رجال الكرباسي: نصرة في ساعة العسرة

كتب ـ د. نضير الخزرجي
وما أكثر الإخوان حين تعدّهم ** ولكنّهم في النائبات قليلُ

تمر على المرء فترات عصيبة يجد نفسه وحيدا فريدا، يلتفت يمنة ويسرة لا يجد من يبث إليه همومه ويشاركه أتراحه، بل لا يجد حتى من يشاركه أفراحه، فتكون لحظات حزنه وفرحه لحظات دهر، طويل ليله مقيمة نجومه، ولجت ضياء سمائه في سمّ خياط الظلام، وقد يجد أهلا وأصحابا لكن شعورا بالوحدة ينتابه، لأن الأهل ليسوا بأهل لأن يكونوا أهلا عن حق وحقيقة، والأصحاب صحبهم التنائي والتباعد، فما أصبحوا عن حق وحقيقة بأصحاب، والأصدقاء صدف عنهم الصدق، فما أصدقوا النصيحة وما أصدقوا الصحبة، فالأهل غير الأهل والأصحاب غير الأصحاب والأصدقاء غير الأصدقاء والناس غير الناس، حتى ليتجلى الشعر المنسوب إلى أبينا آدم بعد فقد عزيزه هابيل: تغيرت البلاد ومن عليها ** فوجه الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي لون وطعم ** وقلّ بشاشة الوجه المليح
أرى طول الحياة علي غما ** وهل أنا من حياتي مستريح
فالصديق في ساعة العسرة نعمة، والصاحب والنصير في ساعة المحنة خير وبركة، والأهل عند مشتبك الأيام وتزاحم المهام قرة عين وسعادة، لأن الصديق والصاحب والنصير والأهل، كل أولئك يبان معدنهم عند الضيق وإذا ما ادلهمت الخطوب، وهؤلاء في العالمين قليل، وكما يقول أمير البيان والحكمة الإمام علي بن أبي طالب (ع): وما أكثر الإخوان حين تعدّهم ** ولكنّهم في النائبات قليلُ فالأخ والنصير هو الذي جرى وصفه على لسان الشاعر مسكين الدارمي ربيعة بن عامر (ت 89هـ): وليس أخي مَن ودّني بلسانه ** ولكن أخي مَن ودّني في النوائب
ومَن مالُه مالي إذا كنتُ مُعدماً ** ومالي له إنْ عضّ دهرٌ بغارب
أنصار أبرار وفي عرصات كربلاء المقدسة تجلّت أروع صور النصرة وأنقاها، حين التف جمع قليل من الأنصار والأهل حول الإمام الحسين (ع) وهو يقف وحيدا في مواجهة ثلاثين ألف مقاتل جاؤوا من كل حدب وصوب يريدون الحسين (ع) أسيراً أو مقتولاً، وهذا الموقف يسجله قائد جيش بني أمية عمر بن سعد الزهري (ت 66هـ) بعدما أنكر عليه أحد أصحابه قتله للإمام الحسين (ع) فاعتذر بشجاعة القوم واستقامتهم وأنشأ: قومٌ إذا نودوا لدفعِ ملمّةٍ ** والقوم بين مُدَعَّسِ ومُكردَسِ
لبسوا القلوبَ على الدروع وأقبلوا ** يتهافتون على ذَهابِ الأنفسِ
ولم يجانب الزهري الحقيقة، فالثلة المخلصة من أصحاب الحسين (ع) وأهل بيته، كانوا خير أنصار وخير أهل، وهو ما أبان عنه الإمام الحسين (ع) بقوله الشريف فيهم {أما بعد: فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي.}، فإذا كان الأصحاب في غزوة أحد قد تفرقوا عن رسول الله (ص) في أطراف الأرض أيد سبأ حتى وصل بعضهم ساحل البحر الأحمر، فإنَّ وادي كربلاء جمع الأصحاب والأنصار من كل ملة ودين ومذهب، فكان فيهم العلوي والبكري والعمري والعثماني والمسلم والمسيحي، وفيهم الطفل الرضيع كعبد الله بن الإمام الحسين (ع) ومنهم صاحب الشيبة كحبيب من مظاهر الأسدي.
هؤلاء الأصحاب تولى المحقق والبحاثة الدكتور محمد صادق محمد الكرباسي، ترجمة سيرتهم الذاتية في باب "معجم أنصار الحسين" وهو أحد الأبواب الستين من دائرة المعارف الحسينية، حيث صدر حديثا (2008)، عن المركز الحسيني للدراسات في لندن، الجزء الأول من مجلد "معجم أنصار الحسين .. الهاشميون"، في 454 صفحة من القطع الوزيري، حيث يضم هذا الباب ثلاثة أجزاء لتراجم الهاشميين ومثله لغير الهاشميين وللنساء جزئين. سارية الشهادة كل امرئ منقطع عن هذه الدنيا بموته، فالموت حق مكتوب على كل ذي روح ونفس سائلة، لكن الموت يأتي أو يؤتى إليه، والثاني هو العملة النادرة في عالم الشهود المنفتح على عالم الغيب، وإذا أتى شهادة في سبيل الحق، كان أعلى مراتب الموت شرفا، فهو حياة للمرء باطنة وحياة للأمة ظاهرة، وهذه الحقيقة الواقفة على أقدامها سجلها القرآن الكريم في مواضع عدة، منها قوله تعالى {ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون.} (سورة آل عمران: 169).
ولا مهرب عن الموت، فقد "خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة."، كما يشبهه الإمام الحسين (ع)، ولكن الشجاعة كل الشجاعة أن يموت المرء وهو يدافع عن حياض الحق ولا يبالي إن وقع على الموت أو وقع الموت عليه، وكما قال الشاعر أبو الطيب المتنبي أحمد بن الحسين الكندي (ت 354هـ): إذا لم يكن من الموت بدٌّ ** فمن العجز أن تموت جباناً ولذلك فحينما خُيّر الإمام الحسين (ع) في كربلاء بين أن يُسلِّم نفسه أو يشرب كأس المنون، قدّم الموت واسترخصه فهو للمؤمن بقضيته عز وافتخار، والسلة عار وشنار، فكانت العزة كل العزة في سلّ السيوف واستقبال الموت، والذلة كل الذلة في تقبل الأسر واستمراء الحياة، وهو القائل "ألا وإن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة يأبى الله لنا ذلك، ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام، على مصارع الكرام."
ولكن هل الشهادة هدف بذاته؟
يعتقد الفقيه الكرباسي "أن الشهادة ليست هدفاً في الشريعة الإسلامية، بل هي أعلى درجة ينالها الذي لا يألو جهدا في إحقاق الحق فيما أمر به الله، إطاعة له وقربة إليه، فالمؤمن لا يخيفه الموت إذا كان في سبيل الله، ولا يهابه القتال إن كان الهدف من ورائه حقا."، شريطة أن تكون الشهادة تحت راية إمام حق مبين، لا أنصاف رجال دين قصروا عن بلوغ الصواب كما قصرت ثيابهم عن بلوغ أقدامهم، يلعبون بعقول القصّر يزينون لهم الموت وهم في عز الشباب، ويرغبونهم بنهر من خمر وحور عين كعاب وهم بعد لم يمتاحوا من عيون الدنيا ولم يجربوا حظهم من حورها، فالشهادة بذاتها ليست هدفا، بخاصة اذا لم تورث عزّا، وكما يؤكد الفقيه الكرباسي "إن الذي يهدف للشهادة بذاتها فهو اختيار لا يجوّزه الشرع الإسلامي، إذ الشهادة إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، فإن تحقق الأول فهو الأولى، وإن لم يتحقق فوسام شرف يكرّم به."
فالشهادة سارية عالية المقام، لا ينال مراقيها إلا من وطّن نفسه على الخير والعمل في سبيل القضية المقدسة لإحقاق الحق والإنتصار للمظلومين، وراية الحق هذه رفع رايتها في كربلاء الثلة الطيبة من الأنصار من داخل البيت الهاشمي وخارجه. شياع خاطئ شاع في الأدبيات الحسينية، أن عدد من استشهد مع الإمام الحسين (ع) هم 72 نفرا، وهذا الرقم صار من الشياع بحيث لا يتعداه كاتب أو شاعر او خطيب، بل وأصبح عند البعض رقما مقدسا ومباركا، لقدسية الشهادة والشهداء، لكن ما توصل إليه البحاثة الكرباسي في باب "معجم أنصار الحسين"، يخطّئ من هذا الشياع الخاطئ، فالعدد أضعاف ذلك، وليس هذا من رجم الغيب وإنما من البحث والتنقيب في أمّات المصادر والمراجع والتحقيق فيها والمقارنة بين النسخ القديمة منها والحديثة، المطبوعة منها والمخطوطة.
ولذلك توفرت لديه أسماء جديدة كادت أن تندرس، ولتسهيل المهمة على الباحث والقارئ، قسّم باب الأنصار إلى الأنصار الهاشميين والأنصار من غير الهاشميين، والأنصار النساء، واختص الجزء الأول من المجلد الأول بعدد من تراجم الأنصار الهاشميين، نسبة إلى هاشم بن عبد مناف الجد الثاني للنبي محمد (ص) وكذا الجد الثاني للإمام علي (ع).
وكان من حرص العلامة الكرباسي في ترجمة الشخصية المعنية أن بحث في جذورها عبر الوقوف عند ترجمة الآباء والأمهات وتحديد سنة زواج الوالدين لتعيين سنة ولادة الشخصية أو وفاتها والتثبت من وجودها أو عدمه.
ولم تكن المهمة باليسيرة، فوقوف المؤلف على أدوات علم الرجال والحديث وتبحره في تاريخ النهضة الحسينية مكَّنه من استخدام الأدوات العلمية بصورة سليمة، استطاع بها إحياء الرمم من الأسماء المنسية، وترميم النقص في ترجمة الباقين، وإرجاع الكنية إلى اسمها وبالعكس أو فرزها.
ويصح عندي القول إن ما أتى به المحقق الكرباسي يرقى لأن ينسب إليه على طريقة تراجم الرجال في العهود الغابرة، فيصار هذا الجزء والأجزاء اللاحقة إلى أخذ عنوان "رجال الكرباسي"، مثلما يقال في تراجم رجال الحديث: رجال الطوسي ورجال النجاشي ورجال بحر العلوم ورجال الذهبي ورجال ابن حجر وغيرهم. حضور حي لم يخطئ أبو الفرج الإصبهاني علي بن الحسين القرشي (ت 356هـ) عندما سمّى كتابه المقاتل بـ "مقاتل الطالبيين" نسبة إلى ذرية أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب (3 ق.هـ)، لأن معظم الشهداء من بني هاشم هم من آل أبي طالب، وهذه الصفة انسحبت إلى واقعة كربلاء فكان الشهداء الهاشميون من هذا البيت الطالبي، وحسب تعبير المؤلف "إن أنصار الإمام الحسين (ع) الهاشميين والذين هم من أهل بيته وأقربائه كلهم كانوا من أبي طالب دون غيره، فلو أطلقنا عليهم (الطالبيون) لكان عين الحقيقة."
فالطالبيون كان لهم حضورهم الحي في قلب الرسالة الاسلامية بدءاً من جدهم أبي طالب، الذي وقف ينافح عن رسول الله (ص) ويدافع عنه ويفديه بنفسه وولده، وهو القائل للنبي محمد (ص): إذهب يا بن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبداً وأنشأ من البسيط: والله لن يصلوا إليك بجمعهم ** حتى أوسَّدَ في التراب دفينا
فأنفذ لأمرك ما عليك مخافة ** وابشر فقد قرّت بذاك عيونا
ودعوتني وعلمتُ أنّك ناصحي ** ولقد صدقت وكنت قبلُ أمينا
وذكرتَ ديناً لا محالة أنه ** من خير أديان البرية دينا
ناضل آل أبي طالب دون الرسول (ص) فكان علياً في الميدان وكان جعفرا، وسار على هذا الدرب أبناء علي وجعفر وعقيل، فنصروا الحسين (ع) في طف كربلاء، مستلهمين العبر من جدهم أبي طالب الذي أنشأ في الرسول محمد (ص) عندما استسقى به أهل مكة، من الطويل: وأبيض يُستسقى الغمامُ بوجهه ** كمال اليتامى عصمة الأراملِ
يطوف به الهلاف من آل هاشم ** فهم عنده في نعمةٍ وتفاضلِ
كذِبتمْ وبيت الله يبزي محمد ** ولمّا نماصعُ دونه ونقاتلِ
ونسلمه حتى نُصرع حوله ** ونذهلُ عن أبنائنا والحلائلِ
حتى إذا ما أخذ الموت أبا طالب اغتم النبي محمد (ص) وسمي ذلك العام بعام الأحزان لوفاة أبي طالب وخديجة فيه، حيث فقد المعين والنصير والوقاء.
لقد وجد الإمام الحسين (ع) النصرة في ذرية جده أبي طالب، فكانوا نعم الإخوان وأبناء العم ونعم الأنصار، ولذلك فلا غرو أن يزور الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) العباس بن علي بن أبي طالب (ع)، ويبين في الزيارة حميمية الأخوة بين العباس (ع) وأخيه الحسين (ع)، فيسلم عليه ويقول:
"السلام عليك يا أبا الفضل العباس ابن أمير المؤمنين، السلام عليك يا بن سيد الوصيين، السلام عليك يا بن أول القوم إسلاماً وأقدمهم إيماناً وأقومهم بدين الله وأحوطهم على الإسلام. أشهد لقد نصحت لله ولرسوله ولأخيك فنعم الأخ المواسي، فلعن الله أمة قتلتك، ولعن الله أمّة ظلمتك، ولعن الله أمّة استحلّت منك المحارم وانتهكت حرمة الإسلام، فنعم الصابر المجاهد المحامي الناصر والأخ الدافع عن أخيه، المجيب إلى طاعة ربّه، الراغب فيما زهد فيه غيره من الثواب الجزيل والثناء الجميل، وألحقك الله بدرجة آبائك في جنات النعيم." شيوخ شباب ما يلاحظ في الفئات العمرية لشهداء الطف، أن معظمهم من الفتيان والشباب، بل أن شيوخهم كانوا في ساحة الوغى كليوث العرين، تحسبهم من خفة الحركة ونطع السيوف وتساقط الرؤوس شبابا يقطرون فتوة، يخطون الأرض بأقدامهم ويثيرون غبارها، وبها يرجفون الرجال الصناديد كسعفة في يوم عاصف.
ولأن بعض الأمر كذلك، فإن وزير الشباب والرياضة في جمهورية العراق جاسم محمد جعفر، تناول هذا الجزء من الكتاب بقراءة من وحي الواقع الشبابي، لذلك رأى الوزير العراقي "أن الجهد الكبير المبذول في خط مفردات هذا الكتاب والقيمة الخلاقة في محتواه وما يمثل من أهمية للمرحلة نرى أنه من واجبنا الإنساني أولا والمهني، لكون وزارتنا تعني بشريحة شبابية مهمة من المجتمع العراقي، أن نسهم بكل ما نستطيع في دعم مشروع هذه الموسوعة العملاقة والتي وضعها سماحة الفقيه الشيخ محمد صادق الكرباسي."
وحسب تعبير وزير الشباب والرياضة العراقي "حُظيت بالكتابة عن أولى الأجزاء المتعلقة بأنصار الإمام الحسين (ع) لاستلهامه المهم في كشف غطاء التضليل لتاريخ تلك العينة المهمة من أبناء بيت النبوة وانعكاس تجربتها للمستقبل الذي يمثل الشباب ركنه الأساس في البناء الأخلاقي الإنساني."
ولأن التاريخ عبرة واعتبار، فإن كتابة التاريخ كما قام في بعضه المحقق الكرباسي عبر تراجم الأنصار، ليس مجرد توثيق لمراحل السنين، كما يعتقد الأستاذ جعفر "بل هو معيار لاستنار الفكر البشري في الإفادة الجادة من تجربة أبطاله، لذا كانت الوثائق التاريخية من أعظم وثائق التمحيص والتحليل. إن خطّي التاريخ النقلي والتحليلي تمثل فائدة كبيرة كل في اتجاه مستقل أو مترابط." د. نضير الخزرجي ـ إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات – لندن alrayalakhar@hotmail.co.uk