رائحة النفط قي الاتفاقية العراقية الاميركية

بقلم: د. خليل حسين

غريب المفارقات في الاتفاقية الامنية العراقية الاميركية عدم ذكر كلمة النفط سوى ثلاث مرات في نص بلغ عدد كلماته حوالي الستة آلاف، والتي جاءت ضمن البنود الخاصة بالتعاون في المجالات الاقتصادية. والاغرب من ذلك ايضا ما أثارته بنية الاتفاقية التي خلت من أي قسم خاص بهذا الموضوع الإستراتيجي، رغم تضمّنها أقساما عديدة لقضايا أقل أهمية. والمضحك المبكي ما ورد من الزام الطرف الاميركي نفسه بدعم جهود العراق بهدف استثمار موارده بهدف التنمية الاقتصادية والتنمية المستدامة، ذلك في نصوص تأويلية لا توضح ولا تحدد معنى الدعم ومجالاته وآلياته وكيفيته، خلافا لما جاء في أقسام أخرى ذُكرت فيها تفاصيل دقيقة يمكن الاستغناء عنها.
رغم ذلك، ان التدقيق في نصوص الاتفاقية يظهر ما اخفيَّ من مرجعية تحدد مصير النفط العراقي، وتمنع في نفس الوقت أية حكومة عراقية من التفكير في العودة إلى زمن التأميم. ويؤكد ذلك ما ورد في الاتفاقية عن التزامات عراقية تجاه النظام العالمي، وبخاصة الشريك الأميركي. وكذلك ما جاء من نصوص بشأن صلاحيات الحكومة العراقية في مجال تنفيذ الاتفاقية نفسها. وبذلك تتيح الاتفاقية الفرصة للحكومة العراقية لشرعنة الإجراءات التي اتخذتها خلال السنوات الماضية بهدف ترجمة الرؤية الأميركية المعلنة في الجانب النفطي، وكذلك على القوانين والقرارات والاتفاقات التي يمكن ان تصدرها او تبرمها مستقبلا. ومهما يكن من تاويل وإبهام في النصوص ثمة اتجاهت ثلاث حددتها الاتفاقية.
- اولاً، الإطار العام الذي ينظم العلاقات الاقتصادية بين بغداد وواشنطن ، ولتحديد الآليات التي تحكم عمل الاقتصاد العراقي. ذلك عبر عدة مسارات متصلة منها: "بناء اقتصاد عراقي مزدهر ومتنوع ومتنام ومندمج في النظام الاقتصادي العالمي"، و"دعم جهود العراق لاستثمار موارده من أجل التنمية الاقتصادية المستدامة "، و"إدامة حوار ثنائي نشط حول الإجراءات الكفيلة بزيادة تنمية العراق"، و"تشجيع توسيع التجارة الثنائية من خلال حوار الأعمال التجارية الأميركي العراقي وبرامج التبادل الثنائية مثل أنشطة الترويج التجاري، و"الوصول إلى برامج مصرف التصدير والاستيراد". ذلك يعني أن الحكومة العراقية ملتزمة بشروط المنظمات الاقتصادية الدولية، وبخاصة منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد والبنك الدوليين ، لجهة تحرير التجارة ، أو فتح الحدود أمام الاستثمارات الأجنبية الى داخل العراق، كما تعني أيضا أن الولايات المتحدة ستعطى ميزة الدولة الاكثر رعاية في المجالات المذكورة .كما يلاحظ أن الاتفاقية قد وفرت للطرفين العراقي والأميركي آلية ثنائية لضمان ومراقبة تنفيذ ما جاء فيها، بما في ذلك ملف التعاون الاقتصادي، عبر لجنة تنسيق عليا تجتمع بصفة دورية، فضلا عن لجان مشتركة إضافية ستتشكل حسب ما تستدعي الظروف. وكجزء من تطبيق الرؤية الأميركية للانفتاح الاقتصادي العراقي، سيكون ضخ النفط من العراق إلى مصافي التكرير في مدينة حيفا في فلسطين المحتلة جزءا من المشاريع المتوقع تنفيذها في ظل الاتفاقية؛ بحسب ما ذكرته صحيفة "هاآرتس" الإسرائيلية، نقلا عن مسؤول في وزارة الدفاع من أنه سيتم نقل النفط من كركوك، حيث ينتج نحو 40% من النفط العراقي، عبر الموصل والأردن ليصل إلى "إسرائيل".
- ثانيا، خصخصة النفط بحجة التنمية، فالاتفاقية التي ستدخل حيز التنفيذ في أول كانون الثاني/يناير 2009، ستحرر السلطة العراقية من القيود التي فرضها مجلس الأمن طوال العقدين الماضيين، وبالتالي ستكون نظريا حرة في إدارة شؤون الدولة، وستمارس سلطانها الكامل على قطاع النفط. أما واقعيا، فتشكل الاتفاقية تتويجا لمجموعة الإجراءات والقرارات التي اتخذها الطرفان على الصعيد النفطي خلال السنوات الخمس الماضية، والتي تأسست على رؤية سلطة الائتلاف المؤقت التي حكمت العراق حوالي 14 شهرا بعد احتلال بغداد. وتقوم هذه الرؤية التي تبنتها مختلف التشكيلات الحكومية العراقية على ضرورة خصخصة العمل في مجال النفط، وعقد اتفاقيات لتقاسم الإنتاج لتطوير القطاع النفطي، وإعطاء الأولوية إلى شركات النفط الأميركية. كما أن الاتفاقية تتوافق مع ما جاء في الدستور العراقي، الذي ينص على أن "الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة للنفط سترسمان السياسات الإستراتيجية الضرورية لتطوير الثروة النفطية والغاز الطبيعي لجلب المنفعة الأكبر للشعب العراقي، اعتمادا على أكثر التقنيات تطورا فيما يخص مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار". وبحسب الأجواء التي أحاطت بإقرار الاتفاقية الأمنية في مجلس النواب العراقي، مقدمة لإقرار قانون النفط المتعثر منذ أكثر من عام ونصف، والذي ينهي سيطرة الدولة على هذا القطاع، وينص بشكل صريح على فتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية.
ثالثا، تعطي الاتفاقية الأمنية الشركات الأجنبية، وبخاصة الأميركية، فرصة الحصول على الحصة الأكبر من النفط الذي ازدادت تقديرات حجم الاحتياطيات المتاحة إلى 350 مليار برميل، ما يعادل ثلاثة أضعاف الاحتياطيات المؤكدة حاليا، كما أنه يتجاوز الاحتياطيات السعودية المقدرة بنحو 264 مليارا، والإيرانية البالغة نحو 137 مليارا.
إن تحقيق الاهداف والخلفيات غير المعلنة في الاتفاقية يتوقف على مجموعة عوامل متصلة بالوضعين الأمني والسياسي، فعدم الاستقرار الأمني وعجز الحكومة المركزية وقبلها قوات الاحتلال على حماية حقول النفط وأنابيبه تبقى مسألة مهمة في هذا الاطار. ومن الناحية السياسية، ستكون الخلافات بين السلطة المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان حول شرعية قيام الأخيرة بتوقيع اتفاقيات منفصلة مع شركات أجنبية دون موافقة أو حتى إشعار وزارة النفط في بغداد، محددا رئيسا في تحديد حجم الاستثمار الأجنبي في حقول الشمال. كما ان التحدي الآخر يظهر في عدم وضوح أوجه إنفاق عائدات النفط؛ حيث يشك كثيرون في توجيه هذه العائدات لتمويل الاحتلال الأميركي، فيما تصر الحكومة على أنها ستخصصها للنهوض بالبنية الأساسية للبلاد، ولتحسين الخدمات العامة، وتسديد الديون الخارجية.
ثمة حديث يطول حول الاتفاقية بكافة جوانبها، الا ان رائحة النفط المنبعثة من بين النصوص الامنية تجعل العراق ومستقبله مرهون بشكل اساسي حول ما يحاك حول نفطه، فكيف سيتصرف العراقيون اولا؟ وكيف ستتصرف الادارة الديموقراطية في البيت الابيض مع الارث الثقيل؟ ام ان الامر سيان بين الجمهوريين الجدد والديموقراطيين الجدد؟ اسئلة ربما يصح الاجابة عليها في القادم من الايام. د. خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية