ذهبية سبتمبر ويمن جديد

بقلم: عباس الضالعي

تحتفل الجمهورية اليمنية يوم الأربعاء 26 سبتمبر 2012م باليوبيل الذهبي لذكرى ثورة سبتمبر المجيدة في غياب رئيس اليمن الجديد عبد ربه منصور هادي، وغياب كامل وللأبد للزعيم المتقاعد علي صالح الذي ظل لأكثر من ثلاثة عقود متتالية وهو يحضر هذه المناسبة دون أن يدرك معاني وأهداف ثورة سبتمبر التي قامت من أجل القضاء على الحكم العائلي والإستبداد الفردي، بينما الزعيم الذي سقط بفعل الثورة الشعبية كان يحظر لحكم عائلي جديد في زمن غابت فيه سيطرة العائلات وتهاوي عروش الأفراد.

لأول مرة تحتفل اليمن بذكرى واحدة من ثوراتها في ظل غياب كامل وأبدي للحاكم الفرد وتزامن هذا الإحتفال بمرور خمسين عاما عجاف وقد يحسب لهذه العقود الخمسة الماضية انها كانت سببا لمخاض الثورة الشبابية الشعبية السلمية وهو الشيء الإيجابي لهذه العقود ما عداها يعتبر طبيعيا ولا يسجل لهذه الفترة اي معجزة، لأن المعجزات تتمثل في الأعمال والمشاريع الإستراتيجية النادرة، أما عشرات الكيلومترات من الطرق وعدد من المستشفيات المعلولة في ذاتها والمدارس التي اصبحت تنتج الأمية والجامعات التي تتساوى مع ورشة اللحام فهذه ليست مشاريع وإنما أعمال طبيعية وروتينية.

كذب البركاني سلطان علينا حين قال يوما أن علي عبدالله صالح هو الطريق وهو المدرسة وهو الجامعات وهو المستشفيات وهو الأمن والأمان، فهذا كله احتكار وتسلط ومغالطة، وهذه المشاريع المهترئة كان يستطيع توفيرها "راعي الإبل" ناهيك عن رجل تزعم اليمن لأكثر من ثلاثة عقود، وهناك فرق بين ما هو روتيني وبين ما هو نادر أو ابداعي فهذه الاشياء لم نراها وما كان نادرا وغلطة زمنية مقصودة هو وجود شخص مثل علي عبدالله صالح يتولى زعامة اليمن ورئاسة الدولة لهذه العقود الثلاثة دون احداث اي شيء على مستوى البنية التحتية او الثقافية، ما أوجده هو التغيير السلبي ثقافة وسلوكا وحضارة.

تحتفل اليمن بعيدها الذهبي وهي تتجه نحو الغد المشرق ذهبية لفترة قاسية، نتيجة الوضع الكارثي الذي كاد أن يهلك الحرث والنسل ووصل اليمن الى مرحلة إنسداد كامل على مختلف الجوانب، هذا الوضع ساعد وساهم بدفع عملية التغيير الجماهيرية أسوة بالثورات الجماهيرية سبتمبر وأكتوبر مع فارق السلمية بين ثورة فبراير وثورتي سبتمبر وأكتوبر، وهذه السلمية سيكون لها أثر إيجابي كبير نلتمسه كواقع بعد مرور عامين أو ثلاثة، السلمية في الثورات الحديثة منهجا جديدا أبهر فلاسفة السياسة وحكماء العالم.

ذهبية سبتمبر تحل على اليمنيين كذكرى غالية قدمت فيها التضحيات تحل علينا بحلة يمن جديد يسير نحو التغيير الشامل ولكن للأسف تحل هذه الذكرى ورئيس اليمن الجديد عبد ربه منصور هادي في مهمة عمل خارجية، كان يتمنى اليمنيين ان تحل هذه الذكرى وهو بيننا نشاهده على التلفاز حين يلقي بيان المناسبة ونستمتع بلهجته و"لكنته" التي تحمل البراءة وتبتعد عن أي تكلف، وهذا ما يعجبني فيه وأعتبرها نوعا من التميز، وما أعجبني أكثر في سلوك الرئيس هادي هو الشعور بالمسئولية والوقوف على مشاعر شعبه حين وجه اعتذارا لعدم حضوره احتفالية ذهبية سبتمبر فهذا النوع من السلوك لم نعهد مثله في سلوك الزعيم الذي أسقطه الشعب وخلعته الثورة، وهذه واحدة من بوادر التغيير الجديدة التي يكون فيها الرئيس موظفا وقائما على مصالح المواطنين لا العكس ان يكون الشعب وما عليه وما فيه يكون رهينة عند مصالح شخص الرئيس كما كان في السابق.

اليمن الجديد من حقه ان يحتفل احتفالات عظيمة بمناسبة ذكرى ثوراته وأيامه العظيمة (سبتمبر أكتوبر نوفمبر مايو فبراير) فهذه ايام كلها مجد وان كان هناك "غصة" من ارتباط بعض هذه المناسبات بمساوئ الماضي لكن لا يمكن الغائها لأننا قادرون على تصحيح مسار تلك المناسبات ونحولها الى مناسبات وطنية أكثر روعة.

يحزنني ان تحل ذهبية سبتمبر التي قامت على اساس تحرير اليمن ارضا وإنسانا من الظلم والجهل والتخلف ان تأتي هذه المناسبة وبعد مرور خمسون عاما على قيام هذه الثورة واليمن يرزح ويعاني من التخلف والجهل الجديدين ويعاني من عاهات كثيرة عملت على سلب المواطن كل أنواع العيش المستقيم، تحل هذه الذكرى والظلم موجود وبصور شتى والظالمين كثيرون، كانت المعاناة من الجهل في ظل غياب الإمكانيات ووسائل النقل والاتصال فحلت هذه الذكرى والجهل الرسمي ضارب في اعماق الإنسان ومتحكم على كل شيء، قامت ثورة سبتمبر على الأئمة الذي يشترط نظامهم في من يكون اماما ضرورة توفر اربعة عشر شرطا ادناها ان يكون قد بلغ درجة الإجتهاد في العلم ودستور علي عبدالله صالح كان يشترط شرطين ان يكون يمنيا ومن ابوين يمنيين! وان يقرأ ويكتب! وهذه الشروط فصلت كقالب سياسي تنطبق عليه، لأنه الرجل البدوي الذي لم يغادر حدود قريته في سنحان فكيف له ان يكون من ابوين احدهما غير يمني والمقصود بأحدهما هنا هي الأم التي تعتبر متغيرا استثنائيا للشخص حين يبعث للدراسة في الخارج ويتزوج بزوجة غير يمنية، وللعلم كل دساتير الحكام من على شاكلة علي صالح كانوا يفصلون شروط من يتولى الرئاسة على مقاساتهم، وليست هذه الشروط بدوافع الحفاظ على أمن البلد وإنما قطع الطريق أمام الأشخاص من طبقة "النخبة" وهم على قدر عالي من التأهيل والتحصيل العلمي.

فترة خمسين عاما تقترب من الفترة التي قطعتها امبراطورية الصين العظيمة وكوريا الجنوبية، وتزيد على فترة عمالقة أسيا ماليزيا واندونيسيا وجميعنا يعرف أين وصلت هذه الدول والوضع العالمي الذي تحتله في الاقتصاد والصناعة والاختراع، عام 1954م تقريبا كان اليمن مكتفي ذاتيا من الحبوب التي كانت الوسيلة الرئيسية للغذاء بينما كانت كوريا الجنوبية وماليزيا تعاني من المجاعة، وبعد خمسين عاما كوريا وماليزيا من اكبر اقتصاديات العالم واليمن ثالث دولة قبل الاخير كأكبر دولة تعاني من الفقر، هذا هو الفارق الذي عانى منه اليمن حين اغتصبت ثورته من اشخاص يحملون شهادات الجهل ومؤهلات التخلف، وهذا ما لم ولن يحدث لثورتنا الحالية مهما كانت الاسباب ومهما كانت التضحيات فهي محمية ومحروسة بفضل شبابها المتسلحين بالعلم والمعرفة.

ذكرى عظيمة لفعل عظيم تأتي واليمن على مشارف الولوج الى مستقبل جديد وبخطى ثابتة ولهذا نسينا مرارة المصاب الذي رافق حياة اليمنيين لخمسة عقود كلها مآسي وويلات، تفاؤلنا كفيل بتعويض ما فات علينا ونحن قادرون على تجاوز الزمن ويكفي اننا صنعنا لليمن والأجيال القادمة "زر أمان" لعدم التجاوز او الاغتصاب او الانتهاك، والأكثر من هذا ان الثورة استنهضت الجميع على السعي للمحاسبة على كل الانتهاكات التي ارتكبت خلال الفترات الماضية ويكفينا فخرا ان هذا الجيل عمل على تأمين المستقبل من أي مخاطر قد تأتي فيما بعد.... هنيئا لكل اليمنيين هذه الذكرى ومبروك لنا جميعا باليمن الجديد ودعواتنا بالتوفيق من الله لرئيسنا الجديد هادي وان يعود الينا بسلام.

عباس الضالعي