رأس الحكمة تقسيم العراق

بقلم: عبدالغني علي يحيى

بالتدريج، ولو ببطء تحل فكرة تقسيم العراق الى ثلاث دول: شيعية وسنية وكردية محل فكرة تقسيمه إلى ثلاثة أنظمة فيدرالية للمكونات الأجتماعية الرئيسية الثلاثة تلك التي ما برح الكرد يتبنونها اي الفدرالية بشكل لافت فيما تناهضها نخب من المكونين الاجتماعيين: الشيعي والسني.

إلا أن تواصل الأرهاب وتوالي الأزمات، واخفاق المبادرات تلو المبادرات لحل الأزمة السياسية في العراق وتنامي الفساد بكل أشكاله، جعل من قطاعات على ضيقها الآن في المجتمع العراقي، ومن بينها كتاب وسياسيون عراقيون من العرب، يدعون وبحماس إلى احلال الحل التقسيمي محل الحل الاتحادي أو الفيدرالي. ومن المتحمسين إلى الحل الأول الكاتب السياسي العراقي خضير طاهر الذي نادى به ضمن فترة زمنية جد ضيقة وفي ثلاثة مقالات له، نشرها في صحيفة "صوت العراق" الالكترونية، ورد في احدها: "ولعل (أخف الضرر) للخروج من هذه الكارثة ووقف نزيف البلد وثرواته هو خيار التقسيم الى ثلاث دول شيعية وسنية وكردية".

وتكررت الصيغة بأشكال مختلفة في مقاليه الآخرين كذلك. ما يعني ان الكاتب على عجل من أمره، في أن لا يفوت قطار التقسم العراق وكأني بلسان حاله يقول "خير البر عاجله". وفي الفترة عينها أشار السياسي العراقي المخضرم عدنان الباجه جي الى حق الكرد في الانفصال عن العراق واقامة دولة مستقلة لهم، وذلك في مقابلة تلفزيونية أجرتها معه فضائية السومرية العراقية، وقبله باسابيع قال الكاتب السياسي المعروف حازم صاغية: "ان تأريخ الوحدة العراقية منذ عشرينات القرن الماضي لا يشجع الاكراد على الولع بالعرب وعلى مشاركتهم دولة لا تنمو ولا تقوى الا على حسابهم". وتزامنا مع قوله برر د. فيصل القاسم الانفصال "كصرخة ضد التهميش والعزل والاهمال والظلم والغبن والمحاباة والابارتيد العرقي والطائفي والمناطقي..الخ". وقبل ايام من الان وتعليقا على الكاتب المعروف مأمون فندي الذي قال "بأنهيار دولة ما بعد الاستعمار" اي الاقطار التي سبق وان كانت مستمعرات ثم استقلت ومن بينها العراق، تعليقا عليه قال كاظم مصطفى في "الشرق الاوسط" اللندنية "ويبقى العراق على رأس قائمة تحلل الدولة وتقسيمها بين العرب والاكراد وبين العرب انفسهم من شيعة وسنة."

اعود الى تعلق الكرد بالفيدرالية، الذي يذكرنا وسط تزايد المناداة بتقسيم العراق الى ثلاث دول مسقلة، بالمقولة "ملكي اكثر من الملك" ولكن ليس عن قناعة طبعا، إنما خوفا من الصاق تهمة الانفصال بهم والتي غالبا ما تكون جاهزة، ومرصعة بتهم فرعية ان جاز القول، كالعمالة للصهيونية والغرب قد تترتب عليها حملة عسكرية من شانها ان تقضي حتى على الحقوق القومية المتواضعة التي نالوها عبر كفاحهم الطويل والشاق. وأرى ان خضير طاهر (ومن يفكرون مثله)، لن يتوقف عند دعواته تلك، بل سيعيد طرحها في القادم من الايام ايضاً، لقناعة راسخة لديه، من ان التقسيم بمثابة سفينة تقود العراق والعراقيين الى بر الأمان والحرية والأعمار. وكلما جاء التقسيم سريعاً، كلما كان وصول السفينة الى المرفأ أسرع.

تبقى الصيغ: الشراكة الوطنية..التوافق..حكومة الاكثرية..الخ من الصيغ التى مل العراقيون سماعها ووقفوا على زيفها وعقمها وبطلانها، مضيعة للوقت، وهدراً للطاقة والمال لا اكثر بعد ان صارت "الوحدة العراقية" فكرة ساذجة تثير السخرية والاستهزاء، ومزعجة بحق مقابل تعمق التقاطع بين المكونات الاجتماعية المذكورة بصورة أشد من ذي قبل. فبعد ان كان التقاطع في الماضي بين العرب والكرد بدرجة أولى، فان تقاطعاً أخر، واشد دموية وكارثية، ألا وهو التقاطع الطائفي بين الشيعة والسنة دخل على الخط بقوة وراح يتقدم عليه. واذا كانت الوحدة العراقية القسرية قد أدت في الماضى الى حروب بين العرب والكرد منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 والى عام 1991 وانتهت، بتدخل التحالف الدولي لحماية الكرد ضمن خط العرض الـ36 وبفضله تمتع الكرد والعرب بالسلم الاجتماعي وبالاستقرار وتقدمت كردستان بشكل مدهش نتيجة تقسيم غير معلن وناقص في أن، فأن تقسيماً أخر حل في العراق منذ عام 2003 بين الجنوب الشيعي والوسط السني فيه حين دخلت الطائفتان في صراع دموي رهيب، وتحولت المنطقة التي اصطلح على تسميتها بالمثلث السني الى منطقة مغلقة للسنة والتي شهدت تطهيراً عرقياً وطائفياً ادى الى نشوء جدار عالٍ وسميك بين المكونات الثلاثة: الشيعي والسني والكردي وراح ضحيتة الالاف من ابناء الطائفتين، وما يزال.

ما يجري في العراق، ليس حرباً على الأرهاب كما يشاع، بل حربا طائفية شيعية – سنية لن تتوقف الا بالفصل بين الطائفتين، وهي اخطر وافتك والأشد كارثية من الحروب التي دارت بين الكرد والحكومات العربية العراقية على امتداد الـ70 سنة (1921- 1991). ومن مساوئ الحروب الأهلية العراقية في الماضي تسببها في اندلاع حربي الخليج الأولى والثانية المدمرتين، والحاق اجزاء من الارض العراقية بدول الجوار كافة عدا تركيا. ويتحاشى حكام العراق الحاليون مثلما تحاشى الحكام السابقون، ذكر حجم الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بالعراق وشعوبه جراء الحروب الداخلية والدولية الاقليمية، في وقت نجد فيه ان خسائرالدول من وراء الحروب غالباً ما توثق بالأرقام، على سبيل المثال ان خسائر الولايات المتحدة في حروبها بافغانستان والعراق وقبلهما في فيتنام قد دونت بالارقام، وقبل فترة، ذكر ان السودان كان يصرف كل يوم نحو مليون دولار في حربه مع الجنوب. بلا شك أن لغة الأرقام في الحالة العراقية ستكون مخيفة للغاية، فيما لو أثيرت، واذا أثيرت فان اثارتها لا بد وان توسع من دائرة المطالبة بتقسيم العراق. وهنا يكمن السر في تخوف الحكام العراقيين من التطرق الى لغة الأرقام سواء في الحرب على الكرد في الماضي أو تلك الدائرة بين الشيعة والسنة منذ عام 2003، والأنكى من ذلك انهم كانوا يقللون من اضرار حروبهم على الكرد الى درجة وصفهم لمعركة رهيبة ضد الكرد عام 1967 بـ"نزهة ربيعية" أو وصف الثورة الكردية بـ"الجيوب".

ان كل الحروب التي شهدها العراق بين العرب والكرد كانت بسبب الوحدة القسرية التي فرضت على المكونات الاجتماعية العراقية الثلاثة، ولم يدر بخلد أحد ان الوحدة القسرية "وحد تسد" تؤدي الغرض نفسه لـ"فرق تسد" الذي نسب في الماضي الى العثمانيين ومن بعدهم الى المستعمرين الغربيين وغيرهم، لكن الوحدة القسرية او بالاحرى "وحد تسد" والتي فرضها المستعمرون الغربيون على الشعوب العراقية، لم تكن باقل خطورة وكارثية على هذه الشعوب من "فرق تسد" لذا فان المستعمرين، الا نادراً، يعتمدون في سيطرتهم على الاقوام مبدأ "وحد تسد" الذي جعل من الصراعات الدموية بين المكونات الاجتماعية المختلفة في اللغة والدين والمذهب داخل البلد الواحد، تدوم وتصير مزمنة.

يساعد على تثبيت "وحد تسد" قصرنظر الحكام العراقيين والحكام من الدول العربية والاسلامية التي تتميز بالتعددية القومية والدينية والطائفية في تمسكهم بالمبدأ المذكور، وظل المستفيد من "وحد تسد" اعداء العراق، بعد أن درت الوحدة القسرية بمنافع كبيرة عليهم وبأضرار اكبر على الشعوب العراقية.

ان من أسباب قيام النظم الدكتاتورية في العالمين العربي والاسلامي بألاخص، نفي الحقوق القومية لمكونات اجتماعية فرضت عليها وحدة قسرية مع امم مهيمتة عليها. فلا غرابة مثلاً، ان يجري الحديث عن تقسيم محتمل لليمن الى ثلاث دول او أكثر وليبيا الى دولتين، وقل الشئ ذاته عن سوريا، اما السودان فأن اكثر من تقسيم بعد انفصال الجنوب عنه، ينتظره. ولا غرابة ايضاً، في أن نجد الطغاة العرب، القذافي وعلي عبدلله صالح والأسد، يعتبرون انفسهم ابطالاً للوحدة الوطنية المزعومة ويحذرون من أن ازاحتهم عن الحكم ستتوج بتقسيم دولهم. نعم ان المتشبثين بالوحدة القسرية هم غلاة الدكتاتوريين الذين تسللت فكرة التقسيم الى دولهم كتحصيل حاصل لسياساتهم القمعية وللوحدة القسرية التي فرضوها على شعوب دولهم. ودلت التجارب ان دولة الوحدة مهما كانت ديمقراطية وحرة وعادلة فانها لن تلبي امال واماني المكونات الاجتماعية المقهورة في دولة الوحدة. ففي بريطانيا التي تعد من اعرق الديمقراطيات في العالم، ثمة رغبة اسكتلندية عارمة للانفصال عن بريطانيا وفي اسبانيا الاوروبية الديمقراطية يطالب اقليما الباسك وكاتلونيا بالانفصال، وقبلهما سعى اقليم كوبيك في كندا للانفصال وفي خبر اذيع قبل ايام ان هنغاريي رومانيا يطالبون بالانفصال.

لا ننسئ أن خرائط العالم السياسية كأية ظاهرة حية خاضعة للتغير، وان بلداناً شهدت التقسيم بناء على مصالح شعوبها، خذ الاتحاد الاسوفيتي السابق مثلاً على ذلك والذي ثم تقسيمه الى نحو 15 دولة وجيكوسلوفاكيا الى دولتين ويوغوسلافيا الى عدد من الدول، ولولا هذا التقسيم لكان من المتوقع ان تنشب حروب مدمرة بين شعوب تلك البلدان.. وقبل اكثر من 50 عاما مرت سوريا ومصر بتجربتين متناقضتين. الوحدة اولاً ثم الانفصال، وقبل 50 عاما ايضاً توصلت الدول الاستعمارية الغربية ومعها منظمة الامم المتحدة الى لاجدوى بقاء المستعمرات، فتشكلت "لجنة تصفية الاستعمار" في الامم المتحدة التي اخذت على عاتقها تصفية الاستعمار وتعاملت الدول الاستعمارية بوعي وحكمة مع الجنة تلك وقد تيقنت، ان الاضرار الناجمة من وراء ضمها القسري لاوطان الغير اليها اكبر من الارباح التي تجنيها من وراء الضم. وهكذا فان الوحدة القسرية المفروضة على الامم واجناس في الدول العربية شكل من الشكال الاستعمار والقهر والعبودية ولن تغير من هذه الحقيقة الاوصاف المخلوعة على الوحدة القسرية مهما كانت براقة لماعة جذابة من قبيل الاخوة في الدين والوطن الواحد، او كما كان يسمى في الاتحاد السوفيتي السابق بالوطن الاشتراكي الذي عد الانفصال عنه خيانة!

لن تتقدم البلدان العربية والاسلامية ذات التعددية القومية والدينية والمذهبية او تتطور وتلحق بركب الامم المتمدنه مالم تسلم بحق شعوبها في تقرير المصير بما فيه حق الانفصال واقامة الدولة المستقلة. ان هذه البلدان أحوج ما تكون الى غورباتشوف يصحح خرائطها السياسية وينهي اختراقات الامم المهيمنه للحدود الاجتماعية لأمم اخرة مقهورة. انها احوج ما تكون الى بورقيبة الذي كان قد دعى قبل نحو 60 عاما من الان الى تقسيم فلسطين بين العرب واليهود، والذي رفضه العرب، ثم عادوا ليعضوا اصابع الندم، ولوا كانوا قد عملوا بنصيحته، لما طالبوا اليوم بالعودة الى حدود عام 1967 المرفوضة رفضاً قاطعا من قبل اسرائيل.

لقد برهنت الوقائع صعوبة التعايش السلمي بين المكونات العراقية الرئيسية في دولة الوحدة، وما على الجميع الا الاقرار بذلك بشجاعة ونبذ ما يخالفه واذا كان الكرد غير مولعين بالعرب في اي يوم من الايام، فان الشيعة والسنة لم يكونوا منذ مئات السنين مولعين ببعضهما بعضاً، وهيهات ان يسود السلم الاجتماعي بين الشيعة والسنة والكرد بمعزل عن تقسيم العراق.

عبدالغني علي يحيى

Al_botani2008@yahoo.com