ذي قار... إما الحجاب وإما القتل

الناصرية التي انتجت الأدباء والفنانين أخذت تطويها ثقافة الكهوف

حرية المرأة بشكل عام هي أن تأخذ المرأة مكانها الطبيعي في المجتمع وتتمتع بالحرية التي تحقق لها حياة كريمة وتصون حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وباختصار أن لا تعامل معاملة العبيد وينظر لها وكأنها خلقت للجنس والأطفال والخدمة المنزلية فقط، وحرية المرأة حق مشروع في كافة الصعد بما فيها حق التعليم والدراسة والعمل بشقيه السياسي والمهني.

وما نص عليه الدستور العراقي حول حقوق المرأة معروف لا لبس فيه على الرغم من مثالبه ونواقصه وهو واضح، إلا أن الدستور والقوانين وحقوق المرأة المشروعة مع الأسف الشديد في واد وما يجري على ارض الواقع من تخلف وتجاوز على حقوق الكثير من النساء في وادي آخر، و قد ظهر هذا الأمر خلال السنين السابقة وكيف جرى معاملة النساء بشكل لا حضاري ولا إنساني في الكثير من الحالات، والحديث المنمق في المحافل الرسمية عن الحريات وحقوق النساء ما هو إلا حبر على ورق، فالمرأة بقت ضحية لأوهام ذكورية تعتبرها ناقصة "عقل ودين" ولهذه الكلمتين الوضيعتين معنى واضح أيضاً، فالذي لا عقل له معروف ولا يحتاج إلى شرح وتفسير، والثانية بدون دين تعتبر خارجة عن المألوف في الإسلام إي أنها كافرة أو مرتدة يحق لمن يشاء قتلها أو سبيها مثلما حدث للمواطنات العراقيات الآزيديات في سنجار وغيرهن من الشبكيات والمسيحيات، والذي يتتبع مجريات ما جرى على أيدي داعش واحتلال الموصل وغيرها سوف لن تصعقه صاعقة فقط بل وكأن القيامة قد قامت، فما سلمت امرأة إلا النادر منهن من الاعتداء والاغتصاب الهمجي الإجرامي، وقبل أن يقوم داعش من جرائم بالضد من النساء وما جرى من سلب للحريات وبالأخص حرية المرأة والتجاوز على حقوقها كانسان فان حوادث الاعتداء على النساء في العراق ليست بالقليلة وتراوحت ما بين القتل والاعتداء والخطف والتهديد، وهذه الأعمال لا يمكن فصلها عن ذلك المخزون الرجعي المتطرف الذي تقوم به المنظمات الإرهابية التكفيرية ولا يمكن فصله عن ما قامت وتقوم به الميليشيات الطائفية التي استغلت تواجدها المسلح وتحت أبصار المسؤولين الكبار في الدولة بحجة الشريعة والدين فكم من نساء اعتدى عليهن في شوارع العاصمة أو المحافظات! وكم هي النظرة الدونية بالضد من حقوقهن! وكم منهن منعن أو تعرضن إلى التهديد والوعيد لأنهن سافرات!، أما قضية الانتماء والعمل السياسي أو المهني النقابي فذلك يعتبر حرام عليهن لا بل تستعمل مختلف الضغوط حتى تحت طائلة الفتاوى من قبل البعض من رجال الدين، وممارسة الضغط والتهديد حتى بالقتل لكي يمنعن ليس فقط من العمل في هذه المجالات فحسب بل حتى الخروج من منازلهن ولدينا العديد من الأمثلة التي من الممكن نسوقها وهي غير قليلة، لكننا نكتفي في هذا الصدد أن نسوق مثالاً حياً يخص امرأة متعلمة وخريجة جامعية ولديها ثلاثة أبناء، وهي عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ونصيرة في قوات الأنصار التي حاربت النظام ألبعثي ألصدامي وعضوة في رابطة المرأة العراقية المعروفة بدفاعها عن المرأة وحقوقها وتعرض عضواتها إلى الملاحقات الإرهابية والبوليسية والكثير منهن قد سجن وتعرضن لأبشع أنواع التعذيب النفسي والجسدي واغتيل البعض منهن في السجون وحتى وصولاً إلى الإعدام.

هذا المثال يتمثل بالسيدة هيفاء الأمين المعروفة بشجاعتها ومواقفها ليس في مدينتها الناصرية فحسب إنما في العراق وهي معروفة جماهيرياً حتى أشير أنها حصلت على حوالى ( 14 ) ألف صوت انتخابي في الانتخابات الأخيرة، هذه المناضلة وبسبب سفورها وقناعتها بان الحجاب حالة شخصية في الاختيار وحسب قناعة الإنسان وحريته مادام الأمر لا يخرج عن المألوف ويتماشى مع مفهوم الحرية التي لها ضوابطها، فهي تتعرض الآن إلى ضغوطات هائلة حتى وصل الأمر إلى التهديد

أولاً: بالقتل

ثانياً: مغادرة مدينتها الناصرية

ثالثاُ: أو ارتداء الحجاب على الطريقة التي تجعل منها إمعة لا تستطيع أن تقف للدفاع عن حقها في الاختيار.

هذا التهديد بالقتل هو الطريقة المتبعة في ما يسمى طاعة المرأة حتى لو كانت الأمور خاطئة وغير طبيعية ، لقد رفضت هيفاء الأمين إلى حد هذه اللحظة التهديد بالقتل أو مغادرة مدينتها أو لبس الحجاب وهي التي كانت منذ نعومة أظافرها سافرة في جميع مرافق حياتها وفي المدرسة الابتدائية والثانوية والجامعة، وهي المتحررة فكرياً من التقاليد البالية التي تنظر للمرأة وكأنها سلعة أو بضاعة تستعمل في وقت الضرورة والحاجة، وهي مقتنعة بأن للمرأة الإنسان أحقية في الحياة ومساواتها بالرجل في كافة المجالات ما عدا الجنس البشري باعتبارها أنثى والرجل ذكر ، وهي مؤمنة بمساواتها في العمل المهني والدراسة والتعليم والسياسة والانتماء السياسية والمهني .

اليوم وبعدما قدمت السيدة هيفاء الأمين شكوى في الناصرية لحمايتها من التهديدات نؤكد أن التهديد لا يختصر على نوع معين وله طرق عديدة وملتوية فما وراء الأكمة ما ورائها ونعتقد أن هناك جهات من أحزاب ومنظمات الإسلام السياسي خلفها بعدما وجدوا أن هذه المرأة قد تشكل خطراً عليهم في الانتخابات القادمة أو فيما يخص العمل النسائي الذي يطالب بالحقوق المشروعة، وهم يرون أنها تشكل خطراً على سياستهم التي تحاول أن تحجب حقوق المرأة في العمل السياسي والاستقلالية الفكرية.

في الوقت نفسه نطالب السلطات في محافظة الناصرية ان تتخذ الموقف الايجابي من تهديد هيفاء الأمين وحمايتها والتحرك الجدي للوقوف معها ضد من يريد أن ينتهك حريتها وعملها السياسي والإنساني، هذه الحماية تعني الدفاع عن جميع النساء في المحافظة أو في كل أنحاء البلاد، وستكون هذه السلطات مسؤولة أمام الحركة النسوية العراقية والدولية والأحزاب الوطنية ومنظمات المجتمع المدني وأمام أكثرية الشعب العراقي إذا ما لحق بهذه المناضلة إي أذى أو اعتداء على حياتها.

مصطفى محمد غريب

كاتب عراقي