رائحة الوطن البديل تفوح في 'بخور عدني'

'خيبة قد تكون اشد من الموت'

بيروت - يطرح الكاتب اليمني علي المقري في روايته الاخيرة "بخور عدني" مشكلات وأسئلة مؤرقة تتعلق بالانسان وبالاوطان وبالمصير عامة.

يرصد الكاتب التغير الكبير الذي طرأ على العالم وعلى منطقة عربية محددة هي عدن منذ الحرب العالمية الثانية (1939-1945) حتى الربع الثالث من القرن العشرين.

سؤال مهم يطرحه المقري عن الاوطان والاوطان البديلة ليتوصل الى نتيجة تكاد تقول ان الساعي الى وطن بديل او الى بديل عن وطن سيصل الى نتيجة مفجعة هي انه سيفقد الوطن الاصيل ولن يبقى له البديل الذي يفاجئه بان يهرب منه بزئبقية غريبة وبما يشبه ثورة هي اقرب الى حريق يلتهب بسرعة لينطفىء بعد ذلك تاركا وراءه ركاما وذكريات مرة توّهم الانسان في يوم مضى انها وطن الاحلام او بديل من وطن الواقع. ولعلنا نستطيع القول هنا انه حيث لا وطن واقعي لا وطن للاحلام او ان الامر صعب الى حد الاستحالة.

ويمكن انطلاقا من احداث الرواية المنسوجة بجمال وتشويق القول انك اذا استبدلت بشخصيتك شخصية اخرى فستكتشف في نهاية الامر انك لست هذا الجديد ولم تعد ذلك السابق. انها لخيبة قد تكون اشد من الموت.

جاءت الرواية في 355 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن دار الساقي في بيروت.

علي المقري يكتب هنا باسلوب يثير شهية القارىء الى المزيد وينقل هذا القارىء من حال الى حال ويرسم امامه شخصيات مختلفة متعددة.

المكان اذن هو عدن. يصورها الكاتب بصورة مركبة هي من ناحية "الاساس" عالم ذو تقاليد واعراف ومن ناحية اخرى اي الناحية المنظورة واليومية عالم "كوزموبوليتاني" تذوب فيه الجنسيات والعشائر والطوائف. انه وطن الجميع لفترة طويلة خادعة نكتشف بعدها انه لم يكن لاحد منهم.

تبدأ الرواية بنزول رجل فرنسي من سفينة في ميناء عدن. انه رجل اعطى اسمه وشخصيته لشخص آخر واخذ شخصية هذا الشخص.

ميشيل يشكو من عرج يمنع قبوله للاشتراك في الحرب وهو متحمس للاشتراك فيها وفرانسوا السليم الجسم الذي يريد الابتعاد عنها والهرب منها. تبادلا الشخصيتين فاستعمل ميشيل حذاء يساعد على إخفاء عرجه واستعمل فرانسوا حذاء يجعله يعرج.

وكما حدث لشوان تزو الصيني الذي لم يعد يعرف ان كان هو شوان تزو الصيني يحلم بانه فراشة ام انه فراشة تحلم بانها شوان تزو الصيني.. لم يعد الواصل الى عدن يعرف من هو.. اهو ميشيل ام فرانسوا مع انه يعرج او يتظاهر بالعرج.

وعندما سئل عن اسمه قال انه يدعى "اي شيء". ولاننا عندما نتغير يتغير العالم معنا فان هذا الغريب كتب رسالة الى التي يحبها في فرنسا. لكنه تغير الان فبأي اسم ستعرفه.

يقول لها "لا استطيع أن اوجه ما اكتبه الى احد ممن اعرفهم. فالشخص الذي تعرفينه لم اعد انا هو وانت لست انت او لم تعودي كذلك او انني لا اقدر ان ابقيك كما كنت عليه باسمك وعنوانك وما يمكن ان يدل عبرك اليّ. فاذا صرت غير الذي كنته فقد صار كل الذين ارتبطوا بي غيرهم".

يذكر هذا بفيلم سينمائي اميركي عن رجل تمنى لو انه لم يوجد فحقق الله امنيته وازال شخصيته الماضية ثم ارسله برفقة احد الملائكة الى العالم الذي كان فيه ليجد ان كل شيء مختلف.

من كانت زوجته لا تعرفه الان وقد اصبحت زوجة شخص اخر واولاده لا يعرفونه ومن كانوا اصدقاءه لا يعرفونه كما لا يعرفه صاحب المتجر المجاور الذي كان صديقا له. غياب فرد واحد يغير العالم الى حد ما.

وحل الفرنسي في عدن وتولت امره فتاة هي "ماما" التي أصبحت بالنسبة اليه راعية وصديقة ومحبوبة، عرفته الى المجتمع الصغير ومن أفراده اجانب غربيون من ايطاليين وبريطانيين وفيه يمنيون ويهود وصوماليون وغيرهم.

وبين هؤلاء شمعة المغنية اليهودية الشهيرة وشمعون اليهودي العدني صاحب الدكان الشهير واخرون، ومن هؤلاء موسيقي ومغن متعاطف مع الالمان لقب باسم "هاي هتلر" والمرجح ان المقصود هو التحية النازية لهتلر اي "هايل هتلر".

كانوا جميعا يعيشون حياة سعيدة ويصفون انفسهم بانهم عدنيون وقد تخلوا عن جنسياتهم القديمة واختاروا عدن وطنا بديلا من اوطانهم. كان الجميع متعايشون في وئام ولا يريدون حياة غير هذه.

بعد سنوات أخذ العالم بالتغير ووصل التغيير الى عدن. الحرب على الاحتلال البريطاني.. الصراع العربي الاسرائيلي وانقسام البلاد الى احزاب سياسية متعاركة في ما هو اقرب الى حرب.

هوجم الغرباء وجرى ترحيل اليهود العدنيين الى إسرائيل كما يقول الكاتب وتعرض بعضهم وبعض الاجانب للقتل او الاضطهاد ومصادرة الاملاك. الفرنسي الذي صار يتقن العربية انتهى حلمه بموت صديقته ماما في حريق اشتعل في مكان وجودها طار الوطن الحلم.

ويختم الكاتب روايته بالقول "لا اعرف هل ابقى ام امضي. فما لي اذهب بدون عدن وما لي أبقى بدون ماما. ساتبع قولها ان "عدن ليست سجنا له جدران وباب واحد. عدن بحر.. بوابة من البحر الى البحر لا يمكن لاحد ان يغلقها".

"لكنني لم اعد اعرف من اكون انا فيها.. من تكون انت؟ هل ستعترف في الاخير بما لم تعترف به من قبل؟ من قال لك ان الوطن كذبة كبيرة. هل كنت تحلم؟ هل صدقت ان الوطن وهم وعبرت كل هذه المسافة لتبحث عن بديل عنه؟

"او قل انك لم تكن هو او لم تكن انت. أليس اللاوطن هو وهم ايضا؟ ستتباهى بالقول انك عشت الاخرى عدن وهذا يكفي وانك كنت في زمن ما عدنيا. ستبقى تحاول ان تتذكر كل ما في وسعك ان تذكره كعزاء أخير لحياتك وتنام".