رانة نزال في شعر تغرق شعريته في صوفية باردة

بيروت
غوص وانتشار في الكون والأشياء

مجموعة "بيت العين" للشاعرة الأردنية رانة نزال -على عمق ما فيها من صوفية ومن غوص وانتشار في الكون والأشياء- تبقى بعيدة إجمالا عن ان تكون عملا شعريا "معديا" في مشاعره وإيحاءاته إذ ان كثيرا من قصائدها يغرق في صوفية "باردة" تطل على القارىء أحيانا في صورة عمل عقلي مدروس.

ولغة رانة نزال وان كثرت فيها الصور والمجازات والرموز والإشارات تبقى بعيدة عن حرارة التجربة الشعورية دون ان يشفع بهذا كونها ذات طابع صوفي.. فالصوفية لا تعني تقريرية و"حسابية" باردة تخرج الينا في بلاغة هي غالبا ابنة جهد واضح وقدرة لغوية جلية ونسج ينم عن "هندسة" بلاغية تحتاج الى شيء من "الحرارة".
وتكاد بعض القصائد تتفلت من طريقة الشعر الحر أو ما سمي تعميما قصيدة النثر لتقع في أسر تقفية خفية وإيقاع يحمل الينا -حيث يسجل نجاحا- تأثرا بنصوص دينية أو فلنقل "بنفس" ديني.

وقبل الدخول في بعض القصائد نقرأ نموذجا يمثل "روحية" قصائد المجموعة وأسلوبها وقد حمله غلاف الكتاب. تقول "أشيع رسائلي/ استجمع طقوسها/ كما لو انني خلف حجب من زجاج/ أراك ولا أسمعك/ فأفر جامحة/ حروفي فصيحة/ يحفظ الود إيماءها وتنثني عليها سطورها/ تتكور كيما أذيع أسرارها/ لو تحللت من نطاقي/ أنا ذات النطاق/ المحاك بالندم."

قصائد المجموعة توزعت على 222 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر وبلوحة غلاف للفنانة التشكيلية اللبنانية سلوى زيدان.

عنوان الكتاب نفسه أي "بيت العين" يشكل مصطلحا صوفيا بامتياز. القصيدة الاولى حملت عنوانا هو "افتتاحية" وجاءت تمثل أسلوب الشاعرة ونهجها وبعض خيوط تأثراتها "الأسلوبية" . تقول "هذا البوح لوردته شوكة/ لنحلته الملكية/ لسعة/ تقرصنا في عز البرد/ ونظل اليها نسعى."

في قصيدة "احتفاء" مراوحة بين وزن وقافية وتفلّت منهما فتأتي القصيدة خليطا من ذلك كله. تقول "آن الأوان/ ليغسل الحزن جنبي/ وتطفو حروفي على مهلها/ في اتساع المدى/ وسكر الندى/ فعصمتي الآن/ اللامكان../ - ومأمول أنفاسي/ التي أودعتها في مختصر الفضاء الغارق بي - قدس نواياي المحرم/ فهل بقصد خطاي/ اخترت صحاريّ الموشومة/ حين تميل قوافيها/ وخيامها/ ونخيلها/ حيث اميل../ مرصعة بالمعاني/ بالكلام الذي يشبه كل شيء/ عداها..."

وتحت عنوان "صوفي" رئيسي هو "فسيفساء لابن عربي..الخمسة البيوتات" نقرأ أول هذه البيوتات وهو قصيدة بعنوان "بيت العين" حيث تقول الشاعرة "لتفتح شمسك ظلمتي/ ولتدخل فيها موتا أخضر/ أثرا أبيض لعين طريقها حبائل../ أظهر سرك فيك/ ولنقتسم الحيرة/ لنغسل في طاسها ارث الشارة/ لنرتد الوجه كله/ لنتمكن من تلوينه/ ولتفهم اتصالك..."

وتختتم القصيدة الطويلة بقولها "كن جلاء مرآتي/ وكن في اصطلاح القوم ما تكون/ جسم ادم.../ جسم شخص... جسم العيون/ فكن محل هذا الظهور/ عين ظل تلاقح ظلا/ اعطيته اسرار/ واحد ينور نفسه شمسه عين مسارها لا يلوب واحدا."

القصيدة الثانية "بيت الشم" شكلت شبه استمرار للاولى وتكاملا معها. ومما قالت الشاعرة "البي روحي وأعين قيدي فيك/ أقرن سر المثال/ وأسهر عين المكر/ فنزّه/ وسرّح/ وأفرد/ وثن ّ/ وشبّه/ ولوّن/ وزدني -ان ما احترت- فيك تحيّرا/ فلا انت كنت لتحمل/ ولا أنت تصوّر."

وتلي ذلك قصيدة "بيت السمع" نقرأ صورا ومعاني صوفية غدت شبه تقليدية. تقول " لولاك/ لولاي عمّ السرّ/ وغلقت دونية البحر/ فسمّ مني ما تشاء/ سميتك بي/ وأنا اسمك/ حيث انت الكل/ فاسمع.../ لفظك والحرف/ صوتك والصمت/ جمعك من حيث الواحد فيّ/ يا ال انت/ انا كلّك فيما تشاء/ بما تشاء/ كما تشاء/ فارض بمسموعك في ّ..."

تلا ذلك "بيت الجلد" حيث تقول الشاعرة "اسقي المعلوم/ بماء المجهول/ واتبع مسّك في ّ/ ولا اعطيك/ اذا اعطيتك حقك في ّ..."

قصيدة "بيت الذوق" الطويلة نسبيا ايضا تسجل افكارا معروفة في مجالها وصورا تبدو "مطروقة" ايضا. تقول رانة نزال "لا تقصص رؤياك/ امتني لانتبه/ لاذوق نوري/ وأرى عين ظلي فيك/ اقبض عليه/ اتفطّن/ اذ لا ادري/ وتدري/ ماذا يفعل حين يسري بنا الذوق".

وتختم بصوفية تقليدية ايضا حيث تقول "... فذق فيّ حواسك/ وأذقني بك طعم الظل/ أنر حجبي/ لوّن ذوقك في ّ/ اذقني نور النور/ وكاشفني اذ تكشف عني/ المستور."

في قصائد مثل قصيدة "انا السوداء... لو اشبه دمعي" فان الشاعرة على رغم بقائها في الجو العام المسيطر على المجموعة تبدو اكثر قدرة على ان تطلق في تجربتها روحا حارة حزينة تحمل ايحاءات تتجاوز الصور الصوفية المألوفة وان صب بعضها في النهاية في بحر عالمها. تقول في شيء مما يصح ان يسمى "هبوطا الى الارض" قادرا على ان يفيض شعريا بافضل مما مر معنا .. "ارسم موجا/ فوق الخربشات/ فادمع/حين أحاول ان أطرد رسمك/ من الذاكرة/ ذاكرتي العقيم/ وضلوعي الخراب".

القصيدة الختامية "خاتمة" تحمل كثيرا مما اتسم به نتاج الشاعرة اجمالا في هذه المجموعة لا من حيث الاسلوب فقط بل من حيث الشكل والمحتوى. تقول " عاد الورد/ صبّح عليّ/ وبين يديّ/ تمدد/ تعربش على الكتف اليمنى/ لثغ باسمه/ بالابيض/ حبا على وجنة الخاطرة/ قبّل خالي الايمن/ ويلي/ اخشى ان يتبدد".