رأس العراق في دورة حلاقة 'دولية'!

روى لنا صديق، زميل لنا، حكاية طريفة، بعد ان عاد من دورة للحلاقة شارك فيها، مرشحا عن وحدتنا، خلال خدمتنا العسكرية في الثمانينيات، وقال، انهم، اي الجنود المشاركين في الدورة، جيء لهم اثناء التدريب، بجندي مخالف، وكان من اجراءات عقوبته ان يحلق شعر رأسه "نمرة اربعة"، وهكذا كان هذا الجندي، مادة التدريب لجنود الدورة في ذلك اليوم، الذي سيبقى خالدا في ذاكرته، مثلما سيبقى في ذاكرة الجنود الذين، كانوا طيلة تدريبهم "في رأس" هذا الجندي، يكتمون ضحكهم المعجون باحساسهم بالالم لما الحقوه من اذى نفسي بهذا الجندي المسكين، الذي قال لهم وهو يندب حظه العاثر: لو ذهبت لأهلي وقلت لهم ان عشرين شخصا حلقوا راسي، فهل سيصدقون؟

لاشك ان هناك، اكثر من طرح مضمر، تثيره هذه الحكاية، او الواقعة. فالجندي الذي خالف الاوامر، يستحق وفق القوانين العسكرية، العقوبة المنصوص عليها ووفق الضوابط العسكرية ايضا، اي اخذه الى الحلاق وحلاقة شعر راسه، وينتهي الامر. لكن من سوء حظه، تصادف هذا مع وجود دورة للحلاقين في مقر الفرقة او التشكيل، حيث تقام الدورة، وكان لابد من تطبيق عملي اثناءها، وبما انه لا يوجد من يتطوع، لان يجعل من راسه حقلا لتجارب حلاقين متدربين، فلا يوجد افضل من ارسال مخالف، لانه في النتيجة، ومهما كثرت اخطاء المتدربين وهم يحلقون شعره، سيحلق على طريقة المخالفين والتي لا يراعى فيها الجانب الجمالي، لكن المشكلة تكمن في اسلوب تطبيق العقوبة الذي اخذ منحى اخر، يتمثل في جعل راسه حقلا للتجارب، وسيعبث به اكثر من واحد وعلى حساب كرامته التي لا يستطيع ردها في الحياة العسكرية.

كثيرا ما اتذكر هذه الحكاية التي مضى عليها اكثر من ثلاثين عاما، واجد انها تصلح لمقاربة مع واقعنا الحياتي كعراقيين، لتشابهه مع ما حصل لذلك الجندي، مع الفارق الكبير بالتأكيد، اذ اصبح العراق بعد العام 1990 "مذنبا" ويجب ان يعاقب. وهكذا اشتركت اكثر من ثلاثين دولة، باسم القوانين الدولية التي لم تراعَ عند تنفيذ العقوبة القاسية التي صرنا نعيش فصولها، كشعب، منذ ربع قرن، وبطريقة حملت الكثير من الغرابة والدهشة، حتى لأكثر العارفين بفن الجريمة. فبعد حصار حديدي وحرب مدمرة اتت على كل ما بناه العراق منذ تأسيسه، ظل الحصار مستمرا، وبعد ان باتت الدولة منهكة والشعب جائعا بعد منعه من التمتع بثرواته، اتى الاحتلال الذي ظن كثيرون بانه سيكون نهاية تلك "العقوبة" الطويلة، واذا به بداية لأخطر مفاصلها، بعد ان سمح الاحتلال بدخول عشرات الالاف من الارهابيين ومن مختلف دول العالم، من اجل تقويض الدولة تماما.

السبب هو ان هناك مشاريع سياسية كبرى في المنطقة، وانه لا بد من صناعة نماذج لها، بدءا من مشروع النظام الدولي الجديد، مطلع التسعينيات، وانتهاء بمشروع الشرق الاوسط الجديد، الذي استدعى احتلال العراق، وكل تلك المشاريع المعلنة والخفية، يجب ان تنفذ بـ"راس العراق" لنغدو ضحايا مستمرين، والى امد غير معلوم، للاسف الشديد.