رابطة الأدب الإسلامي تحتفي بديوان 'أغاريد وأناشيد'

القاهرة ـ من المحرر الثقافي
ريادة يمنية

أقامت رابطة الأدب الإسلامي العالمية بالقاهرة أمسية أدبية لمناقشة ديوان "أغاريد وأناشيد" (مجموعة شعرية للأطفال) للشاعر اليمني إبراهيم أبو طالب، مع قراءة لبعض النصوص، وعرض لعدد من الأناشيد المغناة التي تبثها بعض القـنوات الفـضائية، كقناة النجاح smart way-tv مثل أنشودة "سيدنا محمد" (ص)، وأنشودة "إبراهيم وإسماعيل"، وأنشودة "عصفورتي المغردة" وغيرها من إنتاج شركة مكة المصرية.
وقدم القراءة النقدية، ومناقشة الديوان أ. د. عبد المنعم يونس أستاذ الأدب والنقد بجامعة المنوفية ورئيس الرابطة بالقاهرة، وأ. د. زهران جبر أستاذ الأدب والنقد بكلية اللغة العربية، جامعة الأزهر.
كما قُدم عدد من المداخلات النقدية من قبل الشاعر محمد الأكسر، والشاعر عبد المجيد الغيلي، والصحفية ليلى سعيد.
تجدر الإشارة إلى أن ديوان "أغاريد وأناشيد" هو العمل الإبداعي الفائز بجائزة السعيد الثقافية في الدورة الثامنة عام 2004 في أدب الأطفال، وقد طبعته مؤسسة الإبداع الذي يرأسها الدكتور عبد الولي الشميري، بالتعاون مع منتدى المثقف العربي بالقاهرة عام 2005.
وقد أثنى المتحدثون على المستوى الإبداعي العالي والمتخصص للديوان بما يحتويه من الأناشيد التي ترتبط بحياة الطفل وعالمه.
وأشاروا إلى أن هذا الفن الإبداعي الصعب (أدب الأطفال) الذي يمثل فيه الشاعر اليمني إبراهيم أبو طالب ريادة يمنية في إنتاج عمل شعري متكامل تبلغ عدد قصائده (65) قصيدة وأنشودة قد استطاع أن يخرج به الشاعر عربيا من خلال تسجيل وتلحين أكثر من 32 أنشودة وأغنية للطفل على أشرطة كاسيت وأقراص مدمجة تبث معظمها القنوات الفضائية العربية، وذلك لجمال الكلمة وعذوبة الإيقاع.
كما أن ديوان "أغاريد وأناشيد" عمل إبداعي يناسب الأعمار المختلفة للأطفال وبالإمكان الاستفادة منه في المناهج الدراسية لطلاب المدارس لما فيه من خصوصية دينية وبيئة عربية وأفكار وموضوعات تهم حياة الطفل اليمني والعربي لأن الأناشيد التي يحتويها الديوان على جانب كبير من الإبداع والجمال.
حضر الندوة عدد كبير من الباحثين والإعلاميين والمهتمين بالأدب من اليمنيين والمصريين والعرب، كما شارك بالتعليق والحفاوة بالديوان الدكتور سعد أبو الرضا، والدكتور عبد الحليم عويس، والدكتور خليفة غانم وغيرهم.
وقد أثرى الجميع الأمسية الأدبية بالملاحظات المفيدة والإضاءات النقدية المتميزة، وننشر هنا إحدى الدراسات التي قدمت في هذه الأمسية.
'أغاريد وأناشيد' في ضوء سمات شعر الطفولة
بقلم: محمد الأكسر
إن أدب الطفل في حد ذاته هو جزء من الأدب العام لا يختلف عنه كثيراً في التعريفات أو المفاهيم إلا أنه يرتبط بفئة عمرية محددة هي الطفولة، لذلك لا يمكن عزلها عن الصور والخيال للأدب العام ويكفي أن من كتبها هم الكبار.
وأدب الطفل في أبسط مفاهيمه هو ما يقدم للأطفال بقصد توجيههم في الحياة، وهو قديم قدم الإنسان في التعبير، وحديث حداثة الأغنية المصورة للطفل وحداثة القنوات الفضائية.
وقد بدأ هذا الفن يأخذ صورته المنضبطة في شكل أصول وقواعد في أوروبا وخصوصا فرنسا ثم انتشر إلى بقية دول العالم، حيث بدأ يشكل ظاهرة ثقافية واجتماعية واقتصادية من حيث تنوع موضوعاته وأحجامه وأصنافه، ويعد من الأنواع الجديدة على ساحتنا العربية.
وأهم ما يميز مرحلة الطفولة "كمصطلح تربوي" هو تلك الخصوصية المتسمة بسمات جسدية وعقلية وانفعالية خاصة تميزها عن باقي المراحل العمرية، وهذه الخصوصية تجعل منها بحرا ذا أسرار لا يمكن سبر أغواره إلا ممن يمتلك مفاتيح الدخول إلى هذا العالم، ويعرف خصوصيته ويتمثلها.
والأديب لا يمكن أن يكون ذلك الشخص إلا إذا كانت مادته الأدبية منسجمة مع قدرات الطفل، وتعبر عن أفكاره ومشاعره، ويكون ذلك في إطار من الطواعية لا الإكراه ولا الخوف؛ وهذا ينسحب على عموم أدب الطفل (من قصة ومسرح وشعر).
أما الشعر خصوصاً فهو مملكة ممتدة الخيال والحدود، تبلغ بالمشاعر الإنسانية مدىً ساميا، وهو واحة مليئة بالسحر والعذوبة، طافحة بالخيال والأحلام.
كل ذلك يجعل من الشعر في يد الأديب وسيلة ذات فاعلية يستطيع بها أن يلج إلى أعماق الطفولة الغائرة، واكتشاف مكنوناتها الدفينة، ويمكن القائمين على التربية من تنمية الاتجاهات السليمة فيها.
وذلك لأن الطفل يميل بطبعه الفطري إلى القصيدة، والشعر يتمتع بالإيحاء التعبيري، ويمتاز بالقدرة على استثارة مكامن الإحساس بقيم الجمال والمحبة، وإيقاظ المشاعر الإنسانية في نفوس الأطفال والإسهام في تكوين وجدانهم المعبر.
فمن منا لا يذكر الأناشيد التي تعلمناها في الطفولة وتركت في وجداننا أبلغ الأثر مثل نشيد "أنا يا قوم مسلم": أنا لا أقذف الحجر
وبه أقتل الطيور
أنا لا أقطع الشجر
أنا لا أسحق الزهور
ونشيد "الوضوء": بني توضأ
وقم للصلاة
وصل لربك
تكسب رضاه
بني توضأ
بماء طهور
فماء الوضوء
لوجهك نور
ويتميز الشعر الذي يوجه للأطفال بعدة سمات وشروط لابد من تحققها:
أن تعالج فكرة الشعر موضوعات تتناول حياة الطفل، وتطرح أفكاراً واقعية تعبر عن ثقافة مجتمعه، وأن تعنى وتتغنى بكل ما يحيط بالطفل وبمعظم ما تحتويه بيئته، وأن تعبر تعبيراً صادقا عن المشاعر التي يحملها الطفل تجاه هذه الأشياء.
فالطفل بحاجة إلى أن يعرف نفسه ويعرف البيئة المحيطة به، والأديب هو من يهيئ الفرصة للطفل لتلك المعرفة. الأبعاد الموضوعية في الديوان ديوان شاعرنا قد حمل على عاتقه مسئولية تعريف الطفل بما حوله وبما يحيط به في بيئته المتنوعة ما بين المدرسة والبيت والطبيعة والسلوك الشخصي والاجتماعي، حيث قدم أشياء من بيئة الطفل المادية والمجردة بأسلوب شيق يعالج علاقة الطفل بهذه الأشياء، مركزاً على إبراز العلاقة بين الطفل وما حوله ومنها:
أولا: البيئة المدرسية: أهوى مدرستي
كتبي وهندستي
ونشيد أغنيتي
أهواك مدرستي
وطلب العلم: وهو شيء مجرد، إلا أنه جسده للطفل وقرب مفهومه، وعبر عن علاقته به: بالعلم بالعزم المنير
تسمو على كل الأمم
وتعانق المجد الكبير
ونعيش في أعلى القمم
والقلم والكتاب، وأدوات الرسم.
ففي قصيدة "يا كتابي" يبرز ذلك التعلق وهذا الشغف الذي عبر عنه المتنبي بقوله: أعز مكان في الدنى سرج سابح
وخير جليس في الزمان الكتاب
نقله شاعرنا إلى عالم الطفولة بأسلوب شيق سلس مركزاً على هذا الجانب الوجداني في النفس بين الكتاب والطفل، غارساً فيه محبة الكتاب وأهميته: يا كتابي يا كتابي
أنت لي خير الصحابِ
أنت في عقلي وقلبي
خير زاد يا كتابي
يا صديق العمر أهلاً
يا رفيق الأذكياء
أنا من يرعاك فعلاً
أنت أغلى الأصدقاء
ثم يتطرق لبيئة الطفل الرياضية في قصيدة "أنا الهداف" مبرزاً العلاقة الوجدانية بين الطفل وهذه الرياضة.
هذا كان عن البيئة المدرسية وكم كنت أتمنى أن يكتمل العقد ببعض الجوانب التي تربط الطفل بمعلمه وبزملائه.
ثانياً: البيئة الطبيعية:
أما البيئة الطبيعية فقد كان لها صدى واسع في ديوان الشاعر، وهي تهدف في عمومها إلى تثقيف الطفل، وإبراز الجوانب المعرفية لما حوله في أسلوب بسيط يتناسب مع قدرات الطفل.
في قصيدة "الحصان السريع" يكمن الهدف في تعريف الطفل بهذا الكائن الجميل ودوره في الغزوات وصداقته للإنسان، وقصيدة "الزرافة" يكمن الهدف في تعريف الطفل ببيئته وأين يعيش هذا الكائن، ويعرف الطفل رحلات الطيور من خلال "الطيور المهاجرة" وما الهدف من تلك الرحلات والهجرات: مسافرون مهاجرون
في موسم الشتاء
بحثا عن الغذاء
والدفء والهواء
ويعرف الطفل خصائص النمل: بالإدخار أعرف
لأنني ذكية
وبالنشاط أوصف
في الصبح والعشية
وكذلك قصائد "النحلة النشيطة" و"عصفورتي المغردة".
ثالثاً: علاقة الطفل الاجتماعية بمن حوله:
برز ذلك الجانب للعلاقات الإيجابية بين الطفل ومن حوله في قصيدة "أمي" مبرزاً شاعرنا ذلك الجانب الوجداني للطفل تجاه الأم، وهو إبراز لشعور الطفل للطرف الآخر: أمي يا أغلى الأماني
أمي يا فيض الحنان
أنت حب في كياني
ونشيدٌ غير فان
أنت نور في عيوني
أنت حلم في جفوني
كم بذلتِ الروح دوني
كم تألمت لشأني
وغابت عن الديوان بقية العلاقات الإيجابية من أبوة، وجوار، وصداقة.
رابعاً: التهذيب السلوكي:
برز جانب السلوك المهذب والنظافة في قصائد عديدة مثل: الطفل المهذب، الأسنان البيضاء، النظافة، مبرزاً الجوانب الإيجابية لهذا السلوك: غنوا معي وقولوا
ما أجمل النظافة
هيا بنا جميعاً
ندعو إلى النظافة
وهكذا يجعل أديبنا من أدبه وشعره شيئا ذا قيمة وذا رسالة فلا قيمة لأدب من دون رسالة.
خامساً: الثقافة الدينية والهدف التعليمي:
حمل الديوان على عاتقه بأسلوب شيق تعريف الطفل بأفضل الرسل عليهم السلام في صور شعرية، وترتيب زمني، رابطاً كل رسول بتوقيت زمني معين: أول الخلق آدم
النبيَّ المكرم
وعن إدريس: إدريس أول من درس
من خط يوما بالقلم
رفع الكريم مكانه
من بعد آدم في الأمم
وعن نوح يوضح المدة التي مكثها في قومه: مكث الصبور يحثهم
ألفا سوى خمسين عاما
أركب على الفلك التي
صنعت بأعيننا وسر
أما العصاة فإنهم
غرقت بأمر قد قدر
وعن هود: من بعد "نوح" جاء "هود"
يدعو إلى التقوى إرم
ثم بقية الأنبياء.
وكم كنت أتمنى أن يلحق الجزء المعنون بـ "يعلمنا ديننا" بالجزء الأول وهو زمن الأنبياء لاتفاقهما في المجال الدلالي.
وكل ما سبق الإشارة إليه كان لهدف تعليمي، يتمثل في معرفة ترتيب الرسل ودور كل منهم وإلى من أرسل، وهدف وجداني يتمثل في احترام الطفل وإجلاله لهؤلاء، وواجبه تجاه قُدْسه وتجاه البيئة من حوله، وهدف سلوكي يتمثل في العناية بالبيئة والنظافة وجمال المظهر.
وعالج الشاعر كل ذلك بما يكرس القيم الإيجابية والمشاعر النبيلة وما يتلاءم مع المضمون الإنساني.
كذلك برزت عنده المعلومة الجغرافية في صورة نظم يضم معلومات في قالب شعري عن أغلب بلدان الوطن العربي بحيث تصل الحقيقة إلى الطفل وتوسع مداركه.
فعندما يعرف الطفل القيروان، صفاقس، بنزرت.
ويعرف اللهجة "إشنى أحوالك"
ويعرف جزيرة جِرْبه، وقرطاجا.
كل ذلك قدمه شاعرنا بأسلوب سلس شيق.
والجزائر وغيرها من الدول العربية مركِّزاً على أهم الأماكن، وأشهر ما يميز كل بلد، وتاريخ هذا البلد وذاك.
هذه العجالة كانت عن الأبعاد الموضوعية وعن الهدفية في ديوان "أغاريد وأناشيد". والآن سنتطرق للأبعاد الفنية في ديوان "أغاريد وأناشيد". الأبعاد الفنية في الديوان عناصر الإثارة والتشويق في "أغاريد وأناشيد":
لابد أن تمتلك القصيدة الموجهة إلى الطفل الإثارة المناسبة، وما تحقق في هذا الديوان منها:
1 ـ حركة التعبير الطفولي:
وهو من أهم شروط نجاح قصيدة الطفل، لأنه الأداة الحاملة للإيحاء بواسطة الصورة الشعرية، التي تثير معظم أحاسيس الطفل وتحرك خياله وتفتح أمامه أبواب الطبيعة بكل امتدادها.
ومن أنواع الصور الشعرية التي تصنع الحركة في القصيدة عند شاعرنا:
أ ـ الصورة الحركية الهادئة: التي تتدفق بعفوية وعذوبة إلى نفس الطفل من مثل قوله: ثم سواه ربي
حرك الطين بالدم
نفح الروح فيه
ثم سماه آدم
وفي قصيدة "محمد": أيها الحب المطل
من شرايين النقاء
أيها الخير العظيم
يا ضياء من ضياء
قد مضى ليل الفساد
وأتى الصبح المبين
ب ـ الصورة الحركية الصاخبة التي تمنح الطفل الحيوية والانطلاق كما في قصيدة "طالب العلم": أنا من سيرفع للعلا
صرحا بعصر المستحيل
أنا من سيثبت للعلا
أن الأصيل هو الأصيل
أنا من سينبت وردة
في الصخر في جدب السنين
2 ـ موسيقى القصيدة:
لابد أن تكون موسيقى قصيدة الطفل مصاغة على إيقاعات قصيرة وخفيفة محببة له، مبسطة في تراكيبها، مستمدة بساطتها من واقع الطفل.
وقد تحقق ذلك في معظم قصائد الديوان فجاءت مجزوءات بسيطة ما عدا بعض القصائد التي اختار لها الشاعر وزنا كاملا كما في القصيدة "لوط" التي نظمها على المتقارب (فعولن فعولن فعولن فعول). وهو مع أنه غير قصير إلا أن نغمته توحي بالتدفق والتدافع للمشاعر.
وقصيدة "الله جل جلاله" التي اختار لها بحر البسيط (مستفعلن فاعلن). وجاءت القوافي متنوعة كي لا ترهق أنفاس الطفل وهذه سمة غالبة على الديوان ما عدا قصائد قليلة كقصيدة "آدم" برويها "الميم" وقصيدة زكريا برويها "الياء المشددة".
وحملت كل قصائد الديوان رونقا وجمالا في شكلها العام بصورها البسيطة وأخيلتها التعبيرية والبعد عن التكلف والبعد عن الجفاف المقيد لخيال الطفل.
وإن كان لي من ملاحظة أخيرة فهي حول احتواء الديوان على ألفاظ لا تعد من قاموس الطفل، وإن كان الشاعر قد أوضح معانيها في الهامش مثل (الردى) في قصيدة نوح، و(ريع) في قصيدة هود، و(عبقري) في قصيدة محمد (ص)، و(ينسج شيئا واحدا) في قصيدة (طفلتي والعصفورة).
كذلك أرى أن بعض قصائد الديوان لا تتسم بالطابع العام لشعر الطفولة كقصيدة الشاعر "سلوان" فهي تحكي مشاعر كبير وهو الشاعر، لذلك ربما كان من الأجدر أن توضع في ديوان الشاعر للكبار.
كذلك قصيدة "لا لتعذيب الصغار" محلها ديوان الشاعر لأنها للكبار في أسلوبها وكلماتها وهدفها. وبعد فإن الشاعر إبراهيم أبو طالب قد امتلك موهبة رائعة وخاض في نوع جديد من الأدب على الساحة العربية، حيث نبع من صلب العمل التربوي الذي يهدف إلى تنمية معارف الطفل واعتزازه وتهذيبه واعتمد على اللغة الخاصة بالأطفال، بحيث تحسس المفردات والتراكيب التي يخاطب بها هذه المرحلة من مراحل النمو.
لقد ربحت ساحة شعر الطفولة شاعراً رائدا كما ربحت من قبل ساحة شعراء اليمن والوطن العربي، لهذا آمل أن تستمر مسيرته الأدبية وألا ينس الصغار.
فقد أصبح لأدب الطفولة سمة خاصة وأصول وستذكر الأجيال القادمة أن من بين من كتب لهذا الكائن الجميل شاعرا اسمه إبراهيم أبو طالب.