رجال الدين في العراق وايران: دليل الفروقات والمفارقات

(قبل الشروع بكتابة هذا المقال، نرجو من الجميع عدم الخلط وبناء الظنون، فأننا نتكلم عن رجال الدين السياسيين، وعن الفقهاء الكبار الذين دعموا هؤلاء، ولسنا بصدد الحديث عن الجميع، والذين لم يشتركوا ولم يدعموا هؤلاء.. لكي لا نقع ضحيّة التأويل والتخمين!)
نحن نعرف إن من تبوأ العملية السياسية والحكم في العراق بعد سقوط النظام هم رجال الدين السياسيين من أصحاب السماحة والفضيلة، والذين دُعموا من قبل رجال الدين الروحانيين والفقهيين الكبار، ونتيجة هذا كان يُفترض أن يحل العدل والمساواة، والمحبة والتآخي بين أفراد وشرائح الشعب المذهبية والدينية والإثنية والجهوية، والعمل على طي صفحة الألم والجراح والماضي نحو بناء مستقبل جديد للعراقيين، وبالإرتكاز على الفلسفة الإسلامية في الحكم، والتي شعارها "وأمرهم شورى بينهم" أي التداول والنقاش والحوار، أي الديموقراطية بالإصطلاح الحديث ومنع الإنفراد بالقرار من قبل الفرد والجماعة.
ولكن كل هذا لم يحصل، بل حلّ محله وبدعم من رجال الدين السياسيين، ومن وراءهم الروحانيين والفقهيين الإقصاء والإصرار على الثأر، ونشر الحقد والضغائن والكراهية، وبسط المشروع الطائفي والمذهبي، وتحالفوا مع أصحاب المشروع الإثني (الأكراد) وبإتفاقيات علنية وسريّة، وشرعوا بمحاسبة الناس على أفكارها وإنتماءاتها وأزياءها وطريقة تعبّدها ومشيتها وسلوكها وألقابها، حتى وصل الأمر الى التدخل في الأمور الشخصية والعائلية، حول نوعية الأزياء والإكسسوارات والحلاقة والتجميل، وتطور الأمر ليصل الى بسط مشروع الجريمة المنظمة والمافيا في العراق، فتجسدت ثقافة التهريب والمخدرات والخطف والفدية والإحتجاز والمساومات وبتر الأعضاء والخطف والتهجير والتفجير والقتل والتغييب والتسفير، ونسج الإعترافات الوهمية والمفبركة ضد الخصوم، وضد الناس، وحسب المزاج، فغرق العراق في الفوضى واللانظام من خلال الإصرار على تطبيق النظريات الطالبانية الأفغانية في العراق، وضمن مشروع الإسلام الأميركي الذي هدفه تطبيق ما تأمر به الإدارة الأميركية واللوبي اليهودي، من أجل بسط المشروع الصهيوني في العراق والمنطقة، كي تتجسد إسرائيل الكبرى (الشرق الأوسط الكبير).
ومن خلال هذه المفاجآت التي كبرت، وأصبحت هالات وغيوم فوق رؤوس الناس، وأصبحت تشكل ثقلا كبيرا وخجلا مريعا للعراقيين بشكل عام، وللشيعة العراقيين بشكل خاص، وخصوصا عندما يُسألون من قبل الشعوب وأصحاب الأديان والمذاهب الأخرى، وكذلك خصوصا عندما تتم المقارنات التاريخية بين الأحداث الماضية وما يحدث الآن، فيما لو أخذنا ما فعله ابن العلقمي عندما سلّم مفاتيح بغداد الى الغزاة، فما هو الفرق اذن بين ابن العلقمي السابق وابن العلقمي الجديد، فالأول سلم مفاتيح بغداد، والثاني (الحالي) سلم العراق وختم وخاتم الفتوى، ومعهم سلّم المصحف هدية الى بول بريمر وكولن باول مع قبلة كبيرة بالفم نيابة عن الكبير الخاص بهم.
فأين الخلل؟
هل إن المقعد الإسلامي والشيعي مسلوب بطريقة سريّة، ومنذ زمن بعيد، وأصبح السواد الأعظم ضحية لعملية نصب وقرصنة وإحتيال لا مثيل لها في التاريخ؟
هل أن العراقيين يقلدّون ويتبعون ويقدمون النذور والقرابين والولاء الى رجال دين ليسوا منهم، ولا من سلالتهم، ولا حتى من أقوامهم وأديانهم؟
هل أن العراقيين وقعوا ضحية مشروع مترامي الأطراف (سياسي وديني وروحاني وإستراتيجي) وبإشراف سري من اللوبيات التبشيرية والفاتيكانية والإنجيلية المتشددة، فوزعوا رجالهم ومنذ زمن بعيد في المحافل الدينية والفقهية والروحانية والإفتائية الإسلامية والمذهبية؟
فهل الخلل في الشعب العراقي والمسلمين فيه، أم الخلل في الأنظمة التي تعاقبت على حكم العراق، أم الخلل في محافل المثقفين والمفكرين والمتعلمين، ومعهم الطبقات السياسية الليبرالية والعلمانية والقومية والعروبية في العراق؟
فالجواب على جميع الأسئلة التي وردت وللأسف بـ "نعم" كبيرة جدا وبحجم خارطة العراق.
فإن مشكلة العراق هم هؤلاء الناس، أي رجال الدين السياسيين، ومن وراءهم الفقهاء والعلماء الذين يؤيدون سياساتهم، ولن تقوم للعراق قائمة بعد الآن إن لم يتم تحييد هؤلاء عن السياسة والدولة والقرار، لأنهم خطر حقيقي على الإسلام والأديان الأخرى، وخطر على العراق والمنطقة برمتها، وخطر حقيقي على المجتمع العراقي، وعلى الخارطة العراقية من حيث الأرض والسماء والماء والثروات والناس والأجيال، لأنهم غلّفوا الدين والوطن والمذهب والمستقبل بالخزعبلات والروحانيات الدخيلة وعلى الطريقة التلمودية، وأجبروا الناس على قبول النظرية التي تقول "أن الجنة والنار، والبناء والإعمار، والتعلّم والتفكّر، والإبداع والإجتهاد والحياة والموت، والإستمرار والعطاء، والتوبة وقبول الأعمال" لا تتم جميعها الا من خلالهم، وخلال مكاتبهم ووكلاءهم، وهي عودة لنظام الكنيسة وطبقات النبلاء. أي بمعنى أنهم حولوا العراق الى كرة ودحرجوها الى الوراء حيث عصور التخلف والظلام، وعلى السواد الأعظم قبول ذلك، ومن يعترض عقوبته التسقيط إجتماعيا ودينيا وسياسيا إن كان رمزا، والتهجير نحو الخارج إن كان من مذهب آخر، ومن مدرسة سياسية أخرى، والإعتقال والقتل والتغييب إن كان يملك عقلا وفكرا يستخدمهما للتفكير والتمييز، والمنع من الدخول نحو العراق إن كان يمتلك كاريزما ومنطق، وأدلة وعلاقات مع وسائل الإعلام والناس لأنهم يعتبرونه خطر على مشروعهم من وجهة نظرهم، وأصبح الوطن مكانا للإنتهازيين والمتلونيين والطائفيين والمنبطحين والمهربين والقتلة والجواسيس والعملاءـ وللذين طبقوا شعار "لا أرى لا أسمع لا أتكلم / أي الشياطين الذين أصابهم الخرس بأوامر هؤلاء، أو بأوامر لقمة العيش أو بأوامر الجبن والتخاذل" فهؤلاء جميعا مرحب بهم وبقوة، أما الكاظمين للغيظ وهم الوطنيين والشرفاء والأحرار،فهؤلاء مشروع جاهز للإعتقال والتهجير والتغييب والقتل وبأية لحظة ومزاج.
ولا يظن البعض أننا نتكلم عن الجانب الشيعي فقط، فالمأساة قائمة هي الأخرى في الجانب السني، فهناك شرائح المتسلطين مذهبيا ودينيا وسياسيا وعلى نفس القياسات والأفكار السوداوية والسلفية، والحالمة بتطبيق دولة الخلافة الإسلامية على الطريقة الأميركية والصهيونية،وهكذا هناك طبقات بين المسيحيين ايضا والتي إنبطحت وأصبحت سكينا ضد الوطن والشعب والمسيحية، وضد مستقبل الشرائح المسيحية، أي تصهينوا وأصبحوا من الإنجيليين. المتشددين جدا.
ولكن: لماذا السياسيين من رجال الدين في إيران ومن وراءهم الفقهاء الكبار يشجعون الإبداع والإكتشاف والعلم والعلماء والمتعلمين، ..... وفي العراق يطاردون المبدعين والعلماء والمكتشفين وأصحاب الكفاءات من أجل تهجيرهم وقتلهم؟
لماذا يميلون في إيران نحو التمدن والوسطية والحضارية في التعامل مع الناس والنساء والعادات والتقاليد والأزياء والإكسسوارات وغيرها ...... ... وفي العراق حولوا المرأة الى كائن غريب من حيث الملبس والفتاوى والقيود، وأصبحوا يعاملونها على أنها النجاسة كلها، وأصبحوا يتعاملون مع أصحاب الأفكار الأخرى على أنهم من الكفار، أما صالونات الحلاقة فتم تفجيرها وحظرها وقتل عدد كبير من الحلاقين والحلاّقات، ومنعوا الإكسسوارات منعا باتا وحتى بيع الأشرطة والـ CD، ويقتل من يعارض الفرمانات الصادره منهم؟
لماذا في إيران يفتخرون ببلدهم وحضارتهم وشعبهم وتاريخهم ولغتهم ....... وفي العراق يعملون ليل نهار من أجل تقسيم العراق، وتحطيم الرموز الحضارية من آثار وتماثيل وجداريات ورسوم واللوحات التشكيلية، ويحاولون تحقير الشعب العراقي ومطاردته في رزقه وعيشه وفي المزرعة والمؤسسة والمدرسة والجامعة، وفي جميع ميادين الحياة، أما التاريخ فيحاولون طمسه تماما،ويحاسبون كل من يتكلم عن تاريخ العراق وتاريخ العرب، أما اللغة العربية فأصبحت تسبب لهم الحساسية والهستيريا، ووضعوا بنودا في الدستور العراقي لمحوها وقتلها عندما أجازوا إستخدام اللهجات كلغات رسمية في المدن والمحافظات، وجيشوا إعلامهم من أجل تثقيف الناس بأن عدوهم الأول العرب وليس إسرائيل؟
لماذا يثقفون في إيران شعوبهم على الشموخ القومي والوطني والعلمي والتكنولوجي.... وفي العراق يعلمون الشعب العراقي على النواح والبكاء والعويل، وعلى ممارسة الطقوس الغريبة والدخيلة، ويعتبرون الإبداع في العلم والتكنولوجيا نوعا من مساندة الإرهاب والإرهابيين، ويجيشون حناجرهم وأبواقهم ليل نهار ضد المشروع القومي وضد القوميين والعروبيين، وضد العرب في العراق وخارج العراق؟
لماذا في إيران يكرهون إميركا وإسرائيل .... وفي العراق أصبحت أمريكا والبيت الأبيض قبلتهم ومرجعيتهم، وأصبحت إسرائيل شريكهم في المشاريع العمرانية والإقتصادية والتجارية؟
لماذا يُعاقب بأشد العقوبات من له اتصالا أو علاقة ما مع المشروع الأميركي في إيران والمنطقة.... لكنه يكرّم ويُحترم في العراق ومن قبل الأحزاب والشخصيات والمراجع الإسلامية، وكذلك يكرّم من هو منغمس مع المشروع الأميركي ويًحترم أكثر من له علاقات مع المخابرات الأميركية (سي أي إيه)؟
لماذا يثقف ويدعم كبار الفقهاء والمراجع في إيران كل من يعلن الثورة والعمل ضد الإحتلال والمشروع الأميركي والصهيوني .. ...وفي العراق دعى ويدعوا كبار الفقهاء والمراجع الى عدم الثورة والعمل ضد الإحتلال وضد المشروع الأميركي والصهيوني، بل يصدرون فتوى بنفيه وتهجيره وقتله؟
فهل الخلل بالمواطنة أم بالعِرق أم بالولاء؟
أم أن هؤلاء الذين في العراق لبسوا اللباس العراقي والإسلامي، وتكلمون بلسان عراقي زورا،وأنهم من أعراق وأقوام وأديان أخرى؟
ولكن السؤال الأهم:
فمن خلال المقارنات أعلاه نجد أن هناك اختلافا شاسعا بين الإسلاميين السياسيين والفقهاء والمراجع الذين يساندوهم في العراق وبين نظرائهم في إيران، ولكن لماذا يُستَقبَل هؤلاء وبالأحضان من قبل القادة السياسيين ورجال الدين في إيران؟
فهل أن الأمر يصب في إستراتيجية التقيّة، أم أن هناك ود سري بين الطرفين ... أم أن إيران تريد استغلال هؤلاء لمرحلة محدّدة ليكونوا مطيّة لها،وحلقة وصل بينها وبين الولايات المتحدة إلى حين؟
فالأمر متشابك وخطير، وصدق رئيس مجلس النواب (السلفي) محمود المشهداني عندما قال قبل يومين "لقد سقط المشروع الإسلامي والإسلاميين وبإمتياز في العراق" وبالفعل هذا ما نراه ونلمسه من خلال أحاديثنا وحواراتنا مع العراقيين، أي أن هناك طلاقا وكراهية وبدرجات مختلفة للإسلاميين، والى المشروع الإسلامي في العراق،ـ خصوصا بعد أن ثبت وبالأدلة أنه مشروع أميركي، وإن رجاله وبنسبة 80% منهم هم من المنغمسين في المشروع الأميركي، وهذا يعني أنهم من المنغمسين في المشروع الصهيوني لأنه في رحم المشروع الأميركي. سمير عبيد
كاتب ومحلل سياسي
مركز الشرق للبحوث والدراسات