الكاتبة فرصة حضورها هذا المؤتمر لتكتب لنا عن انطباعاتها ورحلاتها في شوارع وميادين وتماثيل ونوافير ومعالم وطبيعة سيراكوزا، على الرغم من عدم معرفتها من اللغة الإيطالية سوى بعض المفردات القليلة جدا مثل: بونجورنو (صباح الخير) سنيوريتا (آنسة)، بوناسيرا (مساء الخير) وماكروني أو اسباجيتي. أمانة عليك يا مركب وصلني لبلاد المغرب ومن إيطاليا نبحر مع الكاتبة إلى المغرب و"أمانة عليك يا مركب وصلني لبلاد المغرب" التي يصدح بها المطرب المغربي نعمان لحلو في فضاء قصر التازي بمدينة الرباط.
وقد حضرت الكاتبة احتفالات الرباط بالذكرى السادسة لتولي الملك محمد السادس عرش البلاد، فتنقل لنا أجواء هذه الاحتفالات بلغة أدبية راقية، وتصوير فني بديع، وكأن القارئ مشارك في حضور جانب من هذه الاحتفالات.
وترى الكاتبة من خلال هذه الأجواء الاحتفالية أن "شمس الأغنية العربية سطعت في مهرجان الرباط الحادي عشر لتؤكد أن الأغنية يمكنها أن تحقق نوعا من التواصل الثقافي الحميم بين الشعوب بما تحمل من قيم وموروث أصيل يخاطب الوجدان ويهز القلوب المشتاقة دائما إلى الحب والسلام."
ومن أجواء المهرجان والاحتفالية الفنية تنتقل بنا الكاتبة إلى شوارع الرباط وخاصة شارع الملك محمد الخامس الذي يعد في الليل قبلة الناظرين، وفي الصباح متعة السائرين. ونسير معها في السويقة، أو زنقة "لسويقة" وزنقة "الملاح" والحارات الضيقة التي تنبعث منها رائحة العطارة والشاي والصندل والقرنفل والمسك والمكسرات وغيرها من السلال ودنيا الألوان.
وجولة في محلات العقود والأساور والقواقع ونقش الحناء، مرورا بالغابات ورائحة الكافور وصومعة حسان وقصبة الأوداية ومتحف الأوداية وقصبة شالة.
وزيارة خاصة إلى مدينة سلا المغربية، ومجمع الصناعات التقليدية بها وغيرها من معالم المدينة الرومانية القديمة التي كل من زارها سلا عن همومه.
ومن الرباط إلى فاس والطريق المفروش بالأشجار والجبال، حيث انتقلت الكاتبة بالقطار المقسم إلى دواوين مثل قطارات أفلام محمد عبدالوهاب القديمة، وحديث مع إحدى الراكبات المغربيات بالديوان. وهنا يتمزج الجو المصري بالجو المغربي من خلال الحوار. فاسان وتوضح الكاتبة أن هناك فاسين، فاس المدينة القديمة، وفاس المدينة الجديدة، وبطبيعة الحال تختار زيارة فاس القديمة لتشم رائحة التاريخ والأصالة والعراقة، عن طريق الطاكسي (التاكسي) وأجرته 15 درهما (50 دولارا تعادل 480 درهما تقريبا).
وتنقل لنا في لغة آسرة أجواء فاس القديمة العبقة التي تعيش احتفالات دائمة.
وبعد كل هذا الزخم من المعلومات والشروح الأدبية المكثفة التي جعلتني أتشوق لزيارة تلك البلاد، متخذا من رحلتها القطقوطية إلى المدن المغربية دليلا وهاديا ومرشدا، تكشف لنا عزة بدر عن سر الزيارة وهو المشاركة في "ندوة التعاون المغربي المصري في مجال التقنيات الحديثة للإعلام"، والتي أقيمت في مدينة سلا بالتعاون بين جمعية الأخوة والصداقة المغربية المصرية والجمعية المغربية لخريجي الجامعات والمعاهد المصرية. رحلة شوق إلى الله ومن المغرب إلى الحجاز في رحلة شوق إلى الله "يا رب أحج وأطوف وأشوف حبيبي النبي أرتوي كام يوم"، حيث تكشف الكاتبة عن الأعماق الروحية لرحلة الحج ومناسكها وطقوسها، فضلا عن اكتشافها لمدينة مكة المكرمة وشوارعها وحوانيتها ومطاعمها وناسها سواء من أهلها أم من الحجيج الذين يجيئون من كل فج عميق، ويتفاعلون مع بعضهم البعض رغم اختلاف اللغات والأجناس والألوان وتعددها، حيث يجمعهم دين واحد، هو الدين الإسلامي. قطرة من ضياء أيضا الأجواء الروحانية في شهر رمضان في الحرم المكي تحدثنا عنه الكاتبة مصورة لنا بقلمها المرهف الحس حمام الحمى الذي يسعى متبتلا مسبحا، وكيف لك أن تصبح قطرة من هذا الضياء، أو تصبح طفلا في ساحة الحرم تلاعب الحمام، تسعى خلفه فيطير أو لا يطير، وأن تقف بأبواب البيت العتيق فتندم لأنك لست رساما ولا شاعرا فتسجل ما تشعر به.
ولكنها سجلت ورسمت وشرحت وأفاضت، فأخذت بتلابيب قارئها، وأمسكت بأهداب الشوق الذي كابدته "وإذ تبدأ رحلة الشوق لا تنتهي." كما تقول.
لقد خصَّت الكاتبة الرحلة إلى الحجاز بسبعة مقالات، في حين جاءت رحلتها إلى أوروبا في ستة مقالات، ورحلتها إلى المغرب في خمسة مقالات.
الأمر الذي يدل على شدة الشوق والحنين، فإلى جانب "يا رب أحج" و"في وصف الكعبة المشرفة" نقرأ "مسافرون إلى الله"، وهو عنوان يذكرني بعنوان مجموعتي الشعرية الأولى التي صدرت عام 1980 بعنوان "مسافر إلى الله"، و"روضة من رياض الجنة والدخول من باب جبريل"، و"من شوق الأصابع والأيدي" وغيرها.
وأنا أعتقد أن بعض فصول رحلة الكاتبة إلى الحجاز، ينتمي بطريقة أو بأخرى إلى أجواء روايتها الأولى "في ثوب غزالة" التي ترافق فيها الساردة المصرية زوجها الذي يعمل في مكة المكرمة، فتكشف عن بعض المستور في مجتمع النساء بالأراضي الحجازية، وخاصة أثناء حفلات العرس.
وتنهي الكاتبة رحلاتها الحجازية بزيارة مدينة جدة ورائحة البحر والكباب، بعد أن زارت المدينة المنورة ودخلت المسجد النبوي من باب جبريل، وزيارتها للبقيع، ومسجد قباء (أول مسجد بني في الإسلام). كان عهد جميل وتختم عزة بدر "رحلات بنت قطقوطة" مترنمة بكلمات أغنية أم كثلوم "كان عهد جميل .. حاسد وعزول .. والبال مشغول."، لتتركنا مشغولي البال بتلك الرحلات الرائعة التي قامت بها، فجمعت بين بلاد أوروبية وعربية من المشرق والمغرب العربي، طرنا إليها وحلقنا في أجوائها من خلال صفحات الكتاب الذي يقع في 130 صفحة وصدر تحت رقم 496 في سلسلة "كتاب اليوم" بدار أخبار اليوم بالقاهرة. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية