رأي في الأزمة العراقية الجديدة

سأتحدث إليكم هذه المرة لا بصفتي الشخصية بل بصفتي الحزبية السياسية، وسأعبرُ لكم عن رأي كل الليبراليين الديمقراطيين في العراق الذين يهمهم إستقرار العراق وأمنه وتقدمه وعدم ضياعه، وكما سأعبر عن روح الشعب الذي يرغب بالعيش الكريم دون محرضات ودون إفتعال للأزمات، وكلنا يعلم إن هذه المطالب والشعارات والتظاهرات التي تحدث ببعض المحافظات إنما هي خليط بين مطالب خدمية مشروعة وبين توجهات سياسية متطرفة حادة ومخالفة للقانون والدستور، لهذا نقول: إن في هذه الأزمة الحالية لا يجب المزج بين المطالب الشعبية الحقة وبين الإرهاصات غير المبررة.

فالرغبة في تغيير نظام الحكم أو طريقة الحكم في العراق لا بد أن تخضع لموازين قانونية ودستورية وليس هو رغبة أو طموح أو عدم رضا وحسب، ففي هذه الأزمة الجديدة سمعنا خطاباً فئوياً وخطاباً طائفياً تحريضياً ونفساً مذهبياً وهذا كله يخلق أزمة ولا يصنع حلاً لمشكلة أو لمشكلات بل هو تأجيج لنار الفتنة والقلق وعدم الإستقرار، وكلنا يعلم إن العراق ومنذ التحرير لم يهدأ ولم يهنئ له بال، بل عاش الصراع والقتل والجريمة والقلق عاش التزاحم والتدافع السلبي ولهذا فقد العراق وشعبه الكثير من المصداقية وفقد الرهان عليه ليكون داعماً ومؤسساً للنظام الديمقراطي في المنطقة، ولم يكن الصراع فيه من أجل البناء والتقدم والتطور بل هو صراع وقلق دوافعه طائفية ومذهبية معروفة، ولهذا كثُر الفساد وكثُر النهب وتفنن السُراق فتعطلت الحياة فيه ولم ينجح له مشروع تنموي طموح في كل المحافظات والبلدات، ويؤسفني أن أقول: إنه لم نجد إلاّ القليل من بداخله حسٌ وطني يعلو فوق هذا المزاج الطائفي المقيت.

وبدا لنا وكأن العراقي لا يحلو له المُقام ولا يهنئ له العيش إلاّ بظل حكومة فاشية دكتاتورية، وبدا لنا وكأن الديمقراطية عند بعض القوم هي فوضى ولا نظام وإفساد في عقلية الناس ومزاجهم، أو إنها من يُباعد بينهم وبين وطنيتهم في ظل ثقافة الخوف الطائفي من الآخر.

وكنا نحن معشر الليبراليين الديمقراطيين ننادي وببراءة وحُسن نية بوجوب الإلتزام بالقانون والنظام، وكنا دوماً نوفر الفرصة لمن يريد لكي يتقبل بعضنا البعض الآخر، نازعين عن أنفسنا وعن غيرنا مفهوم الأحقية التاريخية والأحقية القهرية، منادين بلزوم التوافق على الوطن الواحد وعلى حاجات الناس الضرورية والطبيعية، مُشيعين بين الكافة معنى إحترام الديمقراطية كخيار وكثقافة وكحياة لمن يريد ان يتنافس في الخير والعمل الصالح، كنا هكذا ننصح الشركاء وندلي بدلونا حين يُتاح لنا ذلك، ولم ندعي إننا الحق ودوننا الباطل معبرين عن ثقافتنا وعن إيماننا وعن شعورنا بالوطن وكيف يجب ان يكون؟ واليوم وفي ظل هذا التدافع والحراب الطائفي تبدو حاجة العراقيين للمشروع الليبرالي الديمقراطي ماسة وضرورية وضاغطة، فالشعب هذا المغلوب على أمره أصابه التباعد الوطني وصار عبارة عن جزر مفككة ولهذا فنحن قلقون على مصيره وعلى مستقبله وعلى وجوده ووحدته، فهناك ثمة ما يؤرقنا في هذه الإتجاه حقاً فالتقسيم حسب الأسس الطائفية يُعمل عليه من جهات وأطراف محلية وخارجية، وهذا التقسيم الإكراهي يبدو واضحاً وملموساً ولكي يكون ممكناً فلابد من أن يعيش الوطن ذلك الصراع الدامي الحاد، والذي سيذهب فيه العراق إلى غير رجعة وتذهب معه أحلامنا وأحلام كل العراقيين، إن جيلاً من العراقيين سيفقد في ذلك الصراع هويته ويفقد إنتماءه وستتبدل فيه ثقافة معنى الوطن لتحل محلها ثقافة طائفية ومذهبية سوداء، وفي ذلك ومعه لن ينجو أحد ولن يكون في مأمن من هذا الطوفان المخيف المرعب، ونحن نعلم طبيعة المزاج العراقي وتطرفه وعاطفيته ولهذا فمن يضرب على عصا المظاهرات والإحتجاجات من دون حساب ومن يسير في هذا الركب إنما يدق المسامير في نعش العراق، صحيح إن هناك مطالب مشروعة وحقه في هذا التدافع لكن الصحيح إن هذه المطالب تذهب وسط الريح، فتتبدل الموازين والقيم ولهذا نقول: - أعرفوا الحق تعرفوا أهله لا يعرف الحق بالرجال -..

وأقول: لمن في قلبه حبٌ حقيقي للعراق أن يبتعد عن هذا الصراخ وأن يحترم القانون، فالمرأة كما الرجل في القانون وفي الشريعة سواء في العقاب وفي الثواب، وكلنا يدري إن كثيراً من نساء العراق قد غُرر بهن تحت حجج وهمية، بل وإن البعض منهن قد فجرن أنفسهن كإنتحاريات، ومن أراد الحق وسعى له فعليه أن يطالب بتطبيق القانون بحقهن من غير تنازل فالحق لايجزء كما إن العدل لا يجزء، ومن ثبت بالدليل القطعي إشتراكها في أي عمل إرهابي أو جريمة بحق الشعب فيجب تطبيق القانون عليها وبصرامة وبحزم، وهذا الإجراء وهذا الحكم ليس للردع فحسب بل هو القانون والشرع، والمرأة التي تنتمي إلى منظمات إرهابية أو تمارس الإرهاب أو تنشر الفكر الإرهابي مجرمة بحسب القانون والشرع، ولهذا فيجب ان ينالها العقاب أسوة بالرجل من غير فرق.

ثم إن الأخ رئيس الحكومة غير مسؤول عن الإجراءات القضائية وما تصدره المحاكم وليس من حقه التدخل في شؤون السلطة القضائية، هو بحسب الدستور منفذ للقانون وليس هو القانون، ومن يرغب بتدخل السلطة التنفيذية بشؤون القضاء إنما هو دفع وإغراء للدكتاتورية متعمد، ومن يريد العيش في دولة ديمقراطية فيجب ان يؤمن بان الحل والربط في المسائل القضائية والجنائية هو بيد المحاكم وليس بيد رئيس الوزراء، ومن يختلف مع رئيس الوزراء في شيء فيجب أن يحترم هذا الإختلاف في ظل القانون وليس بالفوضى والمؤامرات والمكائد، هذه هي الديمقراطية لمن يريد العيش في ظلالها...

ثم لماذا لا يتوجه الشعب للبناء بدل المهاترات وصنع المشكلات؟ لماذا لا يعمل العراقي على صُنع عراقه المتقدم الممكن فيه الحياة؟ لماذا يعتبر البعض كون الحاكم شيعياً فتلك هي الطامة الكبرى؟ لماذا لا نؤمن بخيارات الشعب ونحترم رأي الأكثرية؟ لماذا لا نعمل من أجل ترسيخ روح المواطنة بدل التنافس على المناصب والكسب الحرام؟

أنا لا أقول إن رئيس الحكومة رجل معصوم، ولم أقل أطيعوا الرجل في كل حال، بل أقول: لماذا توضع كل العراقيل بوجهه من يوم توليه المنصب وإلى الآن؟

أنا لا أظن إن الأمر متعلق بشخصه بل بهذا النوع من الديمقراطية، أو بهذا السلوك السياسي الجديد، مشكلات العراق تُحل حين يؤمن العراقي بمستقبله الذي يبنيه بجهده وعرقه، وحين يؤمن بأن الديمقراطية هي خياره النهائي، وحين يخرج من دائرة القلق والتنافس الطائفي المزاجي النتن، وحين يتعلم إن الإستفزاز شيء قبيح لا من خلال الممارسة ولا من خلال الإيمان بشيء ما، إستفزاز الآخر ممنوع في عبادته وفيما يؤمن به، فالتعايش ليس كلام إنشاء أو رغبة تسطر بل هو ممارسة وعمل وثقافة يومية، ومن هنا فلايجوز جعل إيمان أي طرف ما هو إستفزاز للطرف الآخر.

إن الإيمان بالوحدة الوطنية والوحدة الدينية يجب ان ينبع من قناعة ومن وعي ومن ثقافة رصينة، وهنا أشير إلى دور الحكومة وإلى دور الإعلام النزيه في ترسيخ تلك القيم والتقليل من حدة التنافس والنزاع، وبث روح المحبة والتقليل من الإندفاع والجهد العاطفي الذي يضر في العادة ولا يفيد، كما أرجوا من أخواني السياسيين أن يترفعوا بلغتهم وبخطابهم وأن لا يعلقوا آمالاً كباراً على هذا التدافع وعلى هذا المزاج القلق وأن لا يعيشوا على هذه الظاهرة، فهي التي سرعان ما تخبوا وتزول والتاريخ خير شاهد ودليل، وأما الباقيات الصالحات فهي الوطن وهي المواطن.

راغب الركابي