رؤية لـلقرن الحادى والعشرين: أزمة الإسلام

صاحب كتاب يُعد منفستوالأصوليات الدينية

ثمة كتاب يتناول المعضلة الاسلامية وصادر فى عام 2003، أى فى العام نفسه الذى نشر فيه الأمريكى بنيامين باربر كتابه المعنون « الجهاد ضد عالم السوق الاستهلاكي»، وهو من تأليف المستشرق البريطانى ومستشار البيت الأبيض برنارد لويس. العنوان الرئيسى لكتابه « أزمة الاسلام» وعنوانه الفرعى «حرب مقدسة وارهاب غير مقدس». والتناقض كامن فى العنوانين الرئيسى والفرعي. التناقض فى العنوان الرئيسى كامن فى لفظ «أزمة» لأن الأزمة تستلزم وجود تناقض. والتناقض فى العنوان الفرعى قائم بين لفظى مقدس وغير مقدس.

الكتاب اذن محوره الكشف عن التناقضات الكامنة فى العالم الإسلامي، أو بالأدق، محوره الكشف عن المعضلة الاسلامية. والكتاب، فى أصله، مقال نُشر فى نيويورك فى نوفمبر 2001، أى إثر أحداث 11 سبتمبر. والحرب المقصودة فى العنوان الفرعى لا تعنى الحرب ضد الاسلام أو ضد المسلمين، إنما تعنى الحرب ضد عدو مشترك هو أسامة بن لادن الذى أعلن فى 7 أكتوبر 2001 أن الاسلام قد عانى الضعة والخزى أكثر من ثمانين عاماً. ففى عام 1918 انهزمت الدولة العثمانية وتفككت واستولت عليها بريطانيا وفرنسا، ومن ثم انتهت الخلافة الاسلامية التى دامت حوالى ثلاثة عشر قرناً. وفتوى علماء المسلمين تُجمع على القول بأنه فى حالة الاعتداء على أرض الاسلام فإن الجهاد يصبح فريضة. ومع ذلك فإن حرب الخليج فى عام 1991 اشعلتها أمريكا وحلفاؤها من العرب لتحرير الكويت من الاحتلال العراقى وحماية السعودية من احتمال الغزو العراقى أيضا.

مع ذلك ثانياً فإن مصر، وهى من الدول العربية، تعانى تناقضا فى هويتها فهى تارة مصرية وتارة أخرى عربية وتارة ثالثة ًاسلامية. وهذا التحدى الذى تواجهه مصر كما تواجهه بعض الدول الاسلامية آت من الاسلام السياسي، أو بالأدق من الأصولية الاسلامية. ومع ذلك رابعاً فإن الاسلام ليس فيه سلطة دينية إلا أنه لا يفصل بين ما هو سياسى وما هو دينى فهل يعنى ذلك أن الاسلام ثيوقراطي، أى نظام الهى؟ جواب لويس بالإيجاب إذا كان ذلك النظام يعنى أن الله هو السلطة العليا، وجوابه أيضا بالسلب إذا كان يعنى ذلك النظام أن السلطة العليا هى سلطة رجال الدين ومع ذلك فنظام آية الله الخومينى يؤيد الجواب بالإيجاب، كما أن الاسلام السياسى الراهن أو بالأدق الأصولية الاسلامية تواكب ذلك النظام وتؤسسه فى السودان وفى أفغانستان وتهدد به كلا من الجزائر ومصر، وتدفع المسلمين، فى العالم الإسلامي، إلى كراهية الغرب، ومن هنا تأتى محنة الغرب فى رأى لويس، وهى محنة ليس فى الامكان تفاديها.

مع ذلك فإن لويس يثير السؤال الآتي: هل الأصولية الاسلامية مهددة للغرب؟ جواب الساسة الغربيين مزدوج، إذ هم يرون أن الأصولية الإسلامية قد ارتأت إثر سقوط الاتحاد السوفييتى والكتلة الشيوعية أن تكون هى العدو البديل. ولكنهم من جهة أخرى يرتأون أن المسلمين بمن فيهم الأصوليون يؤثرون السلام مع الغرب وأن الغرب هو الذى يخترع العدو الجديد بديلاً عن العدو القديم.

الانجاز الحضاري خيانة

مع ذلك فإن لويس يرى أن الاختيار بين الرؤيتين قد تم لحساب رؤية سيد قطب المؤسس الحقيقى للأصولية الاسلامية وللثورة الايرانية ولشعارها الذى ذاع كوكبيا «أمريكا هى الشيطان العظيم». ومن هنا يقف الأصوليون المسلمون ضد الحداثة بدعوى أن الانحياز إليها خيانة للقيم الاسلامية الأصيلة. والبديل الالتزام بالشريعة. وإذا كان هذا البديل مرفوضاً فالإرهاب أمر لازم ومطلوب، وقد كان بقيادة تنظيم القاعدة. وقد يقال إن ذلك التنظيم لا يمثل الاسلام لأن تعاليمه مناقضة للمبادئ الأساسية للإسلام،ولكن ما يضعف هذا القول هو أن تنظيم القاعدة قد بزغ من داخل الحضارة الاسلامية مثلما بزغ هتلر ومعه النازية من داخل الحضارة المسيحية. وهنا يثير لويس سؤالاً مأساوياً هو على النحو الآتي: ماذا يحدث لو أقنعت القاعدة العالم الإسلامى برأيها؟

يقف العالم برمته بما فيه العالم الإسلامى فى انتظار مستقبل مظلم.. وفى خاتمة طبعة 2003 يثير لويس عبارة أخرى مأساوية هى على الآتي: إذا انهزمت الحرية وانتصر الارهاب فالشعوب الاسلامية أولى الضحايا إلا أنهم لن يكونوا وحدهم، إذ سيكون معهم آخرون.

معضلة حضارية

الرأى عندى أن المعضلة الاسلامية ليست اسلامية بقدر ما هى حضارية. فالعقل الإنسانى قد أصيب بالأفول إثر بزوغ الأصوليات الدينية فى النصف الثانى من القرن العشرين بدعوى أن تنوير القرن الثامن عشر بربرية وجاهلية على حد تعبير ادموند بيرك فى كتابه المعنون «تأملات فى الثورة فى فرنسا» ( 1790). وفى تقديرى أن ذلك الكتاب يمكن اعتباره «منفستو الأصوليات الدينية».

فأنت عندما تقرأه تصبح على وعى بأنك تقرأ كتابا من مؤلفات المذهب الوهابى الذى نشأ مواكباً لآراء بيرك أو كتاب « معالم فى الطريق» لسيد قطب أو كتابات القس المسيحى جيرى فولول مؤسس حزب «الغالبية الأخلاقية» فى أمريكا فى عام 1979. إذا كانت الأصولية تعنى «التفكير فى النسبى بما هو مطلق وليس بما هو نسبى» فالبديل هو العلمانية لأنها تعنى «التفكير فى النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق». ونخلص من ذلك إلى أن معضلة العالم الإسلامى هى معضلة الحضارة الانسانية فى زمن الأصوليات بلا زيادة أو نقصان.

مراد وهبة

كاتب مصري