رأي وجيز في 'الثقافة الجنسية'

بقلم: جواد البشيتي
يفشلون في ما يجب أن ينجحوا؛ وينجحون في ما يجب أن يفشلوا!

يميل الشباب، أو المراهقون، من طيف اليسار (الشرقي، والعربي منه على وجه الخصوص) إلى إثبات وإظهار وتأكيد يساريتهم من خلال الحديث، والإكثار من الحديث، عن قضايا من قبيل "الحرية الجنسية"، و"حرية المرأة"، و"العلاقة الحرة بين الجنسين"، و"الثقافة الجنسية (التي يجب نشرها وتعميمها)".

أمَّا "الانتماء اليساري"، في أوجهه وصوره الأخرى، والتي هي في منزلة الجوهر والأساس، فلا يستأثر باهتمامهم، وكأنَّ "اليسارية"، على ما يكتنف هذا المفهوم من اضطراب وغموض وإبهام، هي "الفرويدية" وقد لبست لبوس اليسارية السياسية والاجتماعية.

إنَّهم، أي الذكور منهم، وفي الجامعات على وجه الخصوص، وبسبب ما يعانونه من حرمان جنسي، وتصحُّر في حياتهم العاطفية، ما أن تَسْنَح لهم فرصة مجالسة الصبايا حتى تستبد بهم الرغبة في الحديث عن "تحرُّر المرأة"، وضرورة تحرُّرها، وعن "العلاقة الحرَّة بين الجنسين"، ومزاياها، وعن ضرورة التحرُّر من العادات والتقاليد المنافية لـ "حرية المرأة"، والتي تقيم أسواراً صينية بين الجنسين.

وكثيراً ما اكتشفتُ "انتهازية (جنسية وغرامية) خالصة" تكمن في "معتقداتهم اللسانية"، فهُم إنَّما يشبهون ربِّ العمل الذي، من أجل تصريف بضائعه، يتمنى أن يقوم رفاقه من أرباب العمل بزيادة أجور عمالهم هُمْ؛ أمَّا هو فـ "الفضيلة (الاقتصادية)" تقضي بأن يحجم عن القيام بذلك.

كلُّهم "قاسم أمين"، أو أكثر، في دعوته إلى تحرُّر المرأة، على أن تستثنى من فضيلة (أو رذيلة) هذا التحرُّر الأخت مثلاً، وكأنَّ "اليسارية"، في وجهها هذا، هي "القصدير".

"المرأة" في مجتمعنا ليست "نصف المجتمع" إلاَّ من الوجهة العددية الكمية الصرف؛ أمَّا من الوجهة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.. فهي "أقلية".

والمرأة، في مجتمعنا، هي "المعبودة ـ المُسْتَعْبَدة"، فالرجل، أي الزوج، يعبدها ما بقيت مُسْتَعْبَدة، ويكفر بها، ويناصبها العداء، إذا ما رآها تبدي ميلاً إلى التحرُّر، أي إلى عصيانه، وعصيان مجتمعه، فـ "النساء" إنَّما هُنَّ "القوارير"؛ ولا بدَّ للرجل ـ الزوج من أن يرفق بـ "القوارير"!

وإنها نعمة ما بعدها نعمة، ومكانة ما بعدها مكانة، وإنصاف ما بعده إنصاف، أنْ تُضْرَب الزوجة ضرباً غير مؤذٍ!

إنني لستُ مع التطرُّف في "رجولة الرجل"، وفي "أُنوثة المرأة"؛ ولكنني لستُ مع تلك "الوسطية" المنافية لـ "المُركَّب الهيجلي" الشهير.

قديماً، رأينا الرجل المتطرِّف في رجولته، أي "الرجل ـ الفارِس"؛ ورأينا المرأة المتطرِّفة في أُنوثتها، والتي تنير كالشمعة بيت زوجها، وتكون له "وليمة فوق الفراش"، وتتزيَّن له وتتبرَّج، وتَسْتُر كل مواطِن الجمال فيها، والتي يسمُّونها "العورات"، عن غيره من الرجال غير المحرَّمة عليهم.

وهذا "التضخُّم" في "الرجولة" و"الأُنوثة" شرع يتحوَّل إلى نقيضه، أي إلى "التطرُّف الآخر"، فالرجل مُسِخَت رجولته، وتشبه كثيراً بالأُنثى؛ والمرأة مُسِخَت أُنوثتها، وتشبهت كثيراً بالرجل، واسترجلت، فما عاد رجالنا بالرجال، وما عادت نساؤنا بالنساء، فمجتمعنا امتلأ برجال من ورق، وبنساء من ورق.

وبعض النساء ("المتحرِّرات") فَهِمْنَ "الحرية" على أنَّها تخطِّي وتجاوز كل حدٍّ، فأفرطن في حريِّتهن حتى فرَّطن في المعاني الحقيقية للحرية. وكان ينبغي لهن أن يتعلَّمن من تجربتهن في "الحرية" أنْ ليس كل تجاوز للحدود يعني التحرُّر، فبعضٌ من هذا التجاوز يفضي إلى "التحلُّل".

هذا الانتقال من تطرُّف إلى تطرُّف لا بدَّ له في آخر المطاف من أن يؤسِّس لتجربة وحياة جديدة، تقوم على "تقويم التطرُّفين"، فنرى "المرأة الجديدة" وقد نبذت "الاسترجال"، مُطعِّمة شخصيتها بكثيرٍ من معاني "الرجولة"؛ ذلكَ لأنَّ "الرجولة" فيها من المعاني ما يجعلها خاصية اجتماعية للمرأة أيضاً؛ ونرى "الرجل الجديد" وقد نبذ "الرجولة المتوحشة الفاسدة"، والتي هي من ضحالة معنى الرجولة بمكان.

وهذا الانتقال إنَّما يعني، في بُعْدِه النسائي، قيام مجتمع المرأة الحرَّة المحتشمة، فالمرأة الحرَّة إنَّما هي المرأة التي نبذت الآفتين معاً: آفة التزمُّت وآفة التحلُّل. إنني مع المرأة الحرة الواعية المثقَّفة المحتشمة، والتي لا تقف حائرة متردِّدة بين "خنوع نَعَم" و"تمرُّد لا".

وهذا إنَّما يعني أنْ لا علاقة حرَّة سوية بين الرجل والمرأة إذا لم يكن لدينا رجال أحرار، ونساء أحرار، فلا حرِّية، مهما كان نوعها أو جنسها، في غياب الأحرار.

وإنَّه لمن الوهم الخالص أن نعتقد أنَّ حرِّية الجنسين (أقول "الجنسين"؛ لأنْ ليس لأحدهما من حرية حقة ما بقي الآخر غير حرٍّ) تنشأ وتنمو وتتوطَّد مع نشر وتعميم "الثقافة الجنسية"، التي على أهميتها التربوية ليست بالشرط الذي لا بدَّ لنا من أن نستوفيه توصُّلاً إلى حرِّية الجنسين، وإلى حريتهما الجنسية، وإلى تحرُّر المرأة بوصفها أقلية اجتماعية مضطَّهدة مُسْتَعْبَدة.

ولو كان "الجنس"، ولجهة ممارسته، "ثقافة" لكانت الحيوانات جميعاً "مثقَّفة"، فـ "الجنس"، لجهة الرغبة في ممارسته، وفي ممارسته ذاتها، إنَّما يشبه سباحة السمك في الماء، فهل تتعلَّم السمكة السباحة قبل، ومن أجل، أن تسبح؟!

إنَّ "الثقافة"، في معناها الواسع، نحتاج إليها في كل عمل نؤدِّيه، وفي كل جانب من جوانب حياتنا الشخصية والعامة، فهي العِلْم المتأتي من خبرات البشر المتراكمة؛ ولا بدَّ لنا من أن ننهل دائماً من هذا العِلْم، ومن أن نضيف إليه في الوقت نفسه.

تثقَّفوا، فلا بأس من أن تتثقَّفوا، في أمور الحياة الجنسية، فممارسة الجنس، وإنْ كانت غريزية المنشأ والأصل، هي أيضاً بنت العِلْم والفن.

والرجال، أو الأزواج، في مجتمعنا يظهرون دائماً فشلاً وجهلاً وعجزاً في "الحبِّ"، وفي "الزواج"، وفي "الجنس"، وفي أن يكونوا "الآباء الحقيقيين" لأبنائهم، فلا شيء "ينجحون" فيه سوى "الطلاق" و"الإكثار من الزوجات"، و"الإكثار من الأولاد".

إنَّهم يفشلون في ما يجب أن ينجحوا؛ و"ينجحون" في ما يجب أن يفشلوا!

وَلْنَتَذَكَّر عند الحديث عن المرأة الحرة، وعن تحرُّر المرأة، أنَّ التاريخ لم يعرف قط، ولن يعرف أبداً، مجتمعاً يجتمع فيه "الرجال الأحرار" و"النساء المستعبدات"، فلا وجود لـ "الرجال الأحرار" في مجتمع نساؤه مستعبدات؛ ولا وجود لـ "النساء المستعبدات" في مجتمع رجاله أحرار.

الرجل قد يكون سيِّداً.. سيِّداً على المرأة، وسيِّداً في مجتمعه؛ ولكنه يكفي أن يكون كذلك حتى لا يكون سيِّد نفسه، فـ "الحُرُّ" ليس بسيِّدٍ، وليس بعبدٍ! جواد البشيتي