رباب كمال تؤكد أن الأخوات المسلمات روجن لنموذج إيران الإسلامية

تأثير الخطاب الأصولى على المرأة

شكل المرأة وقضاياها المحورية المتمثلة في واقع تأثير الخطاب الأصولي الديني عليها محور الرؤية الرئيسية التي تناقشها وتحللها الباحثة رباب كمال في كتابها "نساء في عرين الأصولية الإسلامية"، والتي أكدت فيه أن الخطاب الأصولي الإسلامي اعتمد سيكولوجية ترهيب المرأة بعذاب وغضب السماوات إن لم يلتزمن بما أسموه الزي الشرعي، وعلى تحريض المجتمع عليها إن تخلت عنه، وهنا ظهرت فتاوى استحلال النساء وبات شعر المرأة أخطر من الأحزمة الناسفة، وكعبها العالي أخطر من السيارات المفخخة وعطرها يثير الفتنة أكثر من الاعتداءات الطائفية، وتم استحداث فتاوى متطرفة اعتبرت الرجل الذي يترك نساء بيته متبرجات متزينات بلا حجاب رجلا ديوثُا على اعتبار أن التعريف اللغوي للديوث هو من يرضى الفجور في أهله بيته حتى لو لم يكن هذا الفجور هو الزنا، وقد ورد هذا التعريف في لسان العرب الذي جمعه وألفه الفقيه الإسلامي ابن المنظور، فأصبح كعب المرأة وشعرها وتزينها فجورا يستحق الرجل أن يوصم بالدياثة بسببه.

الكتاب الذي خاضت مؤلفته تجربة الاقتراب من عالم الإخوان المسلمين حيث قضت ما يقرب من العام في حالة تواصل مع الأخوات المسلمات بعد أن تم استقطابها من داخل أحد مساجد القاهرة، وكانت قد تحدثتُ بشكلٍ مقتضب عن تجربتها تلك في كتابيها "من وحي العلمانية"، و"دولة الإمام" كشفت عن تفاصيل أكثر وضعت الخطوط العريضة لتجنيد الأخوات المسلمات للفتيات وكذا أدبيات الإخوان تجاه المرأة والمجتمع، مؤكدة أن "تجمعات الأخوات كانت تستهدف استقطاب المزيد من الفتيات وكان يتم من خلالها أيضًا الإعلان عن زيارات للملاجئ أو للأسر التي تحتاج لبعض المستلزمات وكان التركيز على توفير الأدوية الناقصة لأفرادها المحتاجين من خلال صيدليات بعينها، وقد شاركتُ في بعض هذه الزيارات ـ في مرحلة استقطابي بشرط الالتزام بالزي الشرعي أي الحجاب ـ وحينها لم تتحدث الأخوات عن كفاح الإخوان المسلمين بل استخدمن مفردات على شاكلة "العودة لفطرة الإسلام، الإسلام هو الحل، اللهم أعنا على المتجبرين، اللهم ارضَ عنا بحاكم مسلم".

وفي هذا الإطار ناقشت الكاتبة عددا من الكتب التي تحمل أدبيات الإخوان المسلمين والتي منحها لها الأخوات المسلمات ومنها كتاب "هل نحن مسلمون" لمحمد قطب، قالت "تقمص القلم القطبي دور المسلم الغيور الذي يتحسر على دينه ومن ثم بدأ محمد قطب يأخذنا إلى منطقة تأنيب الضمير لما وصل إليه حالنا وبدأ القلم يشحذ الهمم على تغيير الحال وحمل الآخرين على تغيير الحال في طريق إقامة المجتمع الإسلامي ونبذ مدنية الدولة ويختتم كتابه قائلا "ماذا تساوي كل التضحيات والآلام التي تحملها أجيال من المسلمين ليعقدوا الجسر فوق الهوة الحالية بين الـُكفر الملحد والإسلام، لا شيء، تضحيات مضمونة في السماء والأرض ولينصرن الله من ينصره، إن الله قوي عزيز".

وأضافت في كتابها الصادر عن دار ابن رشد بالقاهرة "كان هناك كتاب حرصت تلك الأسرة من الأخوات على توفيره لعدد كبير من الفتيات المترددات على نادي الشمس أو المسجد الذي يطل على بوابته وكان الكتاب بعنوان (الأخوات المسلمات وبناء الأسرة القرآنية) من تأليف محمد عبدالحكيم خيال ومحمود محمد الجوهري، وهذان الاسمان لهما ثقلهما واهتمامهما بطرح منظور الجماعة لدور المرأة يصب في خضم ُخطة منهجية لتطويع النساء سياسيًا، وظهر هذا جليًا في مقدمة الكتاب: إلى الرعيل الأول من الأخوات المسلمات أول من حملن عبء التحول الإجتماعي الإسلامي. لقد أدرك الإخوان وتيارات الإسلام السياسي أن التحولات الإجتماعية الإسلامية (أسلمة المجتمع) هو الطريق الممهد للتمكين السياسي للإخوان المسلمين، ويلعب الزي الإسلامي للنساء دورًا هائلا في هذه المنظومة، فيواكب الرجال صيحة التمدين من قميص وبنطال ويخلعون الجلابيب ليتركوها للنساء اللاتي يتحملن رفع شعار الإسلام في حجابهن، وقد نجحت هذه الدعوة، فخرجت من نطاق الإخوان المسلمين وتبناها من هم خارج التنظيم بل وصلت للإذاعة والتليفزيون والمسارح وأروقة الثقافة التي تعرضت لنيران الزحف المقدس".

ورأت رباب كمال أن كتاب الأخوات المسلمات كان قائمًا وموجهًا إلى المرأة المسلمة التي ستعيد الصبغة الإسلامية للمجتمع بحجابها وطاعتها لزوجها ومكوثها في المنزل وعدم تبحرها في التعليم! ولأن المرأة هي مربية الأجيال، فكان على الكتاب التطرق لمفهوم الوطن الذي ستغرسه الأم في عقول ونفوس أولادها. ولم يكن هناك مفهوم للوطن لدى الإخوان بل كانت هناك فلسفة "لا وطن إلا الإسلام".

وهنا انتقد كتاب الأخوات المسلمات مفهوم الوطنية في العبارة التالية: "للمرة الأولى في البيئة الإسلامية نجد كلامًا عن الوطن والوطنية وحب الوطن بالمعنى المادي الوثني الذي شاع في الفكر الأوروبي الحديث والذي يقوم على التعصب لمساحة محدودة من الأرض، فالوطنية مزقت وحدة البلاد الاسلامية".

وهذه العبارات تحديدًا جعلتني أتوقف ثانية للتفكير مليًا فالإخوان يرفضون التعصب لمساحة محدودة من الأرض لكن لا مشكلة لديهم في التعصب لدينهم أو مذهبهم أو جماعاتهم! وهنا رصدنا انفصامًا آخر. كما أن الإخوان وصفوا أي انتماء للأرض بالوثنية، وحاولوا وصم مفهوم الوطنية بأنه فكر مستورد أوروبي تغريبي، بالرغم من أنه فكر نابع عن تطور الحركة الإجتماعية في العالم، وأخيرًا اعتبر كتاب الأخوات المسلمات أن الوطن سبب تمزيق بلاد المسلمين أي أن الوطن هو تضاد الإسلام حسب مفهومهم، فالولاء هنا للعقيدة لا للأرض، حتى وإن جمعت الأرض عليها أناسا من عقائد ومذاهب مختلفة، وهكذا كان مفهوم الوطنية لدى الإخوان مفهوم طائفي. راهن الإخوان على أن أسلمة المجتمع ستتحقق من خلال أسلمة النساء، لأنهن سيحرصن على تنشئة أولادهم على تلك المفاهيم التي تؤكد أن الإسلام هو الوطن، وأن الانتماء للأرض مجرد وثنية.

وبخلاف كتاب "الأخوات المسلمات" "وبناء الأسرة القرآنية"؛ تطرقت رباب كمال لكتاب آخر قالت إنه يشار إليه بالبنان وهو "إلى كل فتاة تؤمن بالله" للشيخ محمد سعيد رمضان البوطي وكان الكتاب أيضًا ضمن سلسلة قراءتي في الفترة التي صاحبت فيها الأخوات المسلمات، ركز الكتاب على ضرورة الحجاب والاحتجاب مع التشديد على أن الله ابتلى الرجال بالفتنة والمرأة هي المسؤولة عن فتنة الرجال!

وسأكتشف فيما بعد أن هذا الكتاب كان ُيوزع بواسطة الإخوان المسلمين في كلية الطب جامعة القاهرة في سبعينيات القرن الماضي أي فور صدوره؛ وكان هذا بشهادة د. عصام العريان وهو أحد قيادات جماعات الإخوان المسلمين في حديث مسجل له عام 2012 فور وصول جماعة الإخوان المسلمين لحكم البلاد".

وأكدت أن منهجية الإخوان المسلمين وإن دلت على شيء فهي تدل على سياسة النفس الطويل، فبدأت دعواتهم بارتداء الإيشارب حتى لو كان على مجرد تنورات تصل لمنتصف الساق وكان ذلك مشهدًا واسع الانتشار فيما سبق في ثمانينيات القرن الماضي، وبعدما اطمئنوا لاعتياد الحجاب، سعوا في نشر ثقافة الجلباب بين الطبقات المتوسطة، فالطبقات المعدومة أو الدنيا أو الشعبية كان قد ارتدت الجلباب في وقت مسبق.

لقد زحف الإخوان على المجتمع كما زحف الجلباب والحجاب على جسد المرأة، والحجاب والجلباب أكثر من مجرد دعوى للتقوى بل فيه رمزية وواجهة للمجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية الدينية التي يسعون لحكمها. وقاموا بترويج وتسويق تلك المفاهيم على أنها مفاهيم وسطية تمهيدًا للحظة اقتناصهم عرش مصر المحجبة المجلببة، ومن هنا لن يضطر الإخوان ـ حال وصولهم للحكم ـ لفرض الحجاب كما فعل الخميني في بلاده، ويصبح الحجاب اختيار مصر الإسلامية، وهو ما يفسر توزيع الإخوان لكتاب "حجاب المرأة المسلمة".

قسمت رباب كمال كتابها لسبعة أبواب بحثت خلالها عن إشكالية الخطاب المناهض المحرض ضد المرأة، من بينها الذي حمل عنوان "روح الله في مواجهة نساء الفرس" وفيه عرضت نموذج لإيران الدولة المدنية التي تحولت لدولة إسلامية، ومؤكدة أن "الأخوات المسلمات في مصر كانوا السبب في اهتمامي بوضع المرأة في إيران، حيث أشدن بحقوق النساء في إيران مرارًا وتكرارًا وتم الترويج لإيران على أساس أنها النموذج الإسلامي الديمقراطي المنشود، وأنه نظام كفل حقوق المرأة كاملة بدون مواربة، وقد ساعدت الأخوات المسلمات على ترويج هذا المفهوم في الدروس الدينية التي كنّ يحرصن على إقامتها، بل أن تجاهل دور الحقوقيات في إيران أثار فضولي بالنسبة لنوعية الديمقراطية والنسوية التي يتحدثن عنها الأخوات المسلمات، والغريب في الأمر أنهن لم يتطرقن أو لم يركزن على الاختلافات المذهبية بينهم كجماعة سنية وبين إيران كدولة شيعية".

واستعرضت رباب كمال حال النساء في إيران إبان الثورة الإسلامية عام 1979 وما جرى بعدها لافتة إلى نماذج مضيئة للمرأة الإيرانية كافحت ولا تزال ضد الفكر الظلامي وما يمارسه على النساء الايرانيات، وقالت مناقشتها للأمر كان ضروريًا لأسباب عدة من أهمها:

أولًا: أن نموذج إيران الإسلامي تم الترويج له قبل عام 2011 في مصر على أنه النموذج الإسلامي الديمقراطي المنشود وأنه نظام كفل حقوق المرأة كاملة بدون مواربة، وقد ساعدت الأخوات المسلمات في مصر على ترويج هذا المفهوم في الدروس الدينية التي كنّ يحرصن على إقامتها بل أن تجاهل ما تتعرض له المرأة في إيران وتجاهل الحقوقيات من أمثال شيرين عبادي أثار فضولي بالنسبة لنوعية الديمقراطية والنسوية التي يتحدثن عنها الأخوات المسلمات.

ثانيًا : بالرغم من أن الاختلافات كانت مذهبية بين دولة الملالي في إيران وبين جماعة الإخوان المسلمين إلا أنه جمعهما نظرية الحاكمية والإمامة، ولا يجب أن نغض البصر عن ذلك التشابه التنظيمي حتى وإن لم يكن متطابقًا بالحرف، فكلاهما ينشد إقامه الحاكمية الآلهية، أي حكم الله من خلال إمام على الأرض؛ حيث يقبع على قمة الهرم في تنظيم الإخوان المسلمين مرشد عام بينما تحظى إيران بالمرشد الأعلى والفرق الجوهري بينهما هو أن الخميني تمكن من إحكم سيطرته على مؤسسات الدولة في إيران عام 1979 وجعل من المرشد العام وليًا فقيها حاكمًا ورئيسا لجيشها بينما لم يتمكن الإخوان من المؤسسات في مصر بعد صعودهم لسدة الحكم في 2012 وظل المرشد العام أعلى سلطة للجماعة فقط وبالتالي فإن الافتراض بأن مصير نساء مصر كان سيصبح مختلفًا عن مصير نساء إيران؛ ما هو إلا إفتراض في غير محله، خاصة بعدما عرضنا الأدبيات الـُمؤسسة لفكر جماعة الإخوان المسلمين تجاه النساء والتي شكـّلت ايديولوجية الأخوات المسلمات أنفسهن. الإخوان في مصر لم يتمكنوا من تنفيذ وتفعيل رؤيتهم الحقيقة لدور المرأة لأن مقاليد السلطة لم تكن في أيديهم بشكل متكامل.

ثالثًا: الانقلاب على المدنية وتأسيس الثيوقراطية الإسلامية ليس احتمالًا بعيدًا طالما أن الفكر العام السائد لدى الشعوب هو الحكم باسم الله على الأرض، وأنه في حال وصول نظام ثيوقراطي كاملًا لسدة الحكم، ستصبح حقوق المرأة أول ضحايا تلك الأنظمة، كما أنه لا يجب اختزال الأمر في عزل جماعة الإخوان عن الحكم، فهناك نساء يعشن في بيئات أصولية بحكم العرف السائد في بعض المناطق الجغرافية أو السكنية، حيث تعتبر سطوة رب العائلة أقوى من سلطة القانون الذي لا يحميها أو الذي يجعلها تحت ولاية الأب أو الزوج وسنتطرق لها الأمر في باب "أسلمة حقوق المرأة في الخطاب والتشريع الحكومي".

رابعًا: يجب أن ننتبه كذلك إلى أن هذه التنظيمات الإسلامية المختلفة قد سعت إلى ترسيخ مفاهيم امتهان المرأة وإزدرائها لذاتها، لتضمن خمول ثورة المرأة وخنوعها حين ُتغتصب حقوقها، كما تسعي التنظيمات السياسية الإسلامية لتمكين النساء الداعمات للأنظمة، ليس بغرض منحها حقوقها وإنما لاستخدامها وحشدها وتطويعها لخدمة الدولة الإسلامية.

وفي الباب الثالث ناقشت رباب كمال إشكالية حقوق المرأة في السعودية، وتبعات الفكر الوهابي الذي لم يبق حبيسا للحدود والجغرافيا. وتطرقت لجملة ما يعرف بالإصلاحات التي طرأت مؤخرا في السعودية وأثرها على البلاد المحيطة، ولو أن هناك خطورة كبيرة فيما يروجه الإعلام في العالم العربي والمصري بأن قضية التطرف بشكل عام والتطرف تجاه المرأة تنحل ببضعة إصلاحات، فالأمور أكثر تعقيدًا ونخشى من تناولها بسطحية، كما حللت بعض ما جاء على لسان ولي العهد محمد بن سلمان والذي حاول إقناع العامة بأن الأوضاع في المملكة كانت تتسم بالسماحة والوسطية قبل عام 1979 وسنفند هذه الإدعاءات بالأدلة التاريخية.

وتحت عنوان "نساء في ظل حكومة الله، أسلمة حقوق المرأة في الخطاب والتشريع الحكومي" تطرقت للمواقف التشريعية التي تجمع الدولة مع تيارات الإسلام السياسي، فبعض المواقف قد تجمع الدولة المصرية والتيارات الدينية على قلب فقيه واحد ليضعوا سقفًا خرسانيًا لحقوق المرأة غير مسموح لها بتجاوزه وهو "حقوق النساء حسب الشريعة الإسلامية"، بل وأن قضية ولاية الرجل على زوجته في قوانين الأحوال الشخصية بحاجة للدراسة دون أن نمر عليها مرور الكرام، فالمرأة نالت حقوقًا سياسية ولكن تخشى السلطة الاقتراب من منطقة المحاذير وهي القوامة والولاية القانونية في قانون الأحوال الشخصية للمسلمين.

وختمت رباب كمال كتابها بباب بعنوان "ثورة الجسد" تحدثت فيه عن ظاهرة خلع الحجاب وحللت كذلك لفظ السفور لغويا، مؤكدة أنه لا يمكن اختزال معركة حرية المرأة في خلع الحجاب لأنه سيكون تحررًا واهيًا ترتد منه المرأة كما ارتدت النساء عنه في سبعينيات القرن الماضي، إلا أنه يظل شكلًا من أشكال تمرد بعض الفتيات والنساء على أوضاع بالية احتجبت فيها حقوق المرأة، فتتعالى أصوات النساء ضد ما يكابدونه في محاكم الأسرة والعنف الأسري والتمييز المجتمعي والتشريعي، وبات خلع الحجاب كاشفا لما هو أكثر من وجه وشعر المرأة.