رئيس ينحدر ببلده وآخر يرفعه

بقلم: صباح علي الشاهر

بصدفة قدرية وفي وقت متزامن إستلم جورج دبليو بوش حكم أميركا، واستلم بوتين عقيد الكه جي بي السابق مقاليد حكم روسيا.
كانت أميركا القطب الأوحد في العالم، بلا منازع ولا مدافع، وكانت روسيا تتوارى في الظل ذليلة، ضعيفة، ومهانة.
بوش الإبن أخذ أميركا إلى طريق الإنحدار والضعف والهوان، وبسرعة لم يكن يتوقعها أشد المتفائلين حماساً.
وبوتين أخذ روسيا العليلة إلى العنفوان والقوّة على طريق إستعادة المجد التليد.
إستلم سكير حكم أميركا، وأُخذ حكيم حكم روسيا من سكير.
العلاقة الروسية الأميركية غريبة، في تقلباتها وتناقضاتها، تماماً كغرابة موقعهما الجغرافي، فأميركا تتربع في أقصى الغرب، وروسيا تتربع في أقصى الشرق، فهما من هذه الناحية البلدان الأبعدان، بحيث أصبح القول (أبعد من موسكو إلى واشنطن) مثلاً يضرب ليس في الإبتعاد المكاني، وإنما إلإبتعاد في كل شيء عندما يطلق هذا التعبير على سبيل المجاز، لكن روسيا جارة لأميركا، حيث تلتقي الأسكا المترامية الأطراف بسبيريا المترامية الأطراف هي الأخرى، وهذا ما فرضته كروية الأرض.
جاران وأبعدان ومصيران متعارضان ومتفقان.
ما كان صراع أميركا مع روسيا القيصرية بأشد من صراع أميركا مع بريطانيا مثلاً، أميركا ثارت على بريطانيا المستعمرة وأجلتها بالقوّة، مما دفع غريمة الثانية (فرنسا) إلى إهداء أميركا المتحررة من عبودية الإستعمار البريطاني نصب الحرية الذي ما زال إلى اليوم معلماً بارزاً، يرفع شعلة الحرية بمواجهة السفن الآتية من القارة العجوز ومن العالم كله، ومن المؤكد أن فرنسا لم تهد تمثال الحرية إلى أميركا بسبب ولعها بتحرر الشعوب، ففرنسا كانت دولة إستعمارية هي الأخرى، ولكن نكاية بغريمتها ومنافستها على إقتسام العالم والسيطرة عليه.
حتى ذلك الوقت لم يكن ثمة عداء بين أميركا وروسيا، لا بل أن العلاقة المتينة بين الدولتين سهلت أمر تأجير الأسكا من روسيا إلى أميركا لمدة تسعة وتسعين عاماً (تأبدت فيما بعد) لقاء بضعة آلاف من النقود الذهبية المقدمة لقيصر روسيا.
ما قبل عام 1917 كان الصراع بين أميركا وروسيا القيصرية صراع مصالح لا يختلف عن صراع أميركا مع ألمانيا أو اليابان أو تركيا العثمانية. كان صراعاً بين نظامين متشابهين من حيث الجوهر، مختلفين من حيث الشكل، ذاك ملكي (قيصري)، وهذا جمهوري (ديمقراطي).
بعد إندلاع الثورة البلشفية في روسيا في أكتوبر 1917 إختلف الصراع جوهرياً. أصبح صراع نظامين مختلفين، كل منهما يريد أن يقوّض الآخر.
لم يمنع هذا الصراع من التحالف بين الدولتين اللتين كانتا على طرفي نقيض، إذ سنشهد فيما بعد تحالفهما معاً لمواجهة النازية والفاشية، بإعتبارهما عدوتان للشعوب ينبغي القضاء عليهما، وهذا ما تم فعلاً.
أثناء الحرب ضد النازية الألمانية والفاشية الإيطالية توّحد المتخاصمون على جبهات الصراع العسكري والفكري، وعاشت البشرية بضعة سنوات نادرة من الإلفة والمودة بين البشر، رغم أن البشرية كانت قد قدمت عشرات ملايين الضحايا من أجل الإنتصار المكلف كثيراً إلا أن خلاص البشرية من النازية والفاشية كان أمراً حيوياً.
وحيث أن التحالف، مثلما الصراع، كان نتيجة مصالح فإن هذه المصالح وأختلافها، أدى إلى تأجج الصراع مجدداً، وعلى نحو متسارع، إلا أن هذا الصراع، وربما بفعل تأثير الحرب الكونية التي ما زالت أهوالها طرية في الأذهان لم يتحوّل إلى حرب حارة، بل تحوّل إلى ما سيتم الإصطلاح عليه بالحرب الباردة التي تدشنت في حكم الرئيس الأميركي المتعصب ترومان.
كان تدخل الأميركان في اليونان عام 1947، ومحاربتهم الفعلية والعملية لقوات الأنصار الشيوعية هو التدشين العملي للحرب الباردة، ثم أعقب ذلك تدخل الأميركان في كوريا الجنوبية علام 1955، ثم التدخل في الفيتنام عام 1962، والتدخلات الأخرى في كمبوديا ولاؤوس وأميركا اللاتينية، وسلسلة الإنقلابات التي خططتها ونفذتها وكالة المخابرات المركزية الأميركية في أرجاء العالم، وبالأخص العالم الثالث، والتي كان لعالمنا العربي نصيب فيها.
كانت الحروب بين العملاقين أثناء فترة الحرب الباردة تجري بالنيابة، فباستثناء الحرب الجاسوسية والإقتصادية فقد كان الإتحاد السوفيتي يشن حربه ضد الإمبريالية الأميركية، في مناطق أخرى بعيدة كثيراً عن حدود الإتحاد السوفيتي، وكذلك كانت تفعل أميركا، وعندما تعرض العالم لخطر قيام حرب جوار أميركا فيما سُمي بأزمة الصواريخ في كوبا، لاحظنا كيف تم عبر الخط الساخن بين الرئيس كنيدي وخروشوف حل هذه المعضلة بتفاهمات ما زال الجميع متمسكا بها حتى هذه اللحظة.
مع إنهيار المعسكر الإشتراكي والإتحاد السوفيتي المفاجيء، إنتهت الحرب الباردة عمليا، وإنتهى الصراع الإيدلوجي بين الشرق والغرب، للتحوّل الحرب حارة ضد الشرق، وبالتحديد في الشرق الأوسط، وليتأجج صراع أيدلوجي من نوع آخر، هو بكل المقاييس أخطر وأشد هولاً لو قيّض له الاستمرار.
في فترة إنعدام الوزن الروسي تم لأميركا التواجد في أفغانستان، وفي الجوار القوقازي، ومُزقت يوغسلافيا، وأسقطت كل النظم المعادية لأميركا في أفريقيا وأميركا الاتينية عدا كوبا، وفي آسيا عدا الفيتنام وكوريا الشمالية، وإيران. وتم إحتلال العراق، وأعلن إستقلال كوسوفو عن صربيا الموالية لموسكو، وبدء الأميركان بنصب الدرع الصاروخي في أوربا. في ظل هذه الأوضاع إستلم بوتين رئاسة روسيا من السكير بوريس يلسين، كانت الدولة مهلهلة، والمافيات الروسية تحكم روسيا، وكان على بوتين أحياء روسيا، وإيقاظها من غفوتها، عبر تعزيز سلطة الدولة الروسية، ومحاربة نفوذ المافيات، وإستعادة ما سرقوه من أموال الشعب، وإعادة الهيبة للجيش الروسي والقوات المسلحة، وإعادة العمل بالتصنيع العسكري، وبعد أن تم لبوتين هذا، بدأ بلعب الدور الفاعل والمستقل في السياسة الدولية، وأتجه إلى حلفاء الأمس مبتدءاً بالأقرب التنين الصيني، والهند وإيران، ثم أنفتح على البقية ليبني شبكة مصالح متبادلة أخذت تنمو بوتيرة متصاعدة، ثم أعلن وقوفه بوجه إقامة المنظومة الصاروخية الدفاعية في أوربا، وعبّر عن رفضه للنظام الأمني القائم في أوربا، وإصراره على إيجاد بديل للدولار الأميركي كعملة إحتياط عالمية.
لقد رفع بوتين روسيا من أسفل الوادي، وجعلها تحلّق مع الأقوياء، في حين أنزل بوش الإبن أميركا من عليائها، وجعلها تتخبط في أزماتها، العسكرية والمالية والأخلاقية. صباح علي الشاهر