رامي صوفيّا في عشق 'سومة'

القاهرة
وبي من الشَّجْوِ من تغريد ملهمتي.. ما قد نسيتُ بهِ الدنيا وما فيها

يحاول الكاتب الروائي اليهودي اللبناني الأصل سليم نسيب في روايته الصادرة بالفرنسية عام 1994 بعنوان"أم" وهو الاسم المختصر لأم كلثوم بفرنسا مثل "سومة" باللهجة المحكية المصرية، أن يغزل سيرة روائية لحياة كوكب الشرق ولكن بعين شاعرها المفضل وكاتب معظم أغانيها الشهيرة أحمد رامي (أكثر من 110 أغان).
ويعترف رامي في هذه السيرة بحبه لأم كلثوم وقصته معها منذ رآها عام 1924 تغني مرتدية لباس الرجال فأسره صوتها، ولكنه يتظاهر بالعكس حتى عندما تغني قصائده، فكان غراما دون أمل استمر لأكثر من خمسين عاما شهد فيها كل انتصارات وهزائم الشرق الأوسط المضطرب.
توقف أحمد رامي عن الكتابة بعد وفاة أم كلثوم وعانى من حالة اكتئاب شديدة، فاعتزل الحياة والناس، بالإضافة الى تراكم المرض الذي أثقل كاهله فأصيب بتصلب الشرايين والتهاب الكلى وجاءت وفاته في الخامس من يونيو/حزيران 1981.
وسليم نسيب ينسج روايته بشعرية على فكرة الحب الكامن في قلب الشاعر والمغنية، وبناء خط درامي يسمح له بقراءة توترات الداخل النفسي عند الشاعر الذي كان له كرسيه الخاص في حفلات أم كلثوم، لكن يظل رامي في الرواية ليس هو في الواقع حيث يلعب الخيال دوره، حتى ليصل بحب رامي إلى مرتبة العشق الصوفي.
يقول الناقد السوري إبراهيم درويش عن الرواية "الرواية هي عن البوح والصوت الصامت في داخل احمد رامي الذي وجد طريقه للتعبير عنه من خلال الأغنية والقصيدة، وهو حالم حتى عندما يتزوج متأخرا من فتاة متعلمة، ولكنها تتركه بعد أن لم تعد تحتمل غيابه عن البيت، وهي مكتوبة على طريقة السيرة الذاتية".
ويضيف درويش "الراوي هو نفسه أحمد رامي نلتقيه وهو يعود من فرنسا حيث يقدمه محمد عبد الوهاب إلى أم كلثوم التي طلب منها أن تغني له الأغنية التي كتب كلماتها، واختارها الشيخ أبو العلا محمد لكي تغنيها، وهي القصيدة التي نشرتها مجلة السفور أثناء وجوده في باريس 'الصب تفضحه عيونه'، فأعجب بها الشيخ أبو العلا محمد الذي كانت تربطه علاقة ود وصداقة بأسرة رامي فأخذها ولحنها وأصبح الصوت والقصيدة حديث كل الناس في مصر".
يقودنا احمد رامي/ الكاتب في رحلة في عالم الغناء والفن وقطعة من تاريخ مصر. أحمد رامي نتعرف عليه باسمه الأول في الرواية، يقدم لنا من خلاله الكاتب شهادة عن تاريخ مصر في خمسين عاما جسدتها أم كلثوم وملهمها الشاعر أحمد رامي وعبرت أغانيها عن تقلبات الزمن والمزاج الشعري في مصر والعالم العربي.
وقد لاقت الرواية التي صدرت طبعتها الإنكليزية هذا الأسبوع عن دار الشروق بالقاهرة بالتعاون مع دار أوروبا إديشينز بعنوان "عشقتك لصوتك "عند صدورها في فرنسا عام 1994 استحسانا نقديا كبيرا، فكتب عنها العديد من المقالات النقدية الإيجابية وبيعت منها آلاف النسخ لدرجة أنها دفعت الفرنسيين لشراء اسطوانات أم كلثوم، كما ترجمت إلى عدة لغات كالإنكليزية والألمانية وقام بترجمتها إلى العربية الشاعر اللبناني الراحل بسام حجار.
وقد رثى رامي عشقه الكبير في قصيدة من أروع قصائده قال فيها:
ما جال في خاطري أنّي سأرثيها
بعد الذي صُغتُ من أشجى أغانيها
قد كنتُ أسمعها تشدو فتُطربني
واليومَ أسمعني أبكي وأبكيها
صحبتُها من ضحى عمري وعشتُ لها
أدفُّ شهدَ المعاني ثمّ أهديها
سُلافةً من جنى فكري وعاطفتي
تُديرها حول أرواحٍ تُناجيها
لحناً يدبُّ إلى الأسماع يَبْهَرُها
بما حوى من جمالٍ في تغنيّها
ومنطقاً ساحراً تسري هواتفُهُ
إلى قلوب مُحبّيها فتَسبيها
وبي من الشَّجْوِ.. من تغريد ملهمتي
ما قد نسيتُ بهِ الدنيا وما فيها
وما ظننْتُ وأحلامي تُسامرني
أنّي سأسهر في ذكرى لياليها
يا دُرّةَ الفنِّ.. يا أبهى لآلئهِ
سبحان ربّي بديعِ الكونِ باريها
مهما أراد بياني أنْ يُصوّرها
لا يستطيع لها وصفاً وتشبيها
فريدةٌ من عطاياهُ يجود بها
على براياه ترويحاً وترفيها
وآيةٌ من لُدُنْهُ لا يمنُّ بها
إلا على نادرٍ منْ مُستحقّيها
صوتٌ بعيدُ المدى.. ريَّا مناهلهُ
به من النبرات الغرِّ صافيها
وآهةٌ من صميم القلبِ تُرسلها
إلى جراحِ ذوي الشكوى فتشفيها
وفطنةٌ لمعاني ما تردّدهُ
تجلو بترنيمها أسرارَ خافيها
تشدو فتَسمع نجوى روحِ قائلها
وتستبينُ جمالَ اللحنِ من فِيها
كأنما جَمعتْ إبداعَ ناظمها
شِعراً وواضعِها لحناً لشاديها
****
يا بنتَ مصرٍ ويا رمزَ الوفاء لها
قدّمتِ أغلى الذي يُهدَى لواديها
كنتِ الأنيسَ لها.. أيّامَ بهجتها
وكنتِ أصدقَ باكٍ.. في مآسيها
أخذتِ منذ الصِّبا تطوينَ شقَّتَها
وتبعثين الشَّجا في روح أهليها
حتى رفعتِ على أرجائها عَلَماً
يرفُّ باسمكِ في أعلى روابيها
وحين أَحدَقَ بالأرضِ التي نَشَرتْ
عليكِ أفياءها شرٌّ يُعنّيها
أهبتِ بالشعبِ أنْ يسعى لنجدتها
بالمال والجهد.. إحياءً لماضيها
وطُفْتِ بالعُرْبِ تبغين النصيرَ لها
والمستعانَ على إقصاء عاديها
حتى إذا صدقتْ في العون همّتُهم
وجاءها النصرُ وانجابتْ غواشيها
عاد الصفاء لها وارتاح خاطرها
بعد القضاءِ على ما كان يُضنيها
وأقبل الغربُ يسعى في مودّتها
لما رأى من طموحٍ في أمانيها
****
يا من أسِيتُم عليها بعد غيبتها
لا تجزعوا فلها ذِكرٌ سيُبقيها
وكيف تُنسى؟ وهذا صوتُها غَرِدٌ
يرنُّ في مسمع الدنيا ويُشجيها
أضفى إلهي عليها ظِلَّ رحمتهِ
وظَلَّ من منهل الرضوانِ يسقيها
تبلى العظامُ وتبقى الروحُ خالدةً
حتى تُردَّ إليها يومَ يُحييها.
يذكر أن سليم نسيب ولد ببيروت ويعيش منذ عام 1969 في باريس حيث يعمل صحفيا بجريدة ليبراسيون الفرنسية، وصدر له من قبل رواية "العاشق الفلسطيني" والتي تدور حول العلاقة العاطفية السرية التي ربطت بين غولدا مائير ورجل الأعمال الفلسطيني ألبير فرعون، وهذه هي روايته الثانية.