رؤية للقرن الحادى والعشرين: التنوير والدين

إشكالية التكامل بين الإيمان والتنوير العقلاني

مع بداية هذا القرن تبنت جامعة بوسطن بأمريكا مشروعاً أطلقت عليه لفظ «بايديا»؛ وهو لفظ في أصله يوناني ومعناه التربية الأخلاقية للفضيلة. والغاية منه إعادة النظر جذرياً في مفهوم التربية بحيث يفضى إلى تكوين مواطن لديه احساس بالمسئولية الأخلاقية والثقافية في إطار دولي.

وهو، في النهاية، مشروع لا يخص أمريكا وحدها بل يخص العالم برمته، ويشرف على انجازه رئيس قسم الفلسفة والأديان بجامعة بوسطن. وكان المسئول الأول عن تنظيم المؤتمر الفلسفى العالمي العشرين الذى انعقد تحت رعاية جامعة بوسطن في عام 1998، وكان، في حينها، مسئولاً أيضاً عن مشروع «بايديا».

وفى مارس 2003 عقد أول مؤتمر لذلك المشروع تحت عنوان «بايديا والدين.. التربية من أجل الديمقراطية». وقد دعاني لإلقاء بحث في جلسة هو رئيسها، وكان عنوانها «الايمان والمعرفة والتنوير العقلاني»، ووقتها ارتأيت أن يكون عنوان بحثى «وحدة المعرفة والتنوير». والفضل في هذه الصياغة مردود إلى بحث كان قد نشره الفيلسوف الفرنسي ديدرو ( 1755) وهو أحد مؤسسي التنوير الأوروبي في القرن الثامن عشر وذلك تحت عنوان «الانسيكلوبيديا». وهذا اللفظ في أصله يوناني ومكون من ثلاثة مقاطع: en بمعنى في وKyklos ومعناه

دائرة أما لفظ Paideia فيعنى المعرفة. واللفظ في جملته يعنى وحدة المعرفة، وكانت تعنى عند ديدرو تجميع المعلومات من أجل تسليمها للأجيال القادمة بحيث تكون منتجات الأجيال الماضية مفيدة للأجيال القادمة.

والسؤال اذن: هل وحدة المعرفة تعنى تجميع المعلومات؟

الحاصل أن فلاسفة التنوير قد ارتأوا أن العلوم برمتها ينبغي أن تحاكى علم الفيزياء، ومن هنا يكون لدينا وحدة العلم. ولكن هل معنى ذلك أن القسمة في مجال المعرفة بين الفلسفة والعلم التجريبي تتوارى بلا رجعة؟ جاء جواب كانط- أعظم فلاسفة التنوير- على النحو الآتي: أعترف بلا تردد أن الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم قد أيقظني من سُباتي الدوجماطيقى ومن ثم كان سببا في السير في اتجاه جديد.

والسؤال اذن: ما هو هذا الاتجاه؟

إن العقل الإنساني ليس في إمكانه قنص المطلق ولكن في إمكانه أن يتصور المطلق على أنه رمز على الوحدة، وليس من المهم بعد ذلك أن تقول عن هذا المطلق إنه الاله أو الدولة. ويترتب على ذلك نتيجة مهمة وهى أن ليس ثمة علاقة بين الحقيقة والمطلق ولكن بين المعرفة والمطلق. ومعنى ذلك أنك إذا أدخلت المعرفة في المطلق فأنت تحصل على وحدة المعرفة وليس وحدة الحقيقة. ويترتب على ذلك أيضا نتيجة ثانية ومهمة وهى أن ليس ثمة حقيقة لأن الحقيقة بحكم طبيعتها واحدة ولا تتعدد.

أما إذا تعددت فتصبح نسبية، وما هو نسبى هو في تغير متواصل، وهذا بدوره يؤدى إلى تكذيب أى حقيقة وهذا تناقض في الألفاظ على حد قول المناطقة. وإذا أصبت بالعناد وصممت على أنك تملك حقيقة واحدة لا تتغير أبداً فأنت تقع في وهم الدوجماطيقية.أما في حالة القول بوحدة المعرفة فأنت لن تقع في هذا الوهم، ولكن بشرط أن تكون وحدة المعرفة منفتحة وليست منغلقة، وهى منفتحة بالضرورة بسبب تدخل العقل الإنساني في أى صياغة معرفية، أو بالأدق علمية.

عندما يتدخل العقل الإنساني في انجاز هذه الوحدة فإنها تصبح ذات طابع إنساني فينتفى اليقين. وهذا هو الذى دفع العالم الفيزيائي الألماني هيزنبرج إلى إعلان مبدئه المشهور في عام 1927 بأن علاقات اللايقين هي السائدة بعد أن أزاحت اليقين. ويترتب على ذلك أيضا نتيجة ثالثة وهى أن العقل الإنساني ليس فى إمكانه إدراك الواقع كما هو إنما إدراكه على نحو ما يبدو له، ومن ثم فإنه يشكله ويوجهه كما يريد. ألم ينخرط العلماء في الحرب العالمية الثانية في انتاج القنبلة الذرية التي كانت سبباًحاسما في إنهائها. ويترتب على ذلك أيضا نتيجة رابعة وهى أن العلماء الذين أنتجوا هذه القنبلة قد أصبحواسلطة جديدة من حيث إنهم صناع السياسة. ويترتب على ذلك أيضا نتيجة خامسة وهى أن السياسة تدخل في تشكيل العلم بحيث يكون لدينا ما يمكن أن نقول عنه إنه العالِم السياسي أو بالأدق العالم الفيزياسياسى.

والسؤال بعد ذلك: أين مكانة الدين في وحدة المعرفة؟

وأجيب بسؤال: ما الدين؟

الرأي عندي أن للدين معانى ثلاثة: الدين من حيث هو إيمان والدين من حيث هو معتقد أي دوجما. والدين من حيث هو معتقد يتحكم في الوضع السياسي ويغيَره بالقوة.

تفصيل ذلك: ما الايمان؟ في اللغة العربية كما في اللغة الأجنبية الايمان هو التصديق بالقلب. وما الدوجما؟ هذا اللفظ معربَ عن اليونانية. وهو في أصله اليوناني يعنى الظن ولكن مع بداية القرن الرابع الميلادي أصبح يطلق بالجمع أي دوجمات ويقصد بها الأفكار المطلقة، أي الأفكار الثابتة والمتحجرة والمستمدة من سلطة خارجية وليس من سلطة العقل، ومن هنا يقال عن الدوجمات إنها لا معقولة. ويقول كانط فى كتابه المعنون الدين في حدود العقل وحده( 1794): إن الانسان العقلاني بإرادته المحضة يحصر نفسه في حدود البصيرة الانسانية، ومن ثم فإنه من حيث هو عقلاني لا يسقط على الاطلاق في الدوجماطيقية. ولهذا فإن الدوجما لا تدخل في وحدة المعرفة كما أن الايمان أيضا هو كذلك لأنه مجرد احساس باطني.

والسؤال بعد ذلك: ما مستقبل الدين؟

إذا حدث تنوير ثانٍ فالدين من حيث هو معتقد هو بلا مستقبل أما الايمان فباقٍ لأنه احساس باطني لا علاقة له بالعقل.

مراد وهبة

باحث مصري