ذكريات على شواطئ القصيدة مع الشاعر عبد المنعم الأنصاري

بقلم: أحمد فضل شبلول
أنا أحفظ في ذاكرتي عطر من أهوى

أول من قدمني إلى الساحة الشعرية بشكل لائق، هو الشاعر الراحل عبد المنعم الأنصاري، الذي أحسست نحوه بعاطفة الابن لأبيه، بعد أن كاد الخلاف حول الشكل الشعري يعصف بالمشاعر التي كان يكنها كل منا للآخر.
بعد أن تأكد الأنصاري أننا ـ مجموعة الشعراء الشباب التي كانت ترتاد قصر ثقافة الحرية بالإسكندرية، منذ منتصف السبعينيات ـ تعلمنا العروض على يد الشاعر محجوب موسى، واجتزنا عقبة التعبير باللغة الفصحى، وبدأنا نمتلك أدواتنا الفنية، وأصبحنا لا نقلد أحدا من الشعراء، سعى إلينا بأبوة حقيقية، عاملا بالمثل العامي (إن كبر ابنك خاويه)، وقال بالحرف الواحد: "يا ولاد أنتم كبرتم، وصار منكم شعراء حقيقيون، لذا سأقدمكم في الندوات الشعرية الكبيرة. وليتكم تقدمون قصائد عمودية في هذه الندوات." قلت له: نحن نقدم ما يمثلنا ولا تفرض علينا شكلا معينا. وتوقعت أن يغضب مني، ولكنه ابتسم وقال يداعبني: أما أنت يا شبلول (فلتقول) ما تريد. وصرنا أصدقاء من وقتها.
قدمني ذات مرة في قصر ثقافة الأنفوشي للحديث عن الشاعر أدونيس، وكتابه "الثابت والمتحول". واعتقدت أنه لم يقرأ الكتاب، وأن الجهد سيقع بكامله عليّ، وأثناء حديثي كان يعلق على بعض العبارات كي يقربها لجمهور الندوة، وبما يفيد أنه قرأ الكتاب وهضمه، رغم اعتراضه على معظم ما جاء به.
وفي نهاية الندوة وجدته يطلب مني التوقيع على استمارة تخص قصر ثقافة الأنفوشي، فوقعت عليها، وإذا به في الحال ينقدني عشرة جنيهات مكافأة لي عن تلك الندوة، وكانت أول مكافأة نقدية أتسلمها عن ندوة تقام في قصر من قصور الثقافة. وعندما شكرته مستأذنا في الانصراف، سألني: إلى أين؟
قلت له: إنني سأتجه إلى منزلنا بمحرم بك.
فسألني ضاحكا: والعشرة جنيه؟
فأجبت: إنها لي، أليس كذلك؟
قال: نعم هي لك، ولكن ستعزمنا على الشاي في ديليس لنكمل الندوة هناك.
وإذا بي أصرف مكافأة الندوة (وأكثر منها) على طلبات الأصدقاء في ديليس، وكنت سعيدا جدا لأن العلاقة تحولت بيني وبين شاعر الإسكندرية الأسمر (كما كان يطلق عليه) محمد عبد المنعم الأنصاري، إلى صداقة حميمة.
ثم دعاني للانضمام إلى جلسته بمقهى المحروسة بالإبراهيمية، (وكانت مشروبات اللقاء الأول على حسابه) وانتظمت في ندوة الأنصاري بتلك المقهى، التي كان يحضرها الشاعر الراحل فؤاد بدوي عند حضوره إلى الإسكندرية، والشاعر أحمد محمود مبارك، والشاعر الضابط محمد فرج، والكاتب المسرحي عبد اللطيف دربالة، والكاتب القصصي حسين أبو زينة، والكاتب القصصي مصطفى عبد الشافي، وغيرهم.
ثم دعاني الأنصاري إلى حضور مجلس توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وثروت أباظة عندما كانوا يحضرون إلى الإسكندرية في فصل الصيف، ويستقبلون أدباءها في مقهى الشانزليزيه المطل على البحر المتوسط بحي لوران، بعد أن تهدم مقهى بترو.
وفي أول زيارة لي مع الأنصاري إلى هذا المقهى صبيحة أحد الأيام، قدمني إلى توفيق الحكيم ونجيب محفوظ، وكنت أراهما وجها لوجه لأول مرة في حياتي، فسلمت عليهما، وجلست ـ فخورا ـ إلى جوار توفيق الحكيم الذي كان يجلس بجوار النافذة، وتشغله تحيات المارة بطريق الكورنيش، أما نجيب محفوظ، فقد كان يجلس على الجانب المقابل من المائدة المستطيلة، ولاحظت أنه يرتشف رشفة واحدة من فنجان القهوة الذي أمامه، ويتركه، إلى أن يرفعه الجرسون، وأبديت هذه الملاحظة للأنصاري، فأخبرني أن هذا الأمر من عادات نجيب محفوظ. وكان الحديث الرئيسي في هذه الجلسات ـ التي حضرتها مع هؤلاء العمالقة ـ عن زيارة السادات للقدس واتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع إسرائيل التي كان يبدو أن توفيق الحكيم مرتاح لها في ذلك الوقت.
***
عندما طُلِبَ من الأنصاري في بداية عام 1980 (وكان يعمل وقتها مشرفا ثقافيا بمديرية الثقافة بالإسكندرية) اختيار مجموعة من شعراء الإسكندرية للمشاركة في أمسية شعرية بكرمة بن هانئ (منزل أمير الشعراء أحمد شوقي) بالقاهرة. اختار مجموعة من الشعراء كبار السن من أمثال: محمود العتريس، وإدوار حنا سعد، وأحمد السمرة، وعبد العليم القباني، واختار اثنين من الشعراء الشباب، كانا الشاعر أحمد فراج، وأنا. ولكي يجعلني الأنصاري متأهبا للموقف، همس في أذني قائلا: أنا اخترتك مع الشاعر أحمد فراج، لحضور ندوة شعرية في كرمة بن هانئ، وربما يحضرها سيادة الرئيس.
قلت له: السادات؟ معقول؟.
فقال لي ألم يحضر منذ شهور قليلة أمسية شعرية ألقى فيها محمود يس وفاتن حمامة شعرا لأحمد شوقي؟
قلت له: حصل.
قال: فما المانع أن يحضر أمسية شعراء الإسكندرية في المكان نفسه؟
قلت: أشك في ذلك؟
أجابني: عموما حضر قصيدة عمودية جيدة لهذه المناسبة؟
قلت: تاني. فضحك وقال: (أنت راسك ناشفة).
وأراد أن يحمسني فقال لي: إن أحمد فراج سيقول قصيدة عمودية.
ققلت له: هو حر.
وبالفعل ذهبت مجموعة شعراء الإسكندرية لكرمة بن هانئ، ولم يحضر السادات بطبيعة الحال. ولكن فوجئت بوجود الأستاذ الدكتور أحمد هيكل (وكان وقتها عميدا لكلية دار العلوم، وقبل أن يصبح وزيرا للثقافة في عهد الرئيس مبارك فيما بعد) للتعليق على قصائد الأمسية. في تلك الليلة ألقيت قصيدة جديدة عن الإسكندرية بعنوان (إلى فتاة اسمها الإسكندرية) جذبت انتباه الدكتور هيكل وعلَّق عليها تعليقا مستفيضا، كما جذبته أيضا قصيدة فراج العمودية. مما جعلني أسعد بتلك القصيدة وبتلك الأمسية وأتذكرهما دائما، كلما تذكرت عبد المنعم الأنصاري، الذي كان فخورا بنجاح تلك الليلة، وباختياره لشاعرين من الشباب في الإسكندرية، أثبتا وجودهما. وتوثقت أكثر العلاقة بيني وبين الأنصاري وخاصة عند حضور مؤتمرات وندوات ومهرجانات خارج الإسكندرية، بل وخارج مصر، مثل مهرجان "المربد" العراقي.
وقد كان اعتقال ابنه طلال الأنصاري في قضية الكلية الفنية العسكرية عام 1974، من الأحداث التي زلزلت حياة الشاعر، فقدم أعمق شعره وأعذبه، ونشر الأنصاري بعض شعره هذا في ديوانيه "على باب الأميرة"، و"قرابين". ومن يقرأ قصائد هذين الديوانين، ويقارنها بقصائد ديوانه الأول "أغنيات الساقية" سيجد بونا شاسعا.
كان الأنصاري يقرأ عليَّ بعض قصائده الجديدة وعيناه تدمعان، فأحس بنزفه الشعري، وبفداحة الموقف الذي يعيشه الشاعر، حتى بعد أن أصدر الرئيس أنور السادات أمره بتخفيف العقوبة على طلال من الإعدام إلى المؤبد. يقول في قصيدة بعنوان "مقاطع من قصيدة لم تكتمل" كتبها عام 1975: ماذا أعد لمولاي الأمير .. ومن
أدعوه للحفلِ من أهلي وخلاني؟
ومن سيختار للمحبوب حلته؟
ولونها أبيض .. أم أحمر قاني؟
ومن سيصحبني لما أودعه
في آخر الحفل عند الشاطئ الثاني؟
ويقول في قصيدة "ربابة" المكتوبة عام 1979: يا سؤالا ما له الدهر إجابة
أغْلقَ العرَّافُ في وجهك بابهْ
والذي زيَّن لي حلم الهوى
راح بالحلم .. وأبقى سرابه
وأنا أحفظُ في ذاكرتي
عطرَ من أهوى إذا العطر تشابه
غير أني كلما اجتزتُ به
غابةً أنبتت الأشواكُ غابة
ويقول في قصيدة "نبوءة" المكتوبة عام 1980: تحوَّلَ مجرى النهرِ من أينَ أبدأُ
فإنَّ الغدَ المأمولَ بالقحطِ ينبئُ
وجفَّت ينابيعُ الدماءِ فأسرعتْ
بآجالنا الأحزانُ والحلمُ يُبطئُ
وفات أوانُ الغيثِ يا بؤسَ قريةٍ
ويا بؤسَ طيرٍ في الربى حين تظمأُ
مواسمنا مجهولةٌ .. أين شيخُنا
أما زالَ في محرابه يتنبأُ ؟
كان الأنصاري مرشحا للفوز بجائزة الدولة التشجيعية في الشعر عام 1987 وبعد أن أبلغه بعض أصدقائه من أعضاء لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، نبأ حصوله على الجائزة فبدأ يتلقى التهاني، ويوزع علينا قطع الحلوى والجاتوه والمشروبات الباردة، ولكن تخرج علينا جرائد صباح اليوم التالي بخبر حصول شاعر آخر (هو سعد درويش) على الجائزة، فيسقط في يدي الأنصاري، ويهتز اهتزازا شديدا، يؤثر على صحته العامة، وتبدأ صحته في الاعتلال، ثم يسلم روحه إلى بارئها عام 1990 بعد أن حفر اسمه في سجل الشعراء العرب المجيدين الذي أضافوا إلى صرح القصيدة العمودية، من روحه وإبداعه الشعري، لبنات جديدة. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية